القهوة والصحة الجنسية عند الرجال: هل تحسّن الانتصاب والتستوستيرون أم تضرّهما؟

لقطة فوتوغرافية تظهر شاباً صحياً يشرب كوباً من القهوة الصباحية السوداء لمناقشة تأثير الكافيين على الانتصاب ومستويات التستوستيرون للرجال.

في الصباح الباكر، بين رشفة القهوة الأولى ورائحتها التي تملأ المطبخ، يتساءل كثير من الرجال: هل هذا الفنجان الذي لا يستغنون عنه صديق لصحتهم الجنسية أم عدو خفي يتسلل إليها؟ يعاني كثيرون من حيرة حقيقية بين ما يسمعونه من فوائد القهوة للطاقة والتركيز، وما يتناقلونه من مخاوف حول تأثيرها على الانتصاب والتستوستيرون والقذف.

تعود هذه الحيرة إلى أن الكافيين يؤثر في الجهاز العصبي والدورة الدموية والهرمونات الذكرية بطرق متعددة، وقد تختلف هذه التأثيرات باختلاف الجرعة ونمط الاستهلاك. لكن الخبر الجيد أن العلاقة بين القهوة والصحة الجنسية دُرست على نطاق واسع، وأصبح بالإمكان التمييز بدرجة جيدة من الدقة بين الكمية التي قد تقدم فائدة، وتلك التي قد تتحول إلى ضرر.

إذ كشفت دراسة نشرت في مجلة Journal of Health, Population and Nutrition عام 2024 أن العلاقة بين الكافيين وضعف الانتصاب أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد، ولا توجد علاقة واضحة وثابتة بينهما.

( المصدر: SPRINGER NATURE LINK )

في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية شاملة حول تأثير القهوة على أربعة محاور أساسية: الرغبة الجنسية، الانتصاب، التستوستيرون، والقذف.


أولاً: آلية عمل الكافيين في الجسم

الكافيين مادة منبهة تنتمي إلى عائلة الزانثين (Xanthine)، وهو المكوّن الأساسي في القهوة والشاي ومشروبات الطاقة. يعمل أساساً عبر تعطيل تأثير مادة طبيعية في الدماغ تُسمى الأدينوزين، وهي المادة التي تساعد الجسم على الشعور بالنعاس والاسترخاء مع مرور الوقت. ونتيجة لذلك، يبقى الدماغ في حالة يقظة لفترة أطول، ويزداد إفراز بعض المواد المنبهة، مثل الدوبامين (Dopamine)، وهو ناقل عصبي وهرمون يرتبط بالحافز والمكافأة والشعور بالنشاط الذهني، والأدرينالين (Adrenaline)، وهو هرمون يُهيئ الجسم للاستجابة السريعة للمواقف التي تتطلب اليقظة أو المجهود المفاجئ (المعروفة باستجابة “الكر أو الفر”). وارتفاع هاتين المادتين معاً هو ما يفسر الشعور المألوف بالتركيز والحيوية والانتباه الذي يشعر به معظم الناس بعد شرب فنجان من القهوة.

هذا التنبيه للجهاز العصبي له وجهان؛ فمن جهة قد يحسن اليقظة ويزيد تدفق الدم في بعض الأوعية الدموية، ومن جهة أخرى قد يسبب تضيقاً مؤقتاً في أوعية أخرى، خاصة عند تناول جرعات كبيرة أو لدى الأشخاص غير المعتادين على شرب الكافيين بانتظام، لذلك تختلف استجابة الجسم له من شخص لآخر.

أما الآلية الأكثر أهمية لموضوعنا، فتتعلق بإنزيم يُسمى فوسفودايستراز من النوع الخامس (PDE5)، وهو الإنزيم نفسه الذي تستهدفه أدوية علاج ضعف الانتصاب، مثل السيلدينافيل. وتكمن وظيفة هذا الإنزيم في تكسير مادة تُسمى cGMP، وهي المادة التي تساعد على ارتخاء العضلات الملساء داخل الأنسجة الإسفنجية في القضيب، مما يسمح بدخول كمية أكبر من الدم وحدوث الانتصاب.

