ما أسباب قصور الغدد التناسلية عند الرجال؟ ولماذا ينخفض التستوستيرون؟

لقطة فوتوغرافية لشاب يبدو عليه الإحباط محاطاً بأيقونات طبية ترمز لأسباب قصور الغدد التناسلية وانخفاض هرمون التستوستيرون عند الرجال.

يراجع رجل في الثلاثينيات من عمره طبيبه بعد أن تكرر لديه الشعور بالتعب وضعف الرغبة الجنسية لأشهر، متوقعًا أن يُخبَر بأن السبب هو التوتر أو قلة النوم فقط. لكن تحليل الدم يكشف أن السبب هرموني بحت: قصور في الغدد التناسلية. ويتكرر هذا المشهد كثيرًا، لأن قصور الغدد التناسلية ليس سببًا واحدًا، بل مظلة تضم عشرات الأسباب المختلفة تمامًا في طبيعتها؛ فمنها ما يكون خلقيًا، ومنها ما يُكتسب لاحقًا، ومنها ما يرتبط بنمط الحياة أكثر من ارتباطه بمرض يصيب أحد أعضاء الجسم.

إذ كشفت دراسة سعودية أُجريت على رجال مصابين بقصور الغدة الدرقية أن نسبة كبيرة منهم أظهرت أعراضاً إيجابية لقصور الغدد التناسلية عند فحصهم، وهو ما يعكس مدى تشابك أسباب هذه الحالة وتنوعها بشكل قد لا يخطر على بال كثير من الرجال. ( المصدر: PMC )

في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية موسّعة لفهم كل الأسباب التي قد تقف خلف هذه الحالة، مصنّفة حسب موقع الخلل بدقة.

وإذا أردت أولاً التعرف على قصور الغدد التناسلية وأعراضه وتأثيره على الصحة الجنسية بشكل شامل، يمكنك الرجوع إلى المقال السابق من هذه السلسلة.


أولاً: تصنيف الأسباب حسب موقع الخلل

كما أوضحنا سابقًا، ينشأ قصور الغدد التناسلية إما من خلل في الخصيتين نفسيهما، وهو ما يُعرف بالقصور الأولي، إذ تكون الأوامر الهرمونية واصلة إليهما بشكل طبيعي أو حتى مرتفع، لكنهما لا تستجيبان بالكفاءة المطلوبة لإنتاج التستوستيرون.

أو من خلل في الوطاء (منطقة صغيرة في قاعدة الدماغ) أو الغدة النخامية (غدة صغيرة أسفل الدماغ مباشرة)، وهما مركزا القيادة اللذان يُصدران الأوامر الهرمونية أصلاً لتحفيز الخصيتين، وهو ما يُعرف بالقصور الثانوي؛ ففي هذه الحالة تكون الخصيتان سليمتين تماماً وقادرتين على الإنتاج، لكنهما ببساطة لا تتلقيان الأمر الكافي لتبدأ العمل. وسنمر على أسباب كل نوع بالترتيب، من الأكثر ندرة إلى الأكثر شيوعاً.


ثانياً: أسباب القصور الأولي — الخلقية

متلازمة كلاينفلتر (Klinefelter Syndrome)

تُعد متلازمة كلاينفلتر أشيع سبب خلقي، أي موجود منذ الولادة، لقصور الغدد التناسلية الأولي عند الرجال. وتنشأ بسبب وجود كروموسوم X إضافي؛ فالتركيبة الكروموسومية الطبيعية للرجل هي 46,XY، أي يحمل 46 كروموسومًا في المجموع، من بينها كروموسوم جنسي واحد من نوع X وآخر من نوع Y. أما في متلازمة كلاينفلتر فتكون التركيبة 47,XXY، أي يوجد كروموسوم X إضافي منذ الولادة.

وتصيب نحو رجل واحد من كل 600 مولود ذكر تقريبًا، ما يجعلها أشيع خلل كروموسومي جنسي عند الرجال، أي اضطرابًا في عدد الكروموسومات أو تركيبها. والأهم من هذا الرقم أن نحو ثلثي المصابين بها يبقون دون تشخيص طوال حياتهم، لأن الأعراض قد تكون خفيفة أو تُنسب لأسباب أخرى، وغالبًا ما يُكتشف المرض بالصدفة أثناء تقييم رجل لمشكلة عقم أو ضعف انتصاب دون معرفة مسبقة بوجود خلل كروموسومي أصلاً. ( المصدر: PMC )

ولفترة طويلة اعتُقد أن السبب المباشر هو عجز خلايا لايديغ، وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج التستوستيرون داخل الخصية، عن أداء وظيفتها. لكن أبحاثًا حديثة أظهرت صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ تكون خلايا لايديغ لدى هؤلاء الرجال في الواقع مفرطة النشاط وتحاول التعويض، لكن الأنسجة المحيطة بها تتحول تدريجيًا إلى نسيج متندب وضامر، أي نسيج ليفي يحل محل النسيج الطبيعي ويفقد قدرته على أداء وظيفته، ويرافق ذلك خلل في الأوعية الدموية الدقيقة المغذية للخصية، بحيث لا يصل التستوستيرون المُنتَج فعليًا إلى مجرى الدم بالكفاءة المطلوبة، رغم إنتاجه داخل الخصية نفسها. (المصدر: PMC)

والنتيجة العملية واحدة رغم اختلاف الآلية الدقيقة: مستوى تستوستيرون منخفض في الدم، مع ارتفاع واضح في الهرمون المُلَوتِن (LH) والهرمون المُنشِّط للحوصلة (FSH) — وهما الهرمونان اللذان تُفرزهما الغدة النخامية أصلاً لتحفيز الخصيتين على العمل — لأن الدماغ يحاول باستمرار “الصراخ بصوت أعلى” عبر رفع مستوى هذين الهرمونين، في محاولة يائسة لحث خصية لا تستطيع الاستجابة بالقدر الكافي.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة قصور الغدد التناسلية الفعلي بين البالغين المصابين بمتلازمة كلاينفلتر تتراوح بين 65% و85%، أي أن أغلب المصابين بهذه المتلازمة يحتاجون فعلياً للعلاج ببديل التستوستيرون (Testosterone Replacement Therapy) في مرحلة ما من حياتهم، وهو علاج يُعوّض الجسم عن النقص عبر إعطاء التستوستيرون من مصدر خارجي، بحقن أو جل أو لصقات، بدل الاعتماد على إنتاج الخصيتين اللتين لا تستطيعان تلبية حاجة الجسم منه بمفردهما.

( المصدر: NCBI Bookshelf )


الخصية الهاجرة (Cryptorchidism) غير المُصححة

الخصية الهاجرة هي حالة تفشل فيها إحدى الخصيتين أو كلتاهما في النزول إلى كيس الصفن (Scrotum)، وهو الكيس الجلدي الرخو المعلّق أسفل القضيب ويحتضن الخصيتين طبيعيًا خارج تجويف البطن، قبل الولادة. وبدلًا من ذلك، تبقى الخصية داخل تجويف البطن أو في القناة الأربية (Inguinal Canal)، وهي الممر التشريحي الذي تعبره الخصية أثناء نزولها الطبيعي من البطن إلى كيس الصفن خلال المراحل الأخيرة من الحمل.

وحين لا تُصحَّح هذه الحالة جراحياً في الوقت المناسب (عادة خلال العام الأول من العمر)، تتعرض الخصية لدرجة حرارة أعلى من المعتاد داخل الجسم، وهي بيئة غير مناسبة لعمل الخلايا التناسلية على المدى الطويل، فتتضرر خلايا لايديغ (الخلايا المسؤولة عن إنتاج التستوستيرون داخل الخصية) وخلايا إنتاج الحيوانات المنوية تدريجياً، مما قد ينعكس لاحقاً على مستوى التستوستيرون وعلى الخصوبة معاً في مرحلة البلوغ والرشد. وكلما تأخر تصحيح الحالة جراحياً بعد العام الأول من العمر، زاد الضرر التراكمي الذي يلحق بهذه الخلايا، وهو ما يفسر أهمية الفحص السريري المبكر للخصيتين عند الأطفال حديثي الولادة.


ثالثاً: أسباب القصور الأولي — المكتسبة

التواء الخصية (Testicular Torsion)

رغم أن هذا التشوه في تركيب الخصية يكون غالبًا موجودًا منذ الولادة، فإن التواء الخصية نفسه والضرر الناتج عنه يحدثان لاحقًا في حياة الرجل على شكل حادثة مفاجئة، ولذلك صُنِّف هنا ضمن الأسباب المكتسبة لا الخلقية. ويحدث التواء الخصية غالبًا بسبب تشوه خلقي يُعرف بـ”تشوه الجرس والمطرقة” (Bell-Clapper Deformity)، وفيه لا تكون الخصية مُثبَّتة بإحكام داخل كيس الصفن كما يحدث طبيعيًا، بل تبقى أكثر حرية في الحركة داخل الغشاء المحيط بها، تمامًا كمطرقة الجرس التي تتأرجح بحرية داخل الجرس. وتزيد هذه الحركة الزائدة من احتمال دوران الخصية حول الحبل المنوي وحدوث الالتواء.

وهذا التشوه موجود لدى نحو 12% من الرجال منذ الولادة دون أن يُسبب أي أعراض طيلة سنوات، إلى أن تتزامن حركة مفاجئة أو مجهود بدني أو حتى التقلب أثناء النوم مع وضعية معينة، فتلتف الخصية على حبلها المنوي — وهو الحبل الذي يحمل الأوعية الدموية والأعصاب المغذية لها — حول نفسه، فينقطع تدفق الدم عن الخصية فجأة. ( المصدر: Medscape )

وهذه حالة طارئة تستدعي تدخلاً جراحياً عاجلاً خلال ساعات قليلة، لأن انقطاع الدم المطوّل يؤدي إلى موت الأنسجة، وقد يستوجب استئصال الخصية المصابة بالكامل إذا فات الوقت. والملاحظ أن هذا التشوه الخلقي يكون ثنائياً (أي موجوداً في كلتا الخصيتين معاً) لدى نسبة كبيرة من المصابين به، وهو ما يفسر لماذا ينصح الأطباء أحياناً بتثبيت الخصية السليمة جراحياً وقائياً أثناء عملية علاج التواء الخصية الأولى، تفادياً لتكرار نفس الحادثة على الجانب الآخر لاحقاً.

وفي حال فقدان خصية واحدة، عادة ما تحاول الخصية المتبقية التعويض عبر زيادة نشاط خلايا لايديغ فيها، وهي عملية تُعرف بالتضخم التعويضي (Compensatory Hypertrophy)، أي أن الخصية السليمة تكبر وظيفياً وتزيد من إنتاجها لتسدّ جزءاً من النقص الناتج عن غياب الخصية الأخرى، تماماً كما تعمل كلية واحدة سليمة بجهد أكبر لتعويض غياب الكلية الأخرى. لكن هذا التعويض ليس مضموناً دائماً ولا يحدث بنفس الدرجة عند كل الرجال، ما يجعل بعضهم عرضة لمستوى تستوستيرون أقل من الطبيعي حتى مع بقاء خصية واحدة سليمة.


النكاف بعد البلوغ (Mumps Orchitis)

فيروس النكاف (Mumps Virus) هو فيروس معدٍ ينتمي إلى عائلة الفيروسات المخاطانية (Paramyxoviridae)، وينتقل بسهولة عبر الرذاذ التنفسي، مثل الرذاذ المتطاير عند السعال أو العطاس، أو من خلال التلامس المباشر مع لعاب شخص مصاب. وأشهر ما يُعرف به هذا الفيروس هو تسببه بتورم مؤلم في الغدد اللعابية الكبيرة الواقعة أمام الأذنين وأسفلهما، وهو ما يمنح المصاب مظهره المميز بانتفاخ الخدين والفك. لكن تأثيره لا يقتصر على الغدد اللعابية؛ إذ يستطيع أيضًا الانتقال عبر مجرى الدم ليصل إلى أعضاء أخرى في الجسم، ومن بينها الخصيتان لدى الرجال بعد سن البلوغ.

فيروس النكاف عادة ما يكون حميداً عند الأطفال قبل البلوغ، لكنه يتحول لخطر حقيقي على الخصوبة والتستوستيرون حين يُصاب به الرجل بعد البلوغ؛ إذ يغزو الفيروس خلايا الخصية مباشرة — سواء خلايا لايديغ المنتجة للتستوستيرون أو الخلايا المسؤولة عن إنتاج الحيوانات المنوية — ويُحدث فيها التهاباً حاداً يُعرف بالتهاب الخصية النكافي (Mumps Orchitis)، والذي يصيب نحو 20 إلى 30% من الرجال المصابين بالنكاف بعد سن البلوغ. ومع أن خلايا لايديغ تكون عادة أكثر مقاومة نسبياً من خلايا إنتاج الحيوانات المنوية لهذا الفيروس، بحيث يبقى مستوى التستوستيرون طبيعياً غالباً حتى عند تضرر الخصوبة، إلا أن ضمور الخصية يحدث لدى نحو 30 إلى 50% من الحالات المصابة بالالتهاب، وقد يترافق هذا الضمور مع تراجع فعلي في إنتاج التستوستيرون كذلك في الحالات الأشد. ( المصدر: PMC )

وفي حالات الالتهاب الثنائي (أي حين يصيب الالتهاب كلا الخصيتين معاً في نفس الوقت، لا خصية واحدة فقط)، ترتفع نسبة خطر العقم الدائم بشكل ملحوظ لتصل إلى ما بين 30% و87% من الحالات. والسبب في هذا الفرق الكبير بين الالتهاب الأحادي والثنائي بسيط: فحين تتضرر خصية واحدة فقط، تبقى الخصية الأخرى السليمة قادرة على تعويض جزء كبير من الإنتاج، سواء للحيوانات المنوية أو للتستوستيرون. أما حين يصاب الجانبان معاً، فلا يبقى أي احتياطي سليم يعوّض الضرر، وهو ما يجعل خطر العقم الدائم أعلى بكثير في هذه الحالة تحديداً.

وهذا بالضبط ما يجعل التطعيم ضد النكاف في مرحلة الطفولة وسيلة وقائية بالغة الأهمية؛ فمنع الإصابة بالفيروس من الأساس، قبل الوصول لسن البلوغ الذي يتحول فيه الفيروس لخطر حقيقي على الخصيتين، يحمي الرجل لاحقاً من فقدان الخصوبة والتوازن الهرموني معاً في مرحلة الرشد. ( المصدر: KevinMD )


العلاج الكيماوي والإشعاعي

تُستخدم أدوية العلاج الكيماوي، وخصوصًا المركبات المعتمدة على البلاتين (Platinum-based Chemotherapy) — وهي مجموعة من الأدوية ترتبط بالحمض النووي داخل الخلايا وتُتلفه، فتمنعها من الانقسام، وتُعد من أكثر العلاجات فعالية لأورام الخصية — إلى جانب العلاج الإشعاعي، في علاج أنواع مختلفة من السرطان، بما فيها سرطان الخصية. ويستهدف كلا العلاجين الخلايا سريعة الانقسام، ولذلك تكون الخلايا المنتجة للحيوانات المنوية، وهي من أسرع خلايا الجسم انقسامًا، من أكثر الخلايا عرضةً للتضرر.

أما خلايا لايديغ فهي أكثر مقاومة نسبيًا لأنها بطيئة الانقسام، لكنها ليست محصنة تمامًا؛ إذ أظهرت الدراسات أن التعرض لجرعات إشعاعية تتجاوز 200 سنتيغراي (cGy)، وهي وحدة تُستخدم لقياس الجرعة الإشعاعية الممتصة، يبدأ بإحداث خلل واضح في وظيفة خلايا لايديغ. ويتجلى ذلك بارتفاع الهرمون الملوتن (LH) كمحاولة تعويضية، حتى لو بقي مستوى التستوستيرون ضمن الحدود الطبيعية ظاهريًا، وهي حالة تُعرف بالقصور تحت الإكلينيكي (Subclinical Hypogonadism)، أي أن الخلل موجود ويمكن كشفه بالتحاليل الهرمونية، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة ينخفض فيها التستوستيرون بوضوح، لذلك قد لا تظهر أي أعراض على الرجل رغم وجود إجهاد حقيقي على خلايا لايديغ. ( المصدر: PubMed )

وكلما ارتفعت الجرعة الإشعاعية أو زاد عدد جلسات العلاج، ازداد احتمال تطور هذا الخلل المبكر إلى قصور غدد تناسلية فعلي مع مرور الوقت. فقد أظهرت الدراسات أن الرجال الذين تعرضت خصيتهم لجرعات إشعاعية تتجاوز 20 غراي (Gy) كانوا أكثر عرضةً للحاجة إلى العلاج التعويضي بالتستوستيرون بعد نحو 15 عامًا من انتهاء العلاج، وهو ما يؤكد أهمية المتابعة الهرمونية الدورية لسنوات طويلة، حتى بعد الشفاء التام من الورم. ( المصدر: Frontiers in Endocrinology )


رابعاً: أسباب القصور الثانوي — أورام وخلل الغدة النخامية

الأورام البرولاكتينية (Prolactinomas)

البرولاكتين هرمون تُفرزه الغدة النخامية، وهي غدة صغيرة تقع في قاعدة الدماغ وتتحكم في إفراز العديد من هرمونات الجسم، ومهمته الأساسية تحفيز إنتاج الحليب عند المرأة المرضعة، لكنه يحمل أثرًا جانبيًا مهمًا عند ارتفاعه بشكل غير طبيعي لدى الرجل؛ إذ يُثبِّط إفراز الهرمون المطلق لموجهات الغدد التناسلية (GnRH) من الوِطاء، وهو الهرمون الذي يبدأ سلسلة الإشارات الهرمونية المسؤولة عن تحفيز الخصيتين لإنتاج التستوستيرون. ويحدث ذلك عبر ارتباط البرولاكتين بمستقبلات خاصة على الخلايا العصبية التي تُفرز هذا الهرمون، فيقل إفراز الهرمون الملوتن (LH) من الغدة النخامية، فتضعف الإشارة الواصلة إلى خلايا لايديغ لإنتاج التستوستيرون من الأساس.

وليس هذا هو التأثير الوحيد؛ فالبرولاكتين المرتفع يُضعف أيضًا قدرة خلايا لايديغ نفسها على إنتاج التستوستيرون مباشرة، عبر تقليل إنتاج الإنزيمات اللازمة لتصنيعه داخل الخلية، ما يعني أن الضرر يقع على مستويين معًا: مركزيًا في الدماغ، وموضعيًا في الخصية نفسها. ( المصدر: ScienceDirect )

وأشيع سبب لارتفاع البرولاكتين بشكل مَرضي هو ورم حميد صغير في الغدة النخامية نفسها يُسمى الورم البرولاكتيني، والذي يُفرز كميات زائدة من هذا الهرمون بشكل مستقل عن التنظيم الطبيعي للجسم. واللافت هنا أن هذا النوع من القصور قابل للانعكاس بشكل كبير غالباً بمجرد علاج الورم أو تصحيح مستوى البرولاكتين دوائياً باستخدام أدوية مثل الكابيرغولين، والتي تعيد تثبيط إفراز البرولاكتين فتتيح للمحور الهرموني استعادة نشاطه الطبيعي تدريجياً، لأن الخصيتين أنفسهما سليمتان تماماً ولا ينقصهما سوى وصول الإشارة الصحيحة من جديد.

اقرأ أيضاً: هرمون البرولاكتين عند الرجل: كيف يؤثر على الرغبة الجنسية والانتصاب؟


الأورام غير الوظيفية والضغط الميكانيكي

ليست كل أورام الغدة النخامية تُفرز هرمونات زائدة؛ فبعضها “غير وظيفي”، أي لا يُفرز أي هرمون إضافي، لكنه يكبر تدريجيًا حتى يضغط على الأنسجة السليمة المحيطة به داخل الغدة، فيزاحمها ويضغطها بسبب كبر حجمه، بما فيها الخلايا المسؤولة عن إفراز LH وFSH. ومع استمرار هذا الضغط، تتراجع كفاءة هذه الخلايا في إفراز الهرمونات المطلوبة، فينشأ قصور ثانوي تدريجي حتى دون وجود أي خلل هرموني مباشر في الورم نفسه.

ومن أشهر الأمثلة على هذا النوع من الأورام غير الوظيفية: الورم الغدي النخامي عديم الإفراز (Non-functioning Pituitary Adenoma)، وهو الأكثر شيوعًا بين هذه الفئة، وأورام القحف البلعومي (Craniopharyngioma)، التي تنشأ بالقرب من الغدة النخامية وقد تضغط عليها من الخارج دون أن تكون جزءًا منها أصلاً، إلى جانب الأورام الغدية كبيرة الحجم (Macroadenomas) بشكل عام، أي الأورام التي يتجاوز قطرها سنتيمترًا واحدًا، والتي تصبح كبيرة بما يكفي للضغط على الأنسجة المحيطة بها وإضعاف وظيفتها، بغض النظر عن طبيعتها الهرمونية.

وغالباً ما يترافق هذا النوع من الأورام، حين يكبر بما يكفي، مع أعراض إضافية تنبّه لوجوده كالصداع المزمن أو ضعف الرؤية الجانبية، نظراً لقرب الغدة النخامية من الأعصاب البصرية.


خامساً: أسباب القصور الثانوي — الأدوية

الأدوية الأفيونية (Opioids)

يُعد نقص الأندروجين، أي نقص الهرمونات الجنسية الذكرية وعلى رأسها التستوستيرون، الناتج عن الأدوية الأفيونية (Opioid-Induced Androgen Deficiency، ويُختصر OPIAD) من أكثر أسباب القصور الثانوي شيوعًا بين الرجال الذين يتناولون المسكنات الأفيونية لفترات طويلة، سواء لعلاج الألم المزمن أو في سياق الإدمان. ( المصدر: Pharmacy Times )

وتعمل هذه المسكنات عبر ارتباطها بمستقبلات خاصة تُسمى مستقبلات “مو” (Mu Receptors) الموجودة في الوِطاء، وهي بروتينات تستجيب طبيعيًا للمواد المسكنة التي يفرزها الجسم، كما تستجيب للأدوية الأفيونية. ويؤدي تنشيط هذه المستقبلات إلى تثبيط إفراز الهرمون المطلق لموجهات الغدد التناسلية (GnRH) بشكل مباشر، فتنخفض بالتتابع مستويات الهرمون الملوتن (LH) والتستوستيرون. وإضافةً إلى ذلك، قد تُضعف بعض هذه الأدوية قدرة خلايا لايديغ نفسها على إنتاج التستوستيرون، حتى لو وصلتها الإشارة الهرمونية.

واللافت أن نسبة انتشار هذا القصور بين الرجال الذين يتناولون الأدوية الأفيونية بجرعات مرتفعة ولفترات طويلة قد تتراوح بين 50% و100%، بحسب نوع الدواء والجرعة ومدة الاستخدام. ويظهر ذلك خصوصًا لدى من يتناولون جرعات تعادل 100 إلى 200 ملغ من المورفين الفموي يوميًا (أو ما يعادلها من أدوية أفيونية أخرى) لمدة تزيد على شهر. وهي نسبة مرتفعة بما يكفي لتجعل قياس مستوى التستوستيرون جزءًا من المتابعة الروتينية الموصى بها للرجال الذين يستخدمون هذه الأدوية بانتظام. ( المصدر: PC NOW )

ومن المثير للاهتمام أن درجة هذا التثبيط تختلف باختلاف نوع الدواء الأفيوني نفسه؛ فبعض الأدوية كالبوبرينورفين أظهرت تأثيراً أخف نسبياً على المحور الهرموني مقارنة بأدوية أفيونية أخرى، ما قد يجعل تغيير نوع الدواء، بالتنسيق مع الطبيب المعالج طبعاً، أحد الخيارات العملية للتخفيف من حدة هذا القصور دون التخلي عن السيطرة على الألم.


الستيرويدات البنائية الأندروجينية (Anabolic Androgenic Steroids)

يلجأ بعض الرياضيين وهواة كمال الأجسام إلى استخدام الستيرويدات البنائية الأندروجينية (Anabolic Androgenic Steroids)، وهي مركبات كيميائية مصنّعة تُحاكي عمل هرمون التستوستيرون الطبيعي في الجسم، وتُستخدم طبياً بشكل مشروع في حالات محدودة كعلاج قصور الغدد التناسلية نفسه أو بعض حالات فقدان الكتلة العضلية المرضية، لكنها تُستخدم أيضاً خارج هذا الإطار الطبي، وبجرعات أعلى بكثير من الجرعات العلاجية، بهدف تسريع بناء العضلات وتحسين الأداء الرياضي.

وذلك دون إدراك كامل لما يحدث لمحورهم الهرموني الطبيعي أثناء ذلك وبعده. فحين يتناول الرجل تستوستيرون خارجيًا (سواء التستوستيرون نفسه أو أحد مشتقاته الصناعية) بكميات تفوق حاجة جسمه الطبيعية بكثير، يستشعر الوِطاء هذا الارتفاع الحاد ويُفسِّره على أن الجسم لم يعد بحاجة إلى إنتاج المزيد، فيُوقف إفراز GnRH تقريبًا بالكامل عبر آلية التغذية الراجعة السلبية (Negative Feedback)، وهي آلية تنظيم طبيعية يُقلِّل فيها الجسم إنتاج الهرمون عندما ترتفع مستوياته في الدم. ونتيجة لذلك، ينخفض إفراز الهرمون الملوتن (LH) من الغدة النخامية، فتتوقف الخصيتان عن إنتاج التستوستيرون الذاتي طوال فترة الاستخدام.

والمشكلة الحقيقية تظهر بعد التوقف عن الاستخدام؛ فالمحور الهرموني لا يستعيد نشاطه فوراً، بل يحتاج لفترة تتفاوت بشدة بين الأفراد، وقد يستمر التعافي أسابيع لدى البعض، بينما يبقى غير مكتمل لسنوات لدى آخرين، خصوصاً مع الاستخدام المطوّل أو بجرعات عالية ( المصدر: PMC )

ويرجّح الباحثون أن جزءًا من صعوبة هذا التعافي يعود إلى تأثر شبكة من الخلايا العصبية الدقيقة في الوِطاء تُعرف باسم شبكة KNDy، وهي المسؤولة عن ضبط الإيقاع الطبيعي لإفراز GnRH. فحين تتعرض هذه الشبكة لتثبيط طويل الأمد بفعل المستويات المرتفعة من الأندروجينات، وهي الهرمونات الجنسية الذكرية وعلى رأسها التستوستيرون، التي يتناولها الرجل من خارج الجسم، قد يستغرق استعادة إيقاعها الطبيعي وقتًا أطول بكثير من مجرد زوال هذه الهرمونات من الجسم.

ويُضاف إلى هذا التعقيد أن بعض هذه المركبات يتحول داخل الجسم إلى مواد ذات تأثير إستروجيني أو بروجستيروني، أي تُحاكي عمل هرموني الإستروجين والبروجستيرون، وهما هرمونان يوجدان لدى الرجال والنساء، لكن مستوياتهما وتأثيراتهما تكون عادةً أوضح لدى النساء. وعندما يرتفع تأثيرهما لدى الرجل، يمكن أن يسببا تثبيطًا إضافيًا للمحور الهرموني الذكري، فوق التثبيط الناتج عن التستوستيرون الخارجي نفسه.


سادساً: السمنة كسبب ثانوي بالتفصيل

كما أوضحنا سابقاً، تُعد السمنة من أشيع أسباب القصور الثانوي عملياً، عبر آلية الأروماتاز (Aromatase)، وهو إنزيم موجود بكثرة داخل النسيج الدهني يعمل أشبه بـ”مصنع تحويل” صغير، يأخذ جزءاً من التستوستيرون المتوفر في الجسم ويُحوّله كيميائياً إلى إستروجين. وكلما زادت كمية الدهون في الجسم، زاد عدد هذه “المصانع” الصغيرة، وزادت معها كمية التستوستيرون المُحوَّل إلى إستروجين، والإستروجين الزائد الناتج عن ذلك يُثبّط الوِطاء مباشرة. وهناك بُعد إضافي يستحق التوقف عنده هنا: الالتهاب المزمن منخفض الدرجة (Low-grade Inflammation) المرافق للسمنة تحديداً.

فالنسيج الدهني الزائد، وخصوصًا الدهون الحشوية، وهي الدهون التي تتراكم حول الأعضاء الداخلية داخل البطن، لا يكتفي بإفراز الإستروجين واللبتين فقط، بل يتصرف أشبه بغدة صماء إضافية داخل الجسم، فيُفرز مجموعة من المواد الالتهابية الصغيرة تُعرف بالسيتوكينات (Cytokines)، وعلى رأسها TNF-alpha وIL-6. وكلما زادت كمية الدهون الحشوية المتراكمة، زادت كمية هذه المواد الالتهابية المُفرزة، لأن الخلايا الدهنية المتضخمة تجذب إليها خلايا مناعية معينة، وخصوصًا البلاعم (Macrophages)، فتستقر داخل النسيج الدهني نفسه وتُضيف مزيدًا من إفراز هذه السيتوكينات، فتتحول منطقة الدهون بأكملها إلى بؤرة التهابية صغيرة ومستمرة، لا مجرد مخزن للطاقة.

وتصل هذه المواد الالتهابية عبر الدم إلى الوِطاء والخصيتين معًا، وتعمل بطريقتين مختلفتين في كل منهما. فعلى مستوى الوِطاء، تتداخل مع الخلايا العصبية المسؤولة عن إفراز GnRH، فتُضعف قدرتها على الاستجابة الدقيقة لمستويات التستوستيرون في الدم، فيختل تنظيم إفراز الهرمون. أما على مستوى الخصية، فتؤثر هذه المواد الالتهابية مباشرة في خلايا لايديغ، إذ تُقلل إنتاج الإنزيمات اللازمة لتصنيع التستوستيرون من الكوليسترول، بغض النظر عن مستوى الهرمون الملوتن (LH) الواصل إليها. وهذا يعني أن الخصية قد تتلقى إشارة طبيعية، أو حتى مرتفعة، من الدماغ، لكنها لا تستطيع الاستجابة لها بالكفاءة المطلوبة بسبب هذا التأثير الالتهابي. وبذلك، فإن الالتهاب المصاحب للسمنة يضرب المحور الهرموني على مستويين منفصلين في الوقت نفسه، لا على مستوى واحد فقط.

وهذا يعني أن السمنة لا تُسبب القصور الثانوي عبر مسار واحد فقط (الأروماتاز)، بل عبر عدة مسارات متزامنة تتراكم آثارها معًا: الأروماتاز الذي يحوّل التستوستيرون إلى إستروجين، واللبتين والأنسولين اللذان يُضعفان استجابة الدماغ للإشارات الهرمونية الطبيعية، والسيتوكينات الالتهابية التي تؤثر في الوِطاء والخصية معًا. وهذا ما يُفسِّر جزئيًا لماذا يحتاج بعض الرجال المصابين بالسمنة الشديدة إلى فقدان نسبة كبيرة نسبيًا من وزنهم (غالبًا أكثر من 15%) قبل أن يبدأ المحور الهرموني بالتعافي فعليًا؛ لأن تحسن مسار واحد فقط، مع استمرار بقية المسارات في إعاقة عمل المحور، قد لا يكون كافيًا لإحداث ارتفاع ملحوظ في مستوى التستوستيرون.

اقرأ أيضاً: السمنة والأداء الجنسي عند الرجل: الأسباب الخفية وراء ضعف الرغبة والانتصاب


سابعاً: قصور الغدد التناسلية المتأخر (Late-onset Hypogonadism)

يختلف هذا النوع جوهرياً عن كل الأسباب المذكورة أعلاه، لأنه ليس نتيجة مرض أو إصابة محددة، بل نتيجة تراكم تدريجي وبطيء لتغيرات طبيعية مرتبطة بالتقدم في العمر، تحدث على أكثر من مستوى في آنٍ واحد.

فعلى مستوى الخصية نفسها، يتراجع عدد خلايا لايديغ الفعّالة تدريجياً مع تقدم العمر، أي أن بعض هذه الخلايا يتوقف عن العمل أو يضعف نشاطه بمرور الوقت، فيقل عدد “الوحدات المنتجة” الفعلية للتستوستيرون داخل الخصية، حتى لو بقي حجم الخصية نفسه شبه ثابت ظاهرياً.

ويصاحب ذلك تراكم لضرر تأكسدي (Oxidative Damage) داخل هذه الخلايا، وهو نوع من الضرر يُصيب مكونات الخلية نفسها بسبب مواد تُسمى الجذور الحرة (Free Radicals)، وهي جزيئات غير مستقرة تُنتَج بشكل طبيعي أثناء عمل الخلية اليومي، لكنها تُلحق ضررًا تدريجيًا بأغشية الخلايا وبروتيناتها ومادتها الوراثية إذا لم يتخلص الجسم منها بكفاءة. ويتراكم هذا الضرر ببطء على مدى عقود من حياة الرجل.

إلى جانب ذلك، يتراجع نشاط عملية داخلية تُسمى الالتهام الذاتي (Autophagy)، وهي آلية طبيعية تعمل أشبه بـ”فريق تنظيف داخلي” للخلية، مهمته التخلص من مكوناتها التالفة أو القديمة وإعادة تدويرها، للحفاظ على كفاءة الخلية ونظافتها الداخلية. فحين يضعف نشاط هذا “الفريق” مع التقدم بالعمر، تبدأ المكونات التالفة بالتراكم داخل خلية لايديغ نفسها بدل التخلص منها، فيبدأ إنتاج التستوستيرون بالتراجع تدريجياً حتى مع وصول إشارة LH بشكل طبيعي نسبياً من الدماغ. (المصدر: PMC)

ويُضاف إلى ذلك ظاهرة تُعرف بـ”الالتهاب المصاحب للشيخوخة” (Inflammaging)، وهي حالة التهاب خفيف جداً ومزمن، مشابهة لما شرحناه سابقاً في سياق السمنة، لكنها هنا تنشأ تدريجياً في أنسجة الجسم المختلفة مع التقدم بالعمر تحديداً، بغض النظر عن الوزن، بما فيها الخصية نفسها، فتُضعف بيئة عمل خلايا لايديغ المتبقية أكثر، وكأن هذه الخلايا تعمل في بيئة “مثقلة” باستمرار بدل بيئة نظيفة وداعمة. ( المصدر: PMC )

وعلى مستوى أدق داخل الخلية، رصدت دراسات حديثة أن بروتينًا يُسمى FOXO4 يتراكم داخل نواة خلايا لايديغ المتقدمة في العمر، ويعمل على إبقاء هذه الخلايا حية رغم تراجع كفاءتها الوظيفية، بدل أن تخضع للموت الخلوي المبرمج، وهي عملية طبيعية يتخلص فيها الجسم من الخلايا القديمة أو التالفة ليستبدلها بأخرى جديدة أكثر كفاءة. ونتيجة لذلك، تتراكم داخل الخصية مع التقدم في العمر خلايا لايديغ ضعيفة الإنتاج، مما يُسهم في انخفاض قدرتها على إنتاج التستوستيرون. (المصدر: Aging)

وما يجعل هذا النوع مختلفاً من الناحية العملية هو أنه لا يُعامل بنفس منطق باقي الأسباب المذكورة أعلاه؛ فبينما يكون الهدف بالأسباب الأخرى غالباً معالجة السبب المباشر إن أمكن (إزالة ورم، إيقاف دواء، علاج التهاب)، فإن قصور الغدد التناسلية المتأخر تراكمي وبطيء بطبيعته، ما يجعل قرار العلاج فيه أكثر اعتماداً على شدة الأعراض ومدى تأثيرها على جودة الحياة، لا على وجود أو غياب “سبب” يمكن إزالته بحد ذاته.


ثامناً: السكري كسبب مستقل

رغم أننا تحدثنا سابقاً عن السمنة والسكري كعاملين كثيراً ما يجتمعان معاً، إلا أن السكري يحمل آلية إضافية مستقلة تماماً عن وزن الجسم، تستحق التوقف عندها بشكل منفصل: الاعتلال العصبي السكري (Diabetic Neuropathy).

فارتفاع سكر الدم المزمن يُلحق ضرراً تراكمياً بالغلاف العازل المحيط بالألياف العصبية الدقيقة في الجسم، وهو الغلاف الذي يضمن انتقال الإشارات العصبية بسرعة وكفاءة بين الخلايا العصبية. ومع تكرر ارتفاع السكر لسنوات، يتضرر هذا الغلاف تدريجياً، فتضعف قدرة الألياف العصبية على نقل إشاراتها الكهربائية بالسرعة والدقة المطلوبتين، وهي الحالة التي تُعرف طبياً بالاعتلال العصبي السكري.

وهذا الضرر لا يقتصر على الأعصاب الطرفية في اليدين والقدمين، كما هو شائع، بل قد يمتد أيضاً إلى الألياف العصبية الدقيقة داخل الوِطاء نفسه، وتحديداً تلك المسؤولة عن تنظيم إفراز GnRH بشكل منتظم ومتناسق. وحين تتضرر هذه الألياف بفعل ارتفاع السكر المزمن، يفقد إفراز GnRH انتظامه الطبيعي، فتتراجع إشارة LH الواصلة للخصيتين حتى عند رجل نحيف الوزن نسبياً، أي دون الحاجة لوجود سمنة مرافقة كعامل وسيط. وهذا يفسر لماذا يبقى السكري عامل خطر مستقل لقصور الغدد التناسلية حتى بعد ضبط عامل الوزن إحصائياً في الدراسات، ولماذا قد يعاني بعض مرضى السكري النحيلين نسبياً من نفس درجة القصور الهرموني التي يعانيها مرضى السكري المصابون بالسمنة، رغم اختلاف وزنهم الظاهري بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: السكري والأداء الجنسي عند الرجل: كيف يؤثر على الانتصاب والرغبة؟


تاسعاً: توقف الأندروجينات المفاجئ

يستحق هذا السبب فقرة منفصلة لأنه يختلف عملياً عن استخدام الستيرويدات نفسه المذكور أعلاه في نقطة جوهرية: فالقسم السابق تحدث عن الضرر الحاصل أثناء الاستخدام (توقف الإنتاج الذاتي طيلة فترة تناول الستيرويدات)، أما هنا فالحديث عن مرحلة مختلفة تماماً: ما يحدث بعد التوقف عن الاستخدام تحديداً. فالمشكلة هنا ليست في الاستخدام بحد ذاته، بل في طريقة التوقف عنه.

فالرجل الذي يستخدم جرعات عالية من الأندروجينات الخارجية لفترة طويلة ثم يُوقفها فجأة ودون تدرج، يجد محوره الهرموني بأكمله “معطلاً” لفترة، لأن الوِطاء والغدة النخامية اعتادا على مستوى تستوستيرون خارجي مرتفع لفترة طويلة، ويحتاجان وقتاً لإعادة تفعيل إفراز GnRH وLH تدريجياً من جديد.

وخلال هذه الفترة الانتقالية، يعاني الرجل من أعراض قصور واضحة (تعب شديد، فقدان رغبة تام، ضمور مؤقت في حجم الخصيتين)، رغم أن خصيتيه سليمتان تماماً من الناحية التشريحية، والمشكلة بأكملها مؤقتة وقابلة للتعافي في الغالبية العظمى من الحالات، وإن اختلفت مدة هذا التعافي بشدة من شخص لآخر كما أشرنا سابقاً. وقد يستفيد بعض الرجال في هذه المرحلة الانتقالية من بروتوكولات طبية مخصصة تهدف لتحفيز المحور الهرموني على استعادة نشاطه بشكل أسرع، لكن هذا قرار يقتصر على الطبيب المختص وحده تقييمه بدقة.


عاشراً: عوامل نمط الحياة المساهمة

قلة النوم

يرتبط إفراز الجزء الأكبر من التستوستيرون اليومي بمراحل النوم العميق تحديداً، ولذلك فإن أي اضطراب في جودة النوم أو مدته ينعكس بشكل شبه مباشر على مستوى هذا الهرمون. وقد أظهرت دراسة أن تقييد النوم إلى خمس ساعات فقط لليلة الواحدة لمدة أسبوع كامل خفّض مستوى التستوستيرون النهاري لدى الرجال الأصحاء بنسبة تصل إلى 15%.

( المصدر: ScienceDirect )

واللافت أن هذا التأثير يبدو أكثر وضوحًا عند الرجال الأكبر سنًا مقارنة بالشباب. فمع أن المستوى الكلي للتستوستيرون ينخفض لدى الفئتين معًا عند الحرمان من النوم، فإن كبار السن يتأثرون أيضًا على مستوى نمط إفراز الهرمون نفسه؛ إذ يقل عدد الدفعات الهرمونية الطبيعية التي يُفرَز بها التستوستيرون على مدار اليوم، وهو ما قد يجعلهم أكثر عرضة لتراكم هذا الأثر مع مرور الوقت. والأهم من ذلك أن هذا التأثير لا يعمل بمعزل، بل يتشابك مع عامل آخر مباشرة: الكورتيزول.

( المصدر: Pharmacy Times )

اقرأ أيضاً: النوم والأداء الجنسي عند الرجل: كيف تؤثر قلة النوم على الرغبة والانتصاب؟


التوتر المزمن والكورتيزول

الكورتيزول والتستوستيرون يُصنَّعان أصلاً من نفس المادة الخام داخل الجسم (الكوليسترول)، وتحت ضغط التوتر المزمن أو الحرمان من النوم، يُعطي الجسم الأولوية لإنتاج الكورتيزول باعتباره هرمون “الطوارئ”، على حساب مسارات إنتاج التستوستيرون. إلى جانب ذلك، يُثبّط الكورتيزول المرتفع مزمنياً محور الوطاء-النخامة-الخصية مباشرة عند مستوى الدماغ نفسه، فيقل إفراز GnRH وLH تباعاً.

( المصدر: One Health Ohio )

اقرأ أيضاً: الكورتيزول والتستوستيرون والأداء الجنسي عند الرجل: كيف يؤثر التوتر على هرمون الذكورة؟


الكحول

يؤثر تناول الكحول المزمن على المحور الهرموني عبر ثلاثة مسارات متزامنة: فهو يُثبِّط إفراز GnRH من الوِطاء مباشرة، ويُلحق ضررًا مباشرًا بخلايا لايديغ عبر مادة الأسيتالديهايد (Acetaldehyde)، وهي مادة سامة تتكوَّن داخل الجسم عند تكسير الكحول، إلى جانب رفعه نشاط إنزيم الأروماتاز في الكبد والنسيج الدهني، مما يزيد من تحويل التستوستيرون المتبقي إلى إستروجين. (المصدر: ScienceDirect)

ومن المثير للاهتمام أن الأسيتالديهايد لا يكتفي بمهاجمة خلايا لايديغ فقط، بل يُثبّط أيضاً بشكل مباشر إنزيمين أساسيين في سلسلة تصنيع التستوستيرون نفسها داخل الخلية، ما يعني أن الضرر يقع على مستوى “خط الإنتاج” الداخلي للهرمون، لا فقط على الخلية المنتجة له ككل. ومع الاستخدام المزمن الشديد، قد يتحول جزء من هذا الضرر إلى ضمور فعلي وطويل الأمد في خلايا لايديغ، بينما تبقى الحالات الأخف عادة قابلة للتعافي خلال أسابيع إلى شهرين إلى ثلاثة من الامتناع التام عن الكحول.

اقرأ أيضاً: الكحول والأداء الجنسي عند الرجل: كيف يؤثر على الانتصاب والتستوستيرون والقذف والرغبة؟


التدخين

يُعد التدخين عاملاً مساهماً إضافياً، وإن كانت آليته أقل مباشرة مقارنة بالكحول؛ فهو يُساهم في زيادة الالتهاب المزمن منخفض الدرجة داخل الجسم بشكل عام، وهو نفس النمط الالتهابي الذي تحدثنا عنه سابقاً في سياق السمنة، إلى جانب تأثيره الضار على الأوعية الدموية الدقيقة المغذية للخصيتين، بما قد يُضعف كفاءة توصيل الأكسجين والمغذيات اللازمة لعمل خلايا لايديغ على أفضل وجه.

اقرأ أيضاً: التدخين والأداء الجنسي عند الرجل: كيف يضعف الانتصاب ويقلل الرغبة؟


رأي أطلس الرجل الصحي: من المهم أن يدرك الرجل أن أسباب قصور الغدد التناسلية ليست دائماً “مرضاً” بالمعنى التقليدي؛ فبعضها عادات يومية قابلة للتعديل بالكامل (النوم، الكحول، التدخين)، وبعضها الآخر يستدعي تقييماً طبياً دقيقاً لتحديد الموقع الفعلي للخلل، لأن العلاج يختلف جذرياً باختلاف السبب.


إنفوجرافيك طبي يقارن بين أسباب قصور الغدد التناسلية الأولي (خلل الخصية) وقصور الغدد الثانوي (خلل الغدة النخامية والدماغ).

متى تراجع الطبيب؟

ينبغي مراجعة الطبيب عند وجود أعراض قصور الغدد التناسلية مترافقة مع أي من العوامل التالية:

  • تاريخ إصابة أو جراحة سابقة في الخصية (التواء، إصابة رياضية، خصية هاجرة غير مُصححة).
  • إصابة سابقة بالنكاف بعد سن البلوغ.
  • تلقي علاج كيماوي أو إشعاعي سابق.
  • استخدام حالي أو سابق لأدوية أفيونية بانتظام.
  • استخدام حالي أو سابق لستيرويدات بنائية.
  • صداع مزمن أو اضطرابات بصرية (قد تشير لورم بالغدة النخامية).
  • سكري أو سمنة مصاحبة للأعراض.

كيف تبدأ مع طبيبك؟

من المفيد ذكر أي تاريخ مرضي أو دوائي أو جراحي سابق مرتبط بما ذُكر أعلاه، وتوقيت بدء الأعراض بالنسبة لأي حدث من هذه الأحداث (مثلاً: هل بدأت الأعراض بعد بدء دواء أفيوني معين، أو بعد إيقاف استخدام ستيرويدات؟)، لأن هذه التفاصيل تُسرّع كثيراً من تحديد السبب المحتمل وتوجيه الفحوصات المناسبة.


الأسئلة الشائعة ❓

هل كل أسباب قصور الغدد التناسلية قابلة للعلاج أو الانعكاس؟

لا، يختلف الأمر حسب السبب. أسباب مثل السمنة أو الأدوية الأفيونية أو نقص النوم قابلة للانعكاس جزئياً أو كلياً بمعالجة السبب. أما الأسباب الخلقية كمتلازمة كلاينفلتر، أو التلف الشديد الناتج عن كيماوي أو إشعاع، فغالباً ما تستدعي علاجاً بديلاً دائماً بالتستوستيرون.

هل يمكن أن يكون لدى الرجل أكثر من سبب واحد في نفس الوقت؟

نعم، وهذا شائع جداً عملياً، خصوصاً اجتماع السمنة مع السكري، أو التدخين مع قلة النوم، وكلها عوامل تتراكم آثارها معاً بدل أن تعمل بمعزل عن بعضها.

هل يعني التوقف عن الستيرويدات عودةً فورية إلى المستوى الطبيعي؟

لا، التعافي تدريجي وتختلف مدته بشدة بين شخص وآخر، وقد يستغرق أسابيع أو يمتد لسنوات حسب مدة الاستخدام وجرعاته.

هل الإصابة بالنكاف في الطفولة تسبب قصور الغدد التناسلية لاحقاً؟

عادة لا، لأن الخطر الحقيقي مرتبط بالإصابة بعد سن البلوغ تحديداً، حين تكون الخصية نشطة هرمونياً وعرضة للضرر الفيروسي المباشر.

هل قصور الغدد التناسلية المرتبط بالعمر له نفس علاج الأسباب الأخرى؟

المقاربة العلاجية تختلف؛ فالقرار هنا يعتمد أكثر على شدة الأعراض وتأثيرها على جودة الحياة، لا على وجود سبب واحد محدد يمكن إزالته، كما هو الحال في باقي الأسباب.


إخلاء مسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال ذات طابع علمي وتثقيفي، وتهدف إلى تعزيز الوعي الصحي والتحضير لمناقشة هادفة مع الطبيب المختص. لا تُشكّل هذه المعلومات تشخيصاً طبياً أو توصية علاجية، ولا ينبغي الاستناد إليها بديلاً عن الاستشارة الطبية المتخصصة.


مقالات قد تهمك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *