ينتقل كثير من المدخنين إلى الفيب (السجائر الإلكترونية) معتقدين أنهم اتخذوا القرار الأذكى — لا رائحة تلتصق بالثياب، لا دخان كثيف يزعج من حولهم، وشعور بأنهم تركوا “السموم الحقيقية” خلفهم مع علبة السجائر. الفيب يبدو نظيفاً وحديثاً وأقل حدة، وهذا الانطباع دفع ملايين الرجال حول العالم لاعتباره بوابة خروج آمنة من إدمان النيكوتين.
لكن ما يحدث داخل الجسم أثناء استنشاق بخار الفيب لا يخلو من ضرر حقيقي وموثق، رغم اختلافه الجذري عن دخان السجائر. إذ كشفت دراسة حديثة استندت إلى مسح PATH الأمريكي الوطني (Population Assessment of Tobacco and Health) — وهو مسح صحي حكومي ضخم يتابع عادات التدخين وسلوكيات النيكوتين لدى عشرات الآلاف من الأمريكيين على مدى سنوات — أن مستخدمي السجائر الإلكترونية اليوميين، من بين أكثر من 13 ألف رجل شملهم المسح، أكثر عرضة للإصابة بضعف الانتصاب بشكل مستقل عن العمر وأمراض القلب وعوامل الخطر الأخرى. ( المصدر: ScienceDirect )
في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية تكشف حقيقة تأثير الفيب على الانتصاب والتستوستيرون والقذف والرغبة وجودة السائل المنوي، ولماذا لا يمكن اعتباره بديلاً آمناً بإطلاق.
ولمن يريد المقارنة الكاملة مع مصدر النيكوتين الأقدم، فقد تناولنا بالتفصيل تأثير التدخين التقليدي على الأداء الجنسي في مقال التدخين والأداء الجنسي عند الرجل: كيف يضعف الانتصاب ويقلل الرغبة؟
أولاً: لماذا يُعتقد أن الفيب أقل ضرراً من السجائر؟
هذا الاعتقاد له أساس جزئي من الحقيقة، لكنه يُبنى عليه استنتاج أكبر من حجمه الفعلي.
غياب الاحتراق يخلق انطباعاً بالأمان
السيجارة التقليدية تعتمد على حرق التبغ، وهذا الاحتراق هو المصدر الأساسي لآلاف المركبات الكيميائية الضارة الموجودة بدخان السجائر. الفيب لا يحرق شيئاً؛ فهو يُسخّن سائلاً إلى درجة تكفي لتحويله إلى بخار دون وصوله لنقطة الاشتعال. وهذا الفارق التقني الحقيقي — غياب الاحتراق — هو ما بُني عليه كل التسويق الذي صوّر الفيب كبديل “أنظف”.
فارق حقيقي في عدد المواد الكيميائية
دخان السيجارة التقليدية يحتوي على أكثر من 7,000 مادة كيميائية، معظمها ناتج عن الاحتراق نفسه. بخار الفيب يحتوي على عدد أقل بكثير من هذه المركبات. وهذا الفارق الكمي حقيقي وموثق، لكنه لا يعني أن ما تبقى من مركبات — وأبرزها النيكوتين نفسه — أصبح آمناً.
رأي أطلس الرجل الصحي: الفارق بين الفيب والسجائر فارق في الكمية والتنوع الكيميائي، لا فارق بين الضرر والسلامة. من ينتقل للفيب معتقداً أنه غادر منطقة الخطر كلياً يبني قراره على نصف الحقيقة فقط.
ثانياً: ماذا يحتوي الفيب فعلياً؟ ولماذا الأجهزة الحديثة أكثر خطورة؟
فهم مكونات الفيب ضروري لفهم كيف تصل هذه المكونات لاحقاً إلى الأوعية الدموية والخصيتين.
المكونات الأساسية
السائل المستخدم في السجائر الإلكترونية (E-liquid) يتكون أساسًا من أربعة عناصر: النيكوتين (Nicotine) بتركيزات متفاوتة، والبروبيلين غليكول (Propylene Glycol) والجليسرين النباتي (Vegetable Glycerin)، وهما سائلان يشكلان القاعدة الأساسية للسائل، ويتحولان عند التسخين إلى البخار الذي يستنشقه المستخدم، إضافة إلى منكهات صناعية تمنحه نكهات متنوعة، مثل الفواكه والنعناع والحلويات.
عند تسخين هذا السائل بواسطة عنصر التسخين داخل جهاز الفيب، وهو سلك معدني صغير ترتفع حرارته عند مرور التيار الكهربائي، تتشكل جسيمات دقيقة جدًا (Ultrafine Particles)، وهي جزيئات صغيرة للغاية تستطيع اختراق الحويصلات الهوائية في الرئتين والوصول إلى مجرى الدم، إضافة إلى مركبات مؤكسدة تنتقل معها. وأبرز هذه المركبات الأكرولين (Acrolein)، وهي مادة كيميائية مهيجة تتكون تلقائيًا عند تسخين الجليسرين والبروبيلين غليكول، وهما السائلان الأساسيان في سائل الفيب، إلى درجات حرارة مرتفعة، حتى لو كان السائل خاليًا تمامًا من النيكوتين. ويمتلك الأكرولين قدرة معروفة على إحداث الإجهاد التأكسدي، وهو نوع من الضرر الكيميائي الذي يهاجم الأغشية الخارجية للحيوانات المنوية ويُتلف الحمض النووي داخلها، مما قد يؤثر في حركتها وسلامتها الوراثية.
الأجهزة الحديثة: تركيز نيكوتين أعلى بكثير من الأجيال الأولى
الجيل الأول من أجهزة الفيب كان يعتمد على نيكوتين حر (Freebase Nicotine) بتركيزات منخفضة نسبياً، تسبب تهيّجاً في الحلق يحد من الكمية التي يستطيع المستخدم استنشاقها بجلسة واحدة. أما الأجيال الحديثة من الأجهزة القابلة للتصرف (Disposables) والـ Pods، فتعتمد على نيكوتين الملح (Nicotine Salts)، وهو شكل كيميائي معدَّل يقلل من حدة التهيّج بالحلق بشكل كبير، مما يسمح للمستخدم باستنشاق كميات أكبر بكثير من النيكوتين دون الشعور بنفس الانزعاج الذي يردعه عن الإفراط.
والنتيجة العملية أن بعض الأجهزة القابلة للتصرف الحديثة قد تحتوي تركيزات نيكوتين تعادل أو تفوق ما تحتويه علب كاملة من السجائر التقليدية، موزعة على استخدام يومي متكرر وسهل، بلا الحاجز الطبيعي الذي كان يحد من الإفراط بالأجيال الأولى. هذا يعني أن مقارنة “الفيب” ككتلة واحدة لم تعد دقيقة؛ فمستخدم جهاز حديث عالي التركيز يتعرض لحمولة نيكوتين مختلفة جذرياً عمّن يستخدم جهازاً من الجيل الأول منخفض التركيز.
ثالثاً: كيف يحدث الانتصاب أصلاً؟ — الأساس الذي يهاجمه الفيب
قبل فهم كيف يضرب الفيب الانتصاب، لا بد من فهم الآلية الطبيعية التي تقوم عليها.
الانتصاب عملية وعائية عصبية هرمونية متكاملة، تبدأ من الدماغ ولا تنتهي إلا بعد سلسلة تفاعلات دقيقة في القضيب نفسه. عند الإثارة الجنسية — سواء بمؤثر بصري أو لمسي أو ذهني — يُرسل الدماغ إشارة عبر الحبل الشوكي تُفعّل الجهاز العصبي السمبتاوي، وهو الجزء من الجهاز العصبي اللاإرادي المسؤول عن حالة “الراحة والاستجابة”، بعكس الجهاز السمبثاوي الذي يُجهّز الجسم للتوتر والحركة. تصل هذه الإشارة العصبية إلى أوعية القضيب الدموية آمرةً إياها بالارتخاء والتوسّع.
عند وصول الإشارة، تستجيب خلايا البطانة الداخلية — وهي الطبقة الرقيقة جداً التي تُبطّن الأوعية الدموية من الداخل — بإفراز أكسيد النيتريك، وهو جزيء غازي صغير يعمل كرسالة كيميائية سريعة الزوال، مهمته الوحيدة إرخاء العضلات الملساء (Smooth Muscle) المكوّنة لجدران الأوعية الدموية. وحين ترتخي هذه العضلات، تتسع الأوعية وتسمح بتدفق كمية أكبر من الدم.
هذا الدم المتدفق يتجه نحو الأجسام الكهفية (Corpora Cavernosa)، وهي عمودان من الأنسجة الإسفنجية الممتدة على طول القضيب، مكوّنان من شبكة كثيفة من الفراغات الصغيرة القادرة على الامتلاء بالدم كالإسفنجة. ومع امتلاء هذه الفراغات، يتمدد النسيج ويضغط على الأوردة الرقيقة المسؤولة عادةً عن تصريف الدم خارج القضيب، فيُحبس الدم داخل الأجسام الكهفية، وهذا الحبس تحديداً هو ما يُنتج الصلابة المصاحبة للانتصاب، لا مجرد وجود الدم فيها.
والنتيجة أن الانتصاب في جوهره ليس فعلاً عضلياً بسيطاً، بل توازن دقيق بين ثلاثة عناصر متزامنة: إشارة عصبية تأمر بالاسترخاء، جزيء كيميائي (أكسيد النيتريك) ينفذ هذا الأمر على مستوى الخلية، وآلية ميكانيكية (ضغط الامتلاء على الأوردة) تحبس الدم بمجرد وصوله. وأي خلل في أي من هذه العناصر الثلاثة — تلف بالأعصاب الناقلة للإشارة، أو ضعف بخلايا البطانة عن إنتاج أكسيد النيتريك، أو تصلب بجدران الأوعية يمنعها من التمدد أصلاً — يكفي وحده لإضعاف الانتصاب أو منعه كلياً، حتى لو بقيت العناصر الأخرى سليمة تماماً.
والفيب، رغم اختلافه الجوهري عن السيجارة في آلية الاستهلاك، لا يحتاج لتعطيل هذه العناصر الثلاثة كلها ليُحدث ضرراً؛ فهو يضرب هذه السلسلة عبر مدخلين رئيسيين متزامنين: النيكوتين الذي يتدخل في الإشارة العصبية والأوعية مباشرة، والجسيمات الدقيقة والمركبات المؤكسِدة الناتجة عن التسخين والتي تستهدف خلايا البطانة وقدرتها على إنتاج أكسيد النيتريك.
اقرأ أيضاً: أكسيد النيتريك: لماذا يُعد أساس الانتصاب الطبيعي؟
رابعاً: الفيب والانتصاب — ماذا تقول الأدلة المباشرة؟
هذا المحور من أكثر محاور الفيب توثيقاً في الأبحاث البشرية المباشرة، وليس فقط في التجارب الحيوانية.
دراسة PATH الأمريكية: الرقم الذي يصعب تجاهله
كما ذكرنا في مقدمة المقال، استندت الدراسة الأمريكية إلى بيانات آلاف الرجال المشاركين في مسح PATH الوطني الأمريكي (Population Assessment of Tobacco and Health) لدراسة العلاقة بين استخدام أنظمة توصيل النيكوتين الإلكترونية (ENDS)، وهي السجائر الإلكترونية أو ما يُعرف بالفيب، وضعف الانتصاب.
وأظهرت النتائج أن المستخدمين اليوميين لهذه الأنظمة كانوا أكثر عرضة للإبلاغ الذاتي عن ضعف الانتصاب بدرجة ذات دلالة إحصائية، سواء في العينة الكاملة أو في عينة فرعية استُبعد منها الرجال المصابون مسبقًا بأمراض القلب. وهذا يعني أن الارتباط لم يكن مقتصرًا على الرجال الذين يعانون من أمراض قلبية معروفة، بل ظل قائمًا حتى بعد استبعاد هذا العامل، مما يعزز احتمال وجود تأثير مستقل للفيب في زيادة خطر ضعف الانتصاب، مع التأكيد على أن هذه الدراسة تُظهر ارتباطًا ولا تُثبت علاقة سببية مباشرة.
( المصدر: Urology Times )
مراجعة 2026: ضعف الانتصاب هو الأكثر توثيقاً
خلصت مراجعة علمية حديثة نُشرت في International Journal of Impotence Research إلى أن ضعف الانتصاب هو أكثر المشكلات الجنسية التي ارتبطت باستخدام الفيب وتدعمه الأدلة العلمية حتى الآن. في المقابل، لا تزال الأدلة المتعلقة بتأثير الفيب في الرغبة الجنسية، والوصول إلى النشوة الجنسية، والخصوبة أو النتائج الإنجابية الأخرى، محدودة مقارنة بالأدلة المتوفرة حول ضعف الانتصاب. ( المصدر: IJIR )
الآلية: خلل وظيفي بالبطانة الوعائية
الآلية المفترضة وراء هذا الارتباط تمر عبر نفس المسار الذي يضرب به دخان السجائر، وإن اختلف المصدر الكيميائي قليلاً:
بمجرد وصول النيكوتين إلى مجرى الدم عبر الرئتين، يُحفّز إفراز الكاتيكولامينات (Catecholamines)، وهي مجموعة من المواد الكيميائية، مثل الأدرينالين، يفرزها الجسم عند التعرض للتوتر أو الحاجة إلى زيادة اليقظة. وتتمثل إحدى وظائفها الطبيعية في تضييق الأوعية الدموية ورفع ضغط الدم عند الحاجة. لكن مع التعرض المتكرر للنيكوتين، يستمر هذا التأثير، فتتضيق أيضًا الشرايين الدقيقة المغذية للقضيب، مما يُقلل تدفق الدم اللازم لحدوث الانتصاب.
وفي الوقت نفسه، تصل إلى مجرى الدم الجسيمات الدقيقة والمركبات المؤكسدة الناتجة عن تسخين سائل الفيب، مثل الأكرولين الذي ذكرناه سابقًا، فتُحدث إجهادًا تأكسديًا، وهي حالة تتراكم فيها الجزيئات الضارة داخل الجسم أسرع من قدرته على التخلص منها. وتُعد بطانة الأوعية الدموية من أكثر الأنسجة حساسية لهذا النوع من الضرر، لأنها المسؤولة عن إنتاج أكسيد النيتريك، وهو الجزيء الذي يرسل إشارة إلى الأوعية الدموية كي ترتخي وتتسع. ومع استمرار الإجهاد التأكسدي، تتراجع قدرة هذه الخلايا على إنتاج أكسيد النيتريك، فيضعف اتساع أوعية القضيب ويتراجع تدفق الدم اللازم للانتصاب.
والنتيجة أن الفيب يضرب الانتصاب من جهتين متزامنتين: تضييق فوري بالأوعية عبر النيكوتين، وإضعاف تدريجي لقدرة الجسم على توسيعها أصلاً عبر تلف خلايا البطانة.
رأي أطلس الرجل الصحي: كون الدراسة الأمريكية اعتمدت على تصميم مقطعي وتبليغ ذاتي لا يُلغي أهمية النتيجة؛ فحجم العينة الكبير وثبات الارتباط بعد ضبط عوامل الخطر يجعلانها إشارة يصعب تجاهلها، حتى وإن احتاجت لدراسات طولية تؤكد العلاقة السببية بدقة أكبر.
خامساً: الفيب والقذف — اختلال نفس التوازن العصبي
كما هو الحال مع الانتصاب، فإن آلية القذف تعتمد على توازن عصبي دقيق قد يُخل به النيكوتين المستنشق عبر الفيب بنفس الطريقة تقريباً.
الجهاز العصبي السمبثاوي والقذف
القذف عملية يقودها الجهاز العصبي السمبثاوي (Sympathetic)، وهو نظام “القتال أو الهروب” المسؤول عن تنسيق الانقباضات العضلية التي تدفع السائل المنوي في نهاية الاستجابة الجنسية. أما في بداية الإثارة، فيكون النشاط الغالب للجهاز العصبي الباراسمبثاوي (Parasympathetic)، لأنه المسؤول عن إحداث الانتصاب وتهيئة الجسم قبل الوصول إلى القذف.
كيف يتدخل النيكوتين بهذا التوازن؟
النيكوتين مادة معروفة بتحفيزها المباشر للجهاز السمبثاوي، وهذا التحفيز لا يتوقف عند تضييق الأوعية فحسب، بل يمتد ليشمل الحالة العصبية العامة للجسم. فالاستخدام المتكرر للفيب على مدار اليوم، خصوصاً مع الأجهزة عالية التركيز، قد يُبقي الجسم في حالة تنبه سمبثاوي أعلى من المعتاد بشكل شبه دائم. وهذا الاختلال، وإن لم يُدرس مباشرة على مستخدمي الفيب تحديداً بعد، منطقي أن يُترجم لاضطراب في توقيت القذف — سواء بشكل مبكر أو متأخر — أو تراجع في شدة الإحساس المصاحب للنشوة، قياساً على ما هو موثق فعلاً بالنيكوتين المستنشق عبر السجائر التقليدية.
سادساً: الفيب والرغبة الجنسية — لماذا الأدلة محدودة حتى الآن؟
هذا المحور من أكثر المحاور غموضاً، ليس لغياب التأثير المحتمل، بل لصعوبة قياسه علمياً بدقة.
لماذا صعب دراسة الرغبة تحديداً؟
الرغبة الجنسية بطبيعتها شعور ذاتي، وتتأثر بعوامل نفسية وعاطفية واجتماعية متعددة، مما يجعل عزل تأثير الفيب عنها أكثر صعوبة مقارنة بوظائف جنسية أخرى. ولهذا، أشارت مراجعة علمية نُشرت عام 2026 إلى أن تأثير الفيب في الرغبة الجنسية يُعد من أقل الجوانب توثيقًا في الدراسات الحالية، بخلاف ضعف الانتصاب الذي يمكن تقييمه باستخدام مقاييس واختبارات أكثر موضوعية ودقة. ( المصدر: IJIR )
الآليات النظرية المحتملة
رغم عدم وجود دراسة بشرية مباشرة تربط الفيب بانخفاض الرغبة الجنسية، فإن هناك آليتين تجعلان هذا الاحتمال منطقيًا. الأولى تتعلق بالتستوستيرون؛ إذ تشير الدراسات الحيوانية إلى أن مكونات الفيب قد تؤثر في بعض الإنزيمات المسؤولة عن تصنيع هذا الهرمون، كما سنوضح لاحقًا، إلا أن انعكاس ذلك على الرغبة الجنسية لدى البشر لم يُثبت بعد بشكل مباشر. أما الثانية، فتتعلق بالنيكوتين، الذي يُبقي الجهاز العصبي السمبثاوي، وهو المسؤول عن حالة التأهب والتوتر، في حالة نشاط مرتفع باستمرار. وهذا يتعارض مع حالة الاسترخاء النسبي التي يحتاجها الجسم لبدء الإثارة الجنسية، مما قد ينعكس سلبًا على الرغبة لدى بعض الرجال.
رأي أطلس الرجل الصحي: غياب دراسة مباشرة على الرغبة الجنسية لا يعني غياب التأثير، بل يعني أن هذا المحور بالذات لم يُختبر بعد بأدوات قياس موضوعية كافية. الرجل الذي يلاحظ برودة جنسية مع استخدام منتظم للفيب لا ينبغي أن ينتظر دراسة تؤكد له ذلك قبل أن يأخذ الملاحظة على محمل الجد.
سابعاً: الفيب والتستوستيرون — نتيجة مختلفة تماماً عن السجائر
هذا المحور يكشف فارقاً جوهرياً بين الفيب والسجائر التقليدية، لا يجب الخلط بينهما.
ما يحدث مع السجائر التقليدية (للمقارنة)
من المعروف أن مدخني السجائر التقليدية يُظهرون ارتفاعاً في التستوستيرون الكلي مقارنة بغير المدخنين، ويُعزى ذلك لارتفاع بروتين يُسمى SHBG (الغلوبيولين الرابط للهرمونات الجنسية — Sex Hormone-Binding Globulin)، وهو بروتين ناقل يدور بالدم ويلتصق بجزء كبير من التستوستيرون ويحمله معه، لكنه بذلك “يُقفل” عليه ويمنعه من الوصول للخلايا والتأثير فيها فعلياً. فكلما ارتفع هذا البروتين، ازداد الجزء “المحتجز” من التستوستيرون غير القادر على أداء وظيفته، حتى لو بقي الرقم الإجمالي للهرمون بالدم مرتفعاً على الورق.
الفيب لا يُظهر نفس الارتفاع
لكن دراسة دنماركية واسعة أُجريت على أكثر من 1,200 رجل شاب فحصت تحديداً ما إذا كان الفيب يُحدث نفس التأثير. والنتيجة كانت مختلفة تماماً: استخدام الفيب ارتبط بتراجع جودة السائل المنوي، لكن دون الارتفاع الظاهري بمستوى التستوستيرون بالدم الذي يُلاحظ عادة مع السجائر التقليدية.
( المصدر: Oxford Academic )
هذا الفارق مهم، لأنه يشير إلى أن الفيب لا يبدو أنه يؤثر في بروتين SHBG بالطريقة نفسها التي تؤثر بها السجائر. فغياب الارتفاع الظاهري في مستوى التستوستيرون الكلي قد يعني أن الفيب لا يرفع SHBG بالدرجة نفسها، أو أن تأثيره في المحور الهرموني يسلك مسارًا مختلفًا عن تأثير النيكوتين الناتج عن احتراق التبغ.
الآلية المفترضة: تعطيل مباشر لإنزيمات تصنيع التستوستيرون
وهنا تحديدًا تصبح الدراسات الحيوانية مفيدة لفهم آلية محتملة لم تُختبر بعد بالعمق نفسه لدى البشر. فقد أظهرت تجارب على الفئران أن التعرض لسوائل الفيب، سواء كانت تحتوي على النيكوتين أو كانت خالية منه تمامًا، أدى إلى انخفاض ملحوظ في مستوى التستوستيرون في الدم، وصل إلى نحو 50% مع السوائل المحتوية على النيكوتين و30% مع السوائل الخالية منه.
وأرجع الباحثون هذا الانخفاض إلى تراجع نشاط الجينات المسؤولة عن إنتاج إنزيمين أساسيين في تصنيع التستوستيرون، هما P450scc و17β-HSD. ويؤدي هذان الإنزيمان دورين متتابعين في سلسلة تصنيع الهرمون داخل خلايا لايديغ (Leydig Cells)، وهي الخلايا المتخصصة في الخصية والمسؤولة عن إنتاج التستوستيرون. إذ يبدأ الإنزيم الأول بتحويل الكوليسترول إلى المركبات الأولية اللازمة لتصنيع الهرمونات الستيرويدية، بينما يُتم الثاني إحدى الخطوات النهائية التي يتكوّن خلالها التستوستيرون. لذلك، فإن انخفاض نشاط هذين الإنزيمين قد ينعكس مباشرة على قدرة الخصية على إنتاج هذا الهرمون. ( المصدر: PMC )
ما يلفت الانتباه في هذه النتيجة أن الانخفاض حدث حتى مع السوائل الخالية من النيكوتين، مما يعني أن بعض مكونات الفيب الأخرى — كالمنكهات أو نواتج تسخين الجليسرين والبروبيلين غليكول — قد تحمل تأثيراً مباشراً على إنزيمات تصنيع التستوستيرون بمعزل تام عن النيكوتين نفسه.
هل الجرعة والمدة تلعبان دوراً؟
الدراسات الحيوانية المتوفرة حالياً قاست تأثيراً حاداً نسبياً بجرعات محددة مسبقاً، ولم تُقارن بشكل منهجي بين مستخدم خفيف قصير المدة ومستخدم ثقيل طويل المدة على البشر تحديداً. لكن المنطق البيولوجي العام لأي مادة مؤكسِدة يُرجّح أن التأثير على الإنزيمات يتراكم مع زيادة الجرعة اليومية (تركيز النيكوتين وعدد مرات الاستخدام) وطول مدة التعرض، تماماً كما يحدث مع أي إجهاد تأكسدي مزمن يستهدف خلايا حساسة كخلايا لايديغ. هذا يعني أن مستخدم الأجهزة عالية التركيز الحديثة، بحكم الجرعة اليومية الأعلى، قد يكون أكثر عرضة نظرياً من مستخدم الأجيال الأولى منخفضة التركيز.
رأي أطلس الرجل الصحي: غياب الأدلة البشرية القوية على انخفاض التستوستيرون لا يعني أن الفيب “آمن هرمونيًا”، خصوصًا مع وجود دراسات حيوانية توثق آلية محتملة تتمثل في تعطيل إنزيمات تصنيع التستوستيرون. لذلك، يبقى هذا المحور بحاجة إلى مزيد من البحث، ولا سيما دراسات تتابع الأشخاص لفترات طويلة لمعرفة ما إذا كان استخدام الفيب يؤدي بالفعل إلى تغيرات هرمونية مع مرور الوقت.
ثامناً: الفيب وجودة السائل المنوي — والنكهات تحديداً
هذا من أكثر المحاور توثيقاً مباشرة على البشر، لا فقط على الحيوانات.
الدراسة الدنماركية: تراجع موثق مباشرة
الدراسة الدنماركية ذاتها التي فحصت التستوستيرون، والتي شملت أكثر من 1,200 رجل شاب، وجدت أن استخدام الفيب ارتبط بشكل واضح بانخفاض في تعداد الحيوانات المنوية مقارنة بغير المستخدمين. وهذا يعني أن الفيب، رغم عدم رفعه الظاهري للتستوستيرون، لا يزال يحمل تأثيراً سلبياً موثقاً على جانب آخر من الوظيفة الإنجابية. ( المصدر: Oxford Academic )
النكهات تحديداً: بابل غم وقرفة تحت المجهر
من أكثر النتائج تحديدًا وإثارةً للقلق ما كشفته دراسة بشرية عرّضت الحيوانات المنوية مباشرة لسوائل فيب خالية من النيكوتين، لكن بنكهتي “بابل غم” و”قرفة”، ورصدت انخفاضًا في حركة الحيوانات المنوية بعد التعرض لكلتا النكهتين. ودعمت هذه النتيجة دراسات حيوانية موازية؛ إذ أظهرت أن نكهة البابل غم سببت تلفًا في بعض خلايا أنسجة الخصية لدى الفئران، بينما أثرت نكهة القرفة في الخلايا السلائفية للحيوانات المنوية، وهي الخلايا الأولية التي تنقسم وتتطور تدريجيًا لتكوين حيوانات منوية ناضجة.( المصدر: PMC )
هذه النتائج تعني عملياً أن الضرر لا يقتصر على النيكوتين وحده؛ فحتى الفيب “الخالي من النيكوتين”، الذي يُسوَّق أحياناً كخيار أكثر أماناً، قد يحمل ضرراً مباشراً على الحيوانات المنوية بفعل المنكهات نفسها.
رأي أطلس الرجل الصحي: الفيب قد لا “يخدع” الرجل برفع تستوستيرون ظاهري كاذب متل السجائر، لكن هذا لا يعني أنه أقل ضرراً على الخصوبة؛ فتراجع جودة السائل المنوي موثق بشكل مباشر حتى في غياب النيكوتين، وهو مؤشر يستحق انتباهاً جدياً خصوصاً عند الرجال الذين يخططون للإنجاب.

تاسعاً: فيب أم سجائر — من الأضر فعلياً على الأداء الجنسي؟
الجدول التالي يلخص أوجه الاختلاف الجوهرية بين الفيب والسجائر التقليدية من منظور الصحة الجنسية تحديداً:
| وجه المقارنة | الفيب | السجائر التقليدية |
|---|---|---|
| عدد المواد الكيميائية | أقل بكثير (لا احتراق) | أكثر من 7,000 مادة |
| تركيز النيكوتين | متفاوت جداً؛ الأجهزة الحديثة قد تفوق السجائر | ثابت نسبياً بالعلبة الواحدة |
| تأثير النيكوتين على الأوعية والقذف | موجود وبنفس الآلية | موجود وبنفس الآلية |
| الارتباط بضعف الانتصاب | موثق مباشرة (AOR مرتفع) | موثق ومعروف منذ عقود |
| التأثير على التستوستيرون الكلي | لا يرتفع ظاهرياً | يرتفع ظاهرياً عبر SHBG |
| التأثير على إنزيمات تصنيع التستوستيرون | تعطيل مباشر موثق حيوانياً | أقل توثيقاً بهذه الآلية تحديداً |
| جودة السائل المنوي | تراجع موثق مباشرة على البشر، حتى بلا نيكوتين (نكهات) | تراجع موثق أيضاً |
| مخاطر مرضية عامة (مراجعة 2024) | قريبة من السجائر في بعض الأمراض | الأعلى في معظم المؤشرات |
كما يتضح من الجدول، لا يمكن اعتبار الفيب “الخيار الآمن” بإطلاق؛ فبينما يتفوق على السجائر من حيث عدد المواد الكيميائية الكلي، إلا أن تأثيره على الانتصاب موثق بشكل مباشر وقوي، وآلية تأثيره على التستوستيرون مختلفة عن السجائر لا أقل خطورة منها بالضرورة، وحتى النكهات وحدها كفيلة بالإضرار بالحيوانات المنوية بمعزل عن النيكوتين.
وقد أكدت مراجعة شاملة حديثة نُشرت في NEJM Evidence أن مخاطر بعض الأمراض المرتبطة بالفيب تقترب من مخاطر السجائر التقليدية في عدة محاور، بينما يزداد الخطر أكثر عند الجمع بين الاثنين معاً (الاستخدام المزدوج). ( المصدر: ScienceDirect )
متى تراجع الطبيب؟
ثمة علامات تستدعي مراجعة طبية لا تأجيلاً:
- ضعف انتصاب ظهر أو تفاقم مع الاستمرار باستخدام الفيب.
- غياب الانتصاب الصباحي بشكل مستمر لأكثر من أسبوعين.
- اضطراب في توقيت القذف أو تراجع ملحوظ في شدة الإحساس المصاحب للنشوة.
- تراجع الرغبة الجنسية مصحوباً بتعب عام أو تغير بالمزاج.
- خطط للإنجاب مترافقة مع استخدام منتظم للفيب، خصوصاً عند وجود صعوبة بالحمل غير مفسرة.
- استخدام مزدوج للفيب والسجائر التقليدية معاً، إذ يتضاعف الخطر في هذه الحالة.
كيف تبدأ مع طبيبك؟
عند مراجعة الطبيب بسبب أعراض جنسية مرتبطة باستخدام الفيب، من المفيد إبلاغه بـ:
- عدد مرات الاستخدام اليومية، ونوع الجهاز (جيل أول أم أجهزة حديثة قابلة للتصرف)، وتركيز النيكوتين إن كان معروفاً.
- منذ متى بدأ الاستخدام، وهل سبقه استخدام سجائر تقليدية.
- هل الضعف تدريجي أم مفاجئ، وهل يوجد انتصاب صباحي.
- أي أعراض مصاحبة للقذف أو للرغبة الجنسية.
- وجود خطط إنجابية حالية أو مستقبلية.
الفحوصات المتوقع طلبها: تستوستيرون كلي وحر، تحليل السائل المنوي في حال وجود خطط إنجابية أو شك بتراجع الخصوبة، وفي حال استمرار ضعف الانتصاب قد يُلجأ لفحص الدوبلر (Doppler) للأوعية الدموية بالقضيب، وهو فحص بالموجات الصوتية يقيس تدفق الدم بالشرايين المغذية للقضيب.
الخلاصة العلمية
الفيب ليس البديل الآمن الذي يتصوره كثير من الرجال؛ فرغم احتوائه على مواد كيميائية أقل عدداً من السجائر التقليدية بفعل غياب الاحتراق، إلا أن تأثيره على الانتصاب موثق بشكل مباشر وقوي في دراسات واسعة، خصوصاً مع الأجهزة الحديثة عالية تركيز النيكوتين. أما تأثيره على التستوستيرون فيسلك مساراً مختلفاً تماماً عن السجائر — إذ لا يرفعه ظاهرياً كما تفعل السجائر عبر SHBG، لكن أدلة حيوانية تشير لتعطيل محتمل مباشر لإنزيمات تصنيعه، بمعزل عن وجود النيكوتين من عدمه. وتبقى جودة السائل المنوي من أكثر المحاور توثيقاً مباشرة على البشر، مع تراجع واضح موثق حتى مع بعض النكهات الخالية من النيكوتين. أما القذف والرغبة الجنسية فتأثرهما منطقي عبر نفس الآلية العصبية السمبثاوية، لكنهما يبقيان من أقل المحاور دراسة مباشرة حتى الآن.
الأسئلة الشائعة ❓
هل الفيب فعلاً أقل ضرراً من السجائر على الأداء الجنسي؟
أقل من حيث عدد المواد الكيميائية الكلي، لكنه ليس آمناً؛ فضعف الانتصاب موثق بشكل مباشر وقوي عند مستخدمي الفيب اليوميين وفق دراسات واسعة.
هل يرفع الفيب التستوستيرون متل السجائر؟
لا، وهذا فارق مهم؛ فالسجائر التقليدية ترفع التستوستيرون الكلي ظاهرياً عبر بروتين SHBG، بينما لا تُظهر الدراسات نفس الارتفاع مع الفيب.
هل الفيب يضر بالخصوبة؟
نعم، الأدلة البشرية المباشرة تُظهر تراجعاً بجودة السائل المنوي وحركة الحيوانات المنوية عند مستخدمي الفيب، حتى مع بعض النكهات الخالية من النيكوتين.
هل الفيب الخالي من النيكوتين آمن على الصحة الجنسية؟
ليس بالضرورة؛ فبعض الدراسات أظهرت انخفاضاً بالتستوستيرون وتأثيراً سلبياً على حركة الحيوانات المنوية حتى مع السوائل الخالية من النيكوتين، بفعل المنكهات ونواتج التسخين.
هل الأجهزة الحديثة (Disposables) أخطر من الأجيال الأولى؟
نظرياً نعم على الأرجح؛ فتركيز النيكوتين فيها أعلى بكثير بفعل تقنية نيكوتين الملح التي تقلل التهيّج وتسمح باستنشاق كميات أكبر، رغم أن دراسات مباشرة تقارن الجيلين على الصحة الجنسية تحديداً لا تزال قليلة.
هل الفيب يؤثر على القذف والرغبة الجنسية؟
منطقياً نعم عبر نفس آلية تحفيز الجهاز العصبي السمبثاوي الموثقة بالنيكوتين عموماً، لكن الأبحاث المباشرة على هذين المحورين تحديداً في الفيب لا تزال من أقل المحاور دراسة.
هل التوقف عن الفيب يُحسّن الأداء الجنسي؟
من الناحية النظرية، نعم. فاستنادًا إلى ما نعرفه عن تعافي الأوعية الدموية بعد التوقف عن التعرض للنيكوتين، يُتوقع أن يسهم الإقلاع عن الفيب أيضًا في تحسن الوظيفة الجنسية مع مرور الوقت. لكن حتى الآن، لا تزال الدراسات التي تابعت تعافي الوظيفة الجنسية تحديدًا بعد الإقلاع عن الفيب وحده محدودة، لذلك لا يمكن تحديد حجم هذا التحسن أو المدة التي يستغرقها بدقة.
إخلاء مسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال ذات طابع علمي وتثقيفي، وتهدف إلى تعزيز الوعي الصحي والتحضير لمناقشة هادفة مع الطبيب المختص. لا تُشكّل هذه المعلومات تشخيصاً طبياً أو توصية علاجية، ولا ينبغي الاستناد إليها بديلاً عن الاستشارة الطبية المتخصصة.
- مقالات قد تهمك:
- الأرجيلة والصحة الجنسية عند الرجال: هل هي أقل ضرراً من السجائر؟
- التدخين والأداء الجنسي عند الرجل: كيف يضعف الانتصاب ويقلل الرغبة؟
- الكحول والأداء الجنسي عند الرجل: كيف يؤثر على الانتصاب والتستوستيرون والقذف والرغبة؟
- القهوة والصحة الجنسية عند الرجال: هل تحسّن الانتصاب والتستوستيرون أم تضرّهما؟