ويُرجح أن الكافيين يثبط هذا الإنزيم بدرجة بسيطة، فيُبقي مستوى cGMP مرتفعاً لفترة أطول، وهو ما يساعد على استمرار ارتخاء العضلات وتحسين تدفق الدم. وهذه هي الآلية نفسها التي تعمل بها أدوية ضعف الانتصاب، لكنها لدى الكافيين أضعف بكثير، لذلك لا يمكن اعتبار القهوة بديلاً علاجياً عنها. ومع ذلك، فقد ربطت بعض الدراسات تناول كميات معتدلة من الكافيين بتحسن احتمال حدوث الانتصاب، ويُعتقد أن هذا التحسن يعود جزئياً إلى هذه الآلية.

( المصدر: SPRINGER NATURE LINK )


ثانياً: تأثير القهوة على الرغبة الجنسية

ترتبط الرغبة الجنسية ارتباطاً وثيقاً بمراكز المكافأة في الدماغ، وهي الشبكة العصبية المسؤولة عن الشعور بالحافز والمتعة والرغبة في القيام بالأشياء. ويُنشّط الكافيين هذه المراكز بصورة غير مباشرة عبر تعطيل تأثير الأدينوزين. لذلك، قد يفسر ذلك شعور بعض الأشخاص بزيادة طفيفة في النشاط والانتباه للمثيرات المحيطة، بما فيها المثيرات الجنسية، خاصة عند من يعانون من الإرهاق أو الخمول الذهني الذي يُضعف الرغبة الجنسية أساساً.

لكن هذا التأثير يبقى محدوداً من حيث الجرعة والمدة. فمع الاستهلاك اليومي المنتظم، يعتاد الجسم على الكافيين تدريجياً (وتُعرف هذه الظاهرة بالتحمل أو Tolerance)، فيصبح الكوب الذي كان يمنح دفعة واضحة من النشاط في البداية أقل تأثيراً مع مرور الوقت، مما يدفع بعض الأشخاص إلى زيادة الكمية للحصول على الشعور نفسه. وهنا تبدأ المشكلة، لأن الجرعات المرتفعة تزيد احتمال القلق واضطراب النوم.

والأهم من ذلك أن الرغبة الجنسية تتأثر بالحالة النفسية وجودة النوم أكثر بكثير مما تتأثر بفنجان قهوة واحد. فالنوم المتقطع أو غير الكافي، وهو من أكثر آثار الإفراط في الكافيين شيوعاً، قد يرفع مستوى هرمون الكورتيزول، وهو هرمون يزداد مع التوتر والضغط النفسي. وعندما يبقى مرتفعاً لفترات طويلة، قد يثبط عمل المحور الهرموني المسؤول عن إنتاج التستوستيرون، مما ينعكس سلباً على الرغبة الجنسية. بمعنى آخر، القهوة لا تُضعف الرغبة الجنسية مباشرة، لكنها قد تكون بداية سلسلة تبدأ بالسهر واضطراب النوم، وتنتهي بتراجع الرغبة دون أن ينتبه الرجل إلى أن فنجان القهوة المسائي كان أحد أسبابها.

رأي أطلس الرجل الصحي: تأثير القهوة على الرغبة غالبًا ما يكون غير مباشر وتراكمي عبر تأثيرها على النوم والتوتر، وليس تأثيرًا مباشرًا وفوريًا على الدماغ الجنسي كما يُشاع.


ثالثاً: تأثير القهوة على الانتصاب

النتيجة العامة هنا مطمئنة، لكن يبقى السؤال: لماذا ارتبطت الجرعات المعتدلة بالفائدة، بينما لم تستمر هذه الفائدة مع الجرعات الأعلى؟

دراسة نُشرت على قاعدة بيانات NHANES الأمريكية وشملت 3724 رجلًا فوق سن العشرين وجدت أن تناول الكافيين، خصوصًا بمعدل يعادل كوبين إلى ثلاثة أكواب قهوة يوميًا (170-375 ملغ)، ارتبط بانخفاض ملحوظ في احتمالية الإصابة بضعف الانتصاب مقارنة بمن يتناولون كميات أقل من الكافيين. كما ظهر هذا الارتباط لدى الرجال الذين يعانون من زيادة الوزن أو ارتفاع ضغط الدم، لكنه لم يظهر لدى مرضى السكري. (المصدر: PubMed)

يشير هذا إلى أن العلاقة بين الكافيين والانتصاب ليست خطية، بل تتبع ما يُعرف بمنحنى الجرعة والاستجابة؛ أي إن الفائدة قد تزداد مع الجرعات المعتدلة، ثم تبدأ بالتراجع مع الجرعات المرتفعة.

ويُعتقد أن السبب يعود إلى توازن بين تأثيرين متعاكسين للكافيين داخل الجسم. فعند الجرعات المعتدلة، قد يُحسن الكافيين وظيفة بطانة الأوعية الدموية، ويزيد توافر أكسيد النيتريك، وهو الجزيء المسؤول عن ارتخاء الشرايين وزيادة تدفق الدم أثناء الانتصاب. كما تشير بعض الدراسات المخبرية إلى أن الكافيين قد يؤثر بدرجة محدودة في بعض الإنزيمات المنظمة لانقباض العضلات الملساء، إلا أن أهمية هذا التأثير عند الجرعات المعتادة من القهوة لا تزال غير محسومة.

لكن مع زيادة الجرعة، تبدأ التأثيرات المنبهة للجهاز العصبي بالسيطرة. ولتبسيط الفكرة، تخيل الجهاز العصبي كأنه جرس إنذار داخل الجسم؛ فالكافيين بكميات كبيرة يجعل هذا الجرس يعمل باستمرار، فيرتفع معدل ضربات القلب وضغط الدم، ويزداد الشعور بالتوتر أو القلق لدى بعض الأشخاص، وهي حالة لا تساعد على حدوث انتصاب جيد، لأن الجسم يكون في وضعية تأهب بدلاً من الاسترخاء اللازم للاستجابة الجنسية.

وبذلك، قد تتراجع الفائدة التي ظهرت عند الجرعات المعتدلة، ليس لأن الكافيين يفقد تأثيره تمامًا، بل لأن تأثيراته المنبهة تبدأ بمعادلة أي مكاسب محتملة على مستوى تدفق الدم.

ويدعم هذا التفسير أيضًا دراسة سعودية أُجريت على رجال تتراوح أعمارهم بين 20 و35 عامًا، إذ أظهرت أن تناول كميات كبيرة من مشروبات الطاقة المحتوية على الكافيين حسّن بعض مؤشرات تدفق الدم إلى القضيب، لكنه ترافق في الوقت نفسه مع ارتفاع ضغط الدم وزيادة معدل ضربات القلب. وهذا يشير إلى أن أي تحسن محتمل في تدفق الدم قد يأتي على حساب زيادة العبء على القلب والأوعية الدموية، خاصة عند الإفراط في استهلاك الكافيين. ( المصدر: ResearchGate )

النتيجة العملية: تشير الأدلة الحالية إلى أن الاستهلاك المعتدل للكافيين، بما يعادل نحو كوب إلى كوبين من القهوة يوميًا (حوالي 85-170 ملغ)، قد يكون الخيار الأنسب لمعظم الأشخاص، إذ قد يوفر فوائد محتملة لتدفق الدم دون الوصول إلى الجرعات المرتفعة التي تزيد احتمال القلق، وارتفاع ضغط الدم، وتسارع ضربات القلب، وهي عوامل قد تنعكس سلبًا على الأداء الجنسي.


رابعاً: تأثير القهوة على مستوى التستوستيرون

هذا المحور يستحق تفكيكاً أعمق، لأنه من أكثر النقاط التي يختلف حولها الباحثون والقراء على حد سواء. والسبب أن تأثير الكافيين في التستوستيرون لا يسير في اتجاه واحد دائماً، بل يعتمد على الجرعة، ومدة الاستهلاك، والحالة الصحية ونمط الحياة.

من جهة، قد يؤدي تناول الكافيين إلى ارتفاع مؤقت في مستوى التستوستيرون لدى بعض الأشخاص. ويُعتقد أن السبب يعود إلى أن الكافيين ينشط الجهاز العصبي، فيزداد إفراز الأدرينالين، وهو الهرمون الذي يهيئ الجسم لحالة اليقظة والنشاط. ويبدو أن هذا التنبيه قد يزيد نشاط خلايا لايديغ (Leydig cells)، وهي الخلايا الموجودة داخل الخصية والمسؤولة عن تصنيع التستوستيرون، مما قد يرفع إنتاجه بصورة مؤقتة. وقد رصدت بعض الدراسات هذا الارتفاع بعد تناول الكافيين، خاصة عند الأشخاص الأصحاء أو أثناء النشاط البدني.(المصدر: Frontiers in Endocrinology)

لكن هذا التأثير لا يستمر بالضرورة مع الاستهلاك اليومي المرتفع. فالإفراط في الكافيين، خاصة إذا ترافق مع قلة النوم أو الضغط النفسي المزمن، قد يؤدي إلى ارتفاع مستمر في هرمون الكورتيزول، وهو الهرمون الذي يفرزه الجسم عند التعرض للتوتر. وعندما يبقى الكورتيزول مرتفعاً لفترات طويلة، تبدأ إشارات الدماغ التي تحفز الخصيتين على إنتاج التستوستيرون بالضعف تدريجياً، كما تتراجع كفاءة الخصية نفسها في الاستجابة لهذه الإشارات، وهو ما قد ينعكس بانخفاض مستوى التستوستيرون مع مرور الوقت. لذلك، لا يكون الكافيين وحده هو المشكلة، وإنما البيئة التي يُستهلك فيها أيضاً.

ولهذا السبب، وجدت بعض الدراسات ارتفاعاً في التستوستيرون بعد تناول الكافيين، بينما وجدت دراسات أخرى علاقة عكسية بين الإفراط في استهلاكه ومستوى التستوستيرون. ولا يُعد هذا تناقضاً حقيقياً، لأن الدراسات لم تدرس الظروف نفسها؛ فبعضها تناول تأثير جرعة واحدة خلال ساعات، بينما بحث بعضها الآخر في تأثير الاستهلاك اليومي لسنوات، كما اختلفت أعمار المشاركين ومستوى نشاطهم البدني ونوعية نومهم وكمية الكافيين التي اعتادوا عليها. ( المصدر: PMC )

لذلك، يبدو أن العامل الحاسم ليس القهوة بحد ذاتها، بل طريقة استخدامها. فالكوب أو الكوبان يومياً ضمن نمط حياة صحي قد يختلف تأثيرهما تماماً عن استهلاك كميات كبيرة من الكافيين لدى شخص يعاني من السهر المزمن والإجهاد المستمر.

رأي أطلس الرجل الصحي: لا يمكن الحكم على تأثير القهوة في التستوستيرون بمعزل عن نمط حياة الرجل. فالكوب نفسه قد يكون جزءاً من نمط صحي لدى رجل ينام جيداً ويمارس الرياضة، بينما يصبح عاملاً يزيد المشكلة عند رجل يعيش أصلاً تحت ضغط نفسي مستمر ويعاني من قلة النوم.


خامساً: تأثير القهوة على القذف

لفهم هذه النتيجة، لا بد أولاً من معرفة كيف يحدث القذف بصورة طبيعية. أثناء الإثارة الجنسية، تتراكم الإشارات الحسية تدريجياً حتى تصل إلى مستوى معين يُعرف علمياً بـ”عتبة الاستثارة”. وما إن تبلغ هذه الإشارات هذا الحد، حتى يُفعَّل ما يُعرف بمنعكس القذف، وهو استجابة عصبية تلقائية تُطلق سلسلة الانقباضات العضلية التي تنتهي بخروج السائل المنوي. وعند بعض الرجال تُبلَغ هذه العتبة بسرعة، فيحدث القذف خلال وقت قصير، وهو ما يُعرف بالقذف المبكر، بينما يحتاج آخرون إلى وقت وتحفيز أكبر للوصول إليها.

ويُعتقد أن الكافيين، من خلال تنبيهه للجهاز العصبي المركزي، يرفع عتبة الاستثارة، أي أنه يجعل الجسم يحتاج إلى قدر أكبر من التحفيز قبل تفعيل منعكس القذف. ونتيجة لذلك، قد يتأخر حدوث القذف لدى بعض الرجال الذين يعانون من القذف المبكر، لأن الوصول إلى العتبة التي تُطلق هذا المنعكس يصبح أبطأ مما كان عليه قبل تناول الكافيين.

ولاختبار هذه الفرضية عملياً، أجرى الباحثون دراسة سريرية عشوائية شملت 40 رجلاً يعانون من القذف المبكر. تلقى المشاركون إما 100 ملغ من الكافيين داخل كبسولة أو دواءً وهمياً (حبوب لا تحتوي على أي مادة فعالة)، قبل الجماع بساعتين، لمدة ثلاثة أسابيع. وقد ارتفع متوسط زمن القذف في مجموعة الكافيين من 144 ثانية قبل العلاج إلى 312 ثانية بعده، أي أكثر من الضعف، بينما لم يظهر فرق يُذكر في مجموعة الدواء الوهمي. كما ارتبطت زيادة زمن القذف بتحسن الرضا الجنسي لدى المشاركين.

( المصدر: Bentham Science )

لكن لا ينبغي تفسير هذه النتائج على أنها تعني أن شرب القهوة سيؤخر القذف بالضرورة. فالجرعة المستخدمة كانت محددة بدقة (100 ملغ من الكافيين، أي ما يعادل تقريباً كوباً واحداً من القهوة)، كما أُخذت في وقت محدد قبل الجماع بساعتين، ولم يحصل المشاركون على الكافيين من القهوة نفسها، بل من كبسولات لضمان ثبات الجرعة واستبعاد أي تأثير نفسي مرتبط بشرب القهوة نفسها. إضافة إلى ذلك، كان عدد المشاركين محدوداً، لذلك تبقى هذه النتائج واعدة، لكنها تحتاج إلى دراسات أكبر قبل اعتماد الكافيين كخيار علاجي للقذف المبكر.


سادساً: القهوة والخصوبة عند الرجال

الآلية المقترحة وراء تأثير الكافيين المحتمل في الخصوبة تمر عبر مسارين رئيسيين. الأول هو احتمال زيادة الإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress) داخل الخصية، وهو حالة يزداد فيها إنتاج الجذور الحرة إلى درجة تفوق قدرة الجسم على التخلص منها.

ولتبسيط الفكرة، تُنتج خلايا الجسم بصورة طبيعية جزيئات غير مستقرة تُسمى الجذور الحرة، ويمكن تشبيهها بالصدأ الذي يتكون على الحديد؛ فهي قادرة على إحداث تلف تدريجي في الخلايا إذا لم تُسيطر عليها. وفي المقابل، يمتلك الجسم منظومة دفاعية من مضادات الأكسدة، وظيفتها معادلة هذه الجذور الحرة ومنعها من إلحاق الضرر بالأنسجة.

وتظهر المشكلة عندما يختل هذا التوازن، فتصبح الجذور الحرة أكثر من قدرة مضادات الأكسدة على معادلتها، وهي الحالة التي تُعرف بالإجهاد التأكسدي. ويُعتقد أن استقلاب الكافيين، أي الطريقة التي يُحلل بها الجسم الكافيين ويستفيد منه، قد يزيد إنتاج هذه الجذور الحرة بدرجة محدودة. وعند الإفراط في استهلاك الكافيين لفترات طويلة، قد يرتفع إنتاجها إلى مستوى يسمح بوصول بعضها إلى الحيوانات المنوية، مما قد يسبب ضرراً في الحمض النووي (DNA) داخلها، وهو أحد التفسيرات المحتملة لارتباط الإفراط في الكافيين بتراجع جودة الحيوانات المنوية في بعض الدراسات.

ورغم منطقية هذه الآلية من الناحية البيولوجية، فإن الدراسات التي بحثت تأثيرها الفعلي على خصوبة الرجل لم تصل إلى نتيجة حاسمة. فقد خلصت مراجعة منهجية شاملة للدراسات الرصدية إلى أن الأدلة الحالية لا تسمح بالجزم بأن الكافيين يؤثر سلباً في خصوبة الرجل أو في نتائج تحليل السائل المنوي، رغم وجود مؤشرات على أنه قد يضر بسلامة الحمض النووي (DNA) داخل الحيوانات المنوية عند الإفراط في استهلاكه. ( المصدر: PMC )

ومن المثير للاهتمام أن بعض الدراسات المخبرية القديمة وجدت أن إضافة الكافيين مباشرة إلى عينة من السائل المنوي داخل المختبر حسّنت حركة الحيوانات المنوية بصورة مؤقتة. وهذا يوضح أن تأثير الكافيين ليس ضاراً أو مفيداً بشكل مطلق، بل يعتمد على عدة عوامل، أهمها الجرعة، ومدة الاستهلاك، ومصدر الكافيين نفسه؛ فالقهوة العادية تختلف عن مشروبات الطاقة الغنية بالسكر والمنبهات الأخرى. ( المصدر: PubMed )

النقطة العملية الأهم هنا: الدراسات التي وجدت ضرراً فعلياً كانت غالباً عند استهلاك أكثر من 300 ملغ من الكافيين يومياً بشكل مستمر، أي ما يعادل تقريباً 3 إلى 4 أكواب من القهوة العادية، وليس عند الاستهلاك المعتدل اليومي.


سابعاً: الجرعة الآمنة، التوقيت، وعلاقتهما بالنوم والتستوستيرون

يمكن تلخيص العلاقة بين كمية الكافيين والفائدة الجنسية على أنها ليست كلما زادت الكمية زادت الفائدة، بل تصل إلى حد معين ثم تبدأ بالتراجع.

  • أقل من 85 ملغ يومياً (أقل من كوب قهوة): تأثير محدود على الانتصاب، وقد يقتصر على تحسين بسيط في اليقظة والمزاج.
  • 85-170 ملغ يومياً (كوب إلى كوبين): المنطقة التي أظهرت أفضل توازن في معظم الدراسات، إذ قد تُحسن تدفق الدم دون أن تزيد احتمال القلق أو اضطراب النوم لدى معظم الأشخاص.
  • 170-300 ملغ يومياً (نحو كوبين إلى ثلاثة): تبقى الكمية آمنة لدى أغلب الأصحاء، لكن الفائدة الإضافية على الانتصاب تصبح محدودة.
  • أكثر من 400 ملغ يومياً (أكثر من أربعة أكواب): ترتبط بزيادة واضحة في القلق والصداع والخفقان واضطراب النوم، وهي آثار قد تنعكس سلباً على الصحة الجنسية.

( المصدر: PMC )

ولا يقل توقيت شرب القهوة أهمية عن الكمية نفسها. فالكافيين يبقى في الجسم عدة ساعات، إذ يبلغ متوسط نصف عمره – أي الوقت الذي يحتاجه الجسم للتخلص من نصف كمية الكافيين الموجودة فيه – بين 4 و6 ساعات، وقد يمتد إلى أكثر من 8 ساعات عند بعض الأشخاص بسبب اختلافات وراثية في سرعة تكسير الكافيين داخل الكبد. وهذا يعني أن فنجان قهوة في الرابعة مساءً قد يبقى جزء من تأثيره موجوداً حتى منتصف الليل لدى بعض الناس.

وتظهر أهمية ذلك لأن الجسم يُنتج معظم هرمون التستوستيرون أثناء النوم العميق، وهي المرحلة التي تتركز فيها كثير من عمليات التعافي وإفراز الهرمونات المهمة. وقد لا تمنع القهوة المتأخرة النوم تماماً، لكنها قد تُقلل من مدة النوم العميق وجودته، حتى لو نام الشخص عدد الساعات المعتاد. وهذا يعني أن الرجل قد ينام ثماني ساعات مثلاً، لكنه لا يحصل على القدر الكافي من النوم العميق الذي يحتاجه الجسم لإتمام وظائفه الطبيعية. ومع تكرار ذلك، قد ينعكس الأمر تدريجياً على مستويات التستوستيرون الصباحية والطاقة العامة. ولهذا قد يشعر بعض الرجال بالإرهاق أو انخفاض الحيوية رغم أنهم ينامون لساعات كافية، بينما تكون المشكلة الحقيقية في جودة النوم لا في مدته.

اقرأ أيضاً: النوم والأداء الجنسي عند الرجل: كيف تؤثر قلة النوم على الرغبة والانتصاب؟


ثامناً: القهوة مقابل مصادر الكافيين الأخرى

لا يقتصر الاختلاف بين مصادر الكافيين على كمية الكافيين نفسها، بل يشمل أيضاً المركبات الأخرى الموجودة معها. فالشاي، رغم احتوائه عادةً على كمية أقل من الكافيين مقارنة بالقهوة، يحتوي كذلك على حمض أميني يُسمى الثيانين (L-Theanine)، وهو مركب قد يساعد على تعزيز الشعور بالاسترخاء وتقليل التوتر الذهني لدى بعض الأشخاص. لذلك يصف كثيرون تأثير الشاي بأنه أكثر هدوءاً وأقل إثارة للعصبية من القهوة، حتى عند تقارب كمية الكافيين بينهما.

أما مشروبات الطاقة، فهي تستحق قدراً أكبر من الحذر. فإلى جانب احتوائها على كميات مرتفعة من الكافيين، قد تحتوي أيضاً على مصادر إضافية له، مثل الغوارانا (Guarana)، وهو نبات غني بالكافيين يُضاف إلى كثير من مشروبات الطاقة لتعزيز تأثيرها المنبه. كما تحتوي غالباً على كميات كبيرة من السكر، الذي قد يؤدي إلى ارتفاع متكرر في مستويات الإنسولين ويؤثر سلباً في صحة الأوعية الدموية عند الإفراط في تناوله. لذلك، عندما تجد دراسة تربط مشروبات الطاقة بآثار سلبية في الصحة الجنسية، لا يكون من السهل تحديد ما إذا كان السبب هو الكافيين وحده، أو السكر، أو التأثير المشترك لمكونات هذه المشروبات.


تاسعاً: خرافات شائعة عن القهوة والفحولة

  • “القهوة تكسر الرغبة الجنسية فورًا”: لا يوجد دليل على تأثير حاد وفوري كهذا؛ التأثير السلبي إن وجد يظهر تراكميًا مع الإفراط طويل المدى، وغالبًا عبر تعطيل النوم لا عبر تأثير مباشر وآني.
  • “القهوة منشط جنسي فوري”: التحسن الملحوظ في الدراسات كان مرتبطًا باستهلاك منتظم بجرعات معتدلة على مدى أسابيع، لا بتأثير آني بعد كوب واحد في نفس اليوم.
  • “القهوة تدمر الخصوبة نهائيًا”: الأدلة على هذا التأثير غير حاسمة، والضرر الفعلي المرصود يظهر غالبًا عند جرعات مرتفعة ومستمرة تتجاوز 300 ملغ يوميًا، لا عند الاستهلاك المعتدل العادي.
  • “كل مصادر الكافيين لها نفس التأثير”: كما ذُكر سابقًا، القهوة والشاي ومشروبات الطاقة تختلف في المركّبات المرافقة للكافيين (كالسكر أو الثيانين)، ما يجعل تعميم “الكافيين ضار” أو “الكافيين مفيد” على جميع المصادر تبسيطًا غير دقيق.
  • “شرب القهوة يعالج ضعف الانتصاب”: رغم أن الجرعة المعتدلة قد تُحسّن تدفق الدم قليلاً، إلا أن هذا التأثير أضعف بكثير من أدوية علاج ضعف الانتصاب المتخصصة، ولا يمكن اعتبار القهوة بديلاً علاجيًا لأي حالة ضعف انتصاب حقيقية تستدعي تدخلًا طبيًا.
  • “القهوة تزيد الخصوبة بشكل مضمون”: صحيح أن بعض الدراسات المخبرية القديمة رصدت تحسنًا في حركة الحيوانات المنوية عند إضافة الكافيين مباشرة في المختبر، لكن هذا لا يعني أن شرب مزيد من القهوة يوميًا سيرفع فرص الإنجاب، خصوصًا أن نفس الدراسات أظهرت انقلاب هذه الفائدة إلى ضرر عند الجرعات المرتفعة.
  • “عدم ظهور أعراض واضحة بعد شرب القهوة يعني عدم وجود تأثير على الهرمونات”: غياب الأعراض الظاهرة (كالخفقان أو القلق) لا ينفي وجود تأثيرات داخلية أعمق وأبطأ ظهورًا، كالتأثير التراكمي على الكورتيزول والتستوستيرون، والذي قد لا يشعر به الرجل مباشرة رغم حدوثه فعليًا على مستوى الهرمونات.
  • “القهوة المقطّرة أو المختصة (Specialty Coffee) أكثر أمانًا على الصحة الجنسية”: نوعية حبوب القهوة أو طريقة تحضيرها لا تُغيّر من كمية الكافيين الفعلية بشكل جوهري يُذكر عند المقارنة بنفس حجم الكوب، فالعامل الحاسم يبقى الجرعة الكلية للكافيين وليس نوع القهوة أو سعرها.

متى تراجع الطبيب؟

يجب مراجعة الطبيب إذا ترافق استهلاك القهوة مع أي من التالي: ضعف انتصاب مستمر لا يتحسن بتقليل الكافيين، خفقان قلب أو قلق حاد بعد تناوله، اضطراب نوم مزمن رغم تقليل الجرعة، أو رغبة في التخطيط للإنجاب مع وجود مشاكل خصوبة معروفة. كذلك، مرضى القلب أو ارتفاع ضغط الدم يجب أن يناقشوا كمية القهوة الآمنة لهم تحديدًا مع طبيبهم.

كيف تبدأ مع طبيبك؟

يمكن البدء بذكر كمية القهوة اليومية بدقة (عدد الأكواب والحجم)، وتوقيت آخر كوب في اليوم، ووصف أي أعراض جنسية أو نفسية لوحظت (تراجع رغبة، صعوبة انتصاب، قذف مبكر أو متأخر)، إضافة إلى أي أمراض مزمنة أو أدوية حالية، لأن بعضها يتفاعل مع الكافيين.


الخلاصة العلمية

العلاقة بين القهوة والصحة الجنسية عند الرجال ليست علاقة خطية بسيطة، بل تعتمد على الجرعة والتوقيت ونمط الاستهلاك الفردي والحالة النفسية العامة للشخص. الجرعة المعتدلة (85-170 ملغ، أو كوب إلى كوبين) ترتبط بتحسن في تدفق الدم للانتصاب وربما تأخير طفيف في القذف المبكر، بينما الإفراط يرتبط بالقلق واضطراب النوم وربما ضررًا في جودة الحيوانات المنوية. التستوستيرون يبقى المحور الأكثر تناقضًا في الأدبيات العلمية، إذ يتجاذبه مساران فسيولوجيان متعاكسان يحسمهما السياق الفردي للرجل أكثر من الكافيين وحده.


إنفوجرافيك طبي يوضح تأثير القهوة والكافيين المعتدل والمفرط على مرونة الشرايين، هرمون التستوستيرون، والرغبة الجنسية للرجال.

الأسئلة الشائعة ❓

هل القهوة منزوعة الكافيين لها نفس التأثيرات؟

لا، فهي تفتقر لتأثير الكافيين المباشر على تدفق الدم والجهاز العصبي، لذلك التأثيرات الموصوفة هنا مرتبطة بالكافيين تحديدًا.

كم كوب قهوة يعتبر آمنًا يوميًا للصحة الجنسية؟

1-3 أكواب يوميًا هي الجرعة الأكثر ارتباطًا بالفائدة دون ضرر واضح.

هل شرب القهوة قبل العلاقة الحميمة مباشرة له فائدة؟

هناك دليل على فائدة جرعة محددة قبل ساعتين من الجماع في تأخير القذف، لكن هذا لا يعني أن أي كوب قهوة عشوائي سيعطي نفس الأثر دون استشارة طبية.

هل التوقف عن القهوة يرفع التستوستيرون؟

لا يوجد دليل قوي على ذلك عند من كان استهلاكهم معتدلاً أصلاً.

هل مشروبات الطاقة لها نفس تأثير القهوة على الصحة الجنسية؟

لا، فهي تحتوي عادة على كافيين وسكر بكميات أعلى، وترتبط بمخاطر أكبر على الخصوبة مقارنة بالقهوة التقليدية المعتدلة.

هل القهوة تؤثر على مرضى القلب بشكل مختلف؟

نعم، فالكافيين قد يرفع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب بصورة مؤقتة، كما قد يتداخل مع تأثير بعض الأدوية القلبية. لذلك، يُنصح مرضى القلب باستشارة طبيبهم قبل زيادة استهلاك الكافيين أو استخدام المكملات المحتوية عليه، لتقييم الحالة بشكل فردي.


إخلاء المسؤولية: هذا المقال لأغراض تثقيفية عامة، ولا يغني عن استشارة طبيب مختص. أي قرار يتعلق بتعديل نمط استهلاك القهوة لأسباب صحية أو جنسية يجب أن يتم بالتشاور مع طبيب مطلع على الحالة الصحية الكاملة للشخص.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *