يفحص الطبيب مولوداً حديثاً، فيلاحظ أن كيس الصفن لدى الطفل يبدو فارغاً من جهة واحدة، أو أنه لا يستطيع تحسّس الخصية داخله بوضوح. وقد يكتشف أهل الطفل الأمر بأنفسهم لاحقاً، أو قد يكتشف رجل بالغ أن إحدى خصيتيه لم تكن يوماً في موضعها الطبيعي داخل كيس الصفن، دون أن يلاحظ أحد ذلك مبكراً. وتُعرف هذه الحالة طبياً باسم الخصية المعلقة (Cryptorchidism)، وهي من أكثر الحالات الخِلقية شيوعاً لدى الذكور، أي الحالات التي يولد بها الطفل. لكنها في الوقت نفسه من الحالات التي يحدد فيها توقيت العلاج، لا نوعه فقط، مستقبل الخصوبة وصحة الخصية على المدى البعيد.
ويؤكد مدى انتشارها أنها ليست حالة نادرة؛ فقد وجدت مراجعة علمية شاملة أن نسبة حدوث الخصية المعلقة تتراوح بين 1% و9% لدى المواليد الذكور الذين وُلدوا بعد إتمام مدة الحمل الطبيعية، وترتفع هذه النسبة بشكل ملحوظ لدى الأطفال الخُدّج، أي المولودين قبل اكتمال فترة الحمل الطبيعية. ( المصدر: PMC )
والمشكلة أن كثيراً من الأهالي يتعاملون مع هذه الحالة وكأنها مجرد اختلاف بسيط في موضع الخصية سيزول من تلقاء نفسه مع الوقت، بينما تشير الأدلة الطبية إلى أن توقيت العلاج عامل حاسم في تحديد مدى احتفاظ الخصية بوظيفتها الطبيعية. فمتى يمكن انتظار نزول الخصية من تلقاء نفسها، ومتى تحتاج إلى تدخل جراحي في الوقت المناسب؟ وماذا يحدث إذا تأخر التشخيص أو العلاج لسنوات؟
في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية شاملة حول تعريف الخصية المعلقة وآلية حدوثها، وأبرز أعراضها وعلاماتها، وأسبابها وعوامل خطرها، ولماذا يجب علاجها مبكراً، وطرق تشخيصها، وخيارات علاجها، وتأثيرها على الخصوبة والتستوستيرون على المدى البعيد.
ولمن أراد فهم وظيفة الخصية نفسها بعمق أكبر قبل الخوض في تفاصيل عدم نزولها إلى كيس الصفن، بما في ذلك كيفية إنتاجها للتستوستيرون والحيوانات المنوية ولماذا قد يتأثر إنتاج أحدهما دون الآخر، يمكن الرجوع إلى مقال: الخصيتان عند الرجال: ما وظائفهما ودورهما في التستوستيرون والخصوبة؟
أولاً: ما هي الخصية المعلقة؟
قبل الخوض في أعراض الخصية المعلقة وأسبابها، لا بد من فهم الرحلة الطبيعية التي تسلكها الخصية أثناء التطور الجنيني، أي خلال مراحل نمو الجنين وتكوّن أعضائه داخل الرحم، لأن فهم هذه الرحلة هو ما يوضح بالضبط أين ولماذا قد تتوقف الخصية قبل وصولها إلى موضعها الطبيعي.
فالخصيتان تتكوّنان في الأصل داخل بطن الجنين الذكر، لا داخل كيس الصفن مباشرة. ومع تقدم الحمل، تبدأ كل خصية رحلة نزول تدريجية من موضعها الأصلي داخل البطن، مروراً بالقناة الأربية، وهي ممر ضيق في الجزء السفلي من جدار البطن تعبر من خلاله الخصية في طريقها إلى كيس الصفن، وصولاً إلى موضعها النهائي داخل كيس الصفن، وهو الكيس الجلدي الذي يحتوي على الخصيتين خارج تجويف الجسم. وتحدث هذه الرحلة على مرحلتين متتاليتين، ويُفترض أن تكتمل عادة قبل الأسبوع الخامس والثلاثين من الحمل تقريباً.
وفي حالة الخصية المعلقة، تتوقف هذه الرحلة قبل اكتمالها، فتبقى الخصية إما داخل البطن، أو في مكان ما داخل القناة الأربية، أو بالقرب من فتحة القناة الأربية المؤدية إلى كيس الصفن، دون أن تصل الخصية بالكامل إلى قاعه. وبحسب موضع توقفها، تُصنّف الحالة إلى عدة درجات: خصية داخل البطن، وهي غير قابلة للتحسس باليد، وخصية داخل القناة الأربية، وقد تكون قابلة للتحسس أحياناً، وخصية فوق كيس الصفن مباشرة أو في أعلاه، وهي الأقرب إلى موضعها الطبيعي والأسهل تحسساً.
رأي أطلس الرجل الصحي: الفكرة الأساسية التي يجب أن يدركها والدا الطفل أو الرجل البالغ المصاب بهذه الحالة هي أن موضع توقف الخصية ليس تفصيلاً شكلياً فقط، بل عامل يؤثر مباشرة في صعوبة العلاج ودرجة الخطورة المرتبطة بالحالة؛ فكلما كانت الخصية أبعد عن كيس الصفن، زادت التعقيدات المحتملة، كما سيتضح في الأقسام القادمة.
ثانياً: أعراض وعلامات الخصية المعلقة
بعد فهم كيفية توقف نزول الخصية، يصبح من المهم معرفة العلامات التي تساعد على اكتشاف هذه الحالة، سواء لدى الأطفال حديثي الولادة أو في مراحل عمرية لاحقة. وفيما يلي أبرز هذه العلامات:
غياب الخصية من كيس الصفن
العلامة الأساسية والأكثر وضوحاً هي عدم وجود إحدى الخصيتين أو كلتيهما في موضعهما الطبيعي داخل كيس الصفن عند الفحص أو اللمس. وهذا لا يعني بالضرورة أن الخصية غير موجودة في الجسم، بل قد تكون موجودة لكنها لم تصل إلى موضعها الطبيعي داخل كيس الصفن. وقد يبدو كيس الصفن من الجهة المصابة أصغر حجماً أو أكثر تسطحاً مقارنة بالجهة السليمة، نظراً لغياب الخصية التي تمنحه شكله وحجمه المعتاد.
كيف تُكتشف عند حديثي الولادة
يُعد الفحص السريري الروتيني الذي يجريه طبيب الأطفال بعد الولادة مباشرة هو الوسيلة الأساسية لاكتشاف هذه الحالة مبكراً؛ إذ يتحسس الطبيب كيس الصفن بحثاً عن الخصيتين، ويُسجل غياب إحداهما أو كلتيهما كحالة تستدعي المتابعة. ومن المهم الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من حالات الخصية المعلقة عند الولادة، تصل إلى نحو 70% بحسب بعض الدراسات، تشهد نزولاً تلقائياً للخصية إلى كيس الصفن خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة الأولى من العمر، بسبب الارتفاع الطبيعي في مستوى الهرمونات التي تساعد على نزول الخصية خلال هذه الفترة. ( المصدر: PMC )
الفرق بين الخصية المعلقة والخصية المرتدة
من الأخطاء الشائعة الخلط بين الخصية المعلقة والخصية المرتدة (Retractile Testis)، وهما حالتان مختلفتان رغم أنهما قد تبدوان متشابهتين عند النظر. فالخصية المرتدة هي خصية نزلت بشكل طبيعي وكامل إلى كيس الصفن، لكنها ترتفع منه مؤقتاً بسبب انقباض العضلة الرافعة للخصية (Cremaster muscle)، وهي العضلة التي تسحب الخصية إلى أعلى استجابة لعوامل مثل البرودة أو اللمس أو التوتر. ثم تعود الخصية إلى موضعها الطبيعي من تلقاء نفسها عند الاسترخاء أو الشعور بالدفء. وبخلاف الخصية المعلقة، لا تحتاج الخصية المرتدة عادة إلى تدخل جراحي، ويمكن للطبيب تمييزها أثناء الفحص السريري بإنزالها باليد إلى كيس الصفن، ثم ملاحظة ما إذا كانت تبقى فيه لبعض الوقت أم ترتفع فوراً من جديد.
علامات لدى المراهقين والبالغين
في حالات أقل شيوعاً، قد لا تُكتشف الخصية المعلقة إلا في مرحلة متأخرة من العمر، سواء لأن الفحص الأول بعد الولادة لم يكشفها بدقة، أو لأن الخصية ارتفعت لاحقاً بعدما كانت موجودة في موضعها الطبيعي داخل كيس الصفن، فيما يُعرف بالخصية المعلقة المكتسبة. وقد يحدث هذا الارتفاع تدريجياً لسبب غير معروف تماماً. وفي هذه الحالات، قد يلاحظ المراهق أو الرجل البالغ غياب إحدى الخصيتين عن كيس الصفن أثناء فحص نفسه أو الاستحمام، دون وجود أعراض أخرى عادة، إلا إذا حدثت مشكلة مثل التواء الخصية، وهو التفاف الخصية بطريقة تمنع وصول الدم إليها، أو ظهور ألم بسبب موضعها غير الطبيعي.
وبما أن هذه الأنواع الثلاثة قد تبدو متشابهة عند الملاحظة الأولى رغم اختلافها الجوهري في السبب والمآل، يوضح الجدول التالي أبرز الفروقات العملية بينها:
جدول: الفرق بين الخصية المعلقة والمرتدة والمكتسبة
| المعيار | الخصية المعلقة (خلقية) | الخصية المرتدة | الخصية المعلقة المكتسبة |
|---|---|---|---|
| التوقيت | موجودة منذ الولادة | موجودة منذ الولادة لكن تظهر لاحقاً | تكون طبيعية أولاً ثم تعلّق لاحقاً |
| السبب | توقف نزول الخصية إلى كيس الصفن أثناء نمو الجنين | انقباض مفرط للعضلة الرافعة للخصية | ارتفاع تدريجي غير واضح السبب بعد نزول طبيعي |
| هل يمكن إرجاعها يدوياً لكيس الصفن؟ | لا، أو بصعوبة شديدة ومؤقتة | نعم، وتبقى في مكانها بعد الإرجاع | لا، أو بصعوبة |
| هل تعود من تلقاء نفسها؟ | نادراً بعد عمر 6 أشهر | نعم، تنزل تلقائياً عند الاسترخاء أو الدفء | لا |
| الحاجة للعلاج | جراحة غالباً (تثبيت الخصية) | لا تحتاج علاجاً عادة، متابعة فقط | تقييم ومتابعة، وقد تحتاج جراحة |
| متى تُكتشف عادة | عند الفحص الروتيني لحديثي الولادة | في الطفولة المتأخرة أو المراهقة | في الطفولة المتأخرة أو المراهقة |
رأي أطلس الرجل الصحي: أهم نقطة عملية هنا هي عدم الخلط بين هذه الحالات الثلاث، لأن هذا الخلط قد يؤدي إما لقلق غير ضروري حيال حالة لا تحتاج علاجاً كالخصية المرتدة، أو الأخطر، إهمال حالة فعلية تحتاج تدخلاً مبكراً ظناً أنها مجرد “ارتداد” سيزول من تلقاء نفسه. والمعيار الأهم عملياً للتفريق هو “هل تعود الخصية لموضعها من تلقاء نفسها أم لا”؛ فالخصية المرتدة وحدها هي التي تملك هذه الخاصية، بينما تحتاج الحالتان الأخريان تقييماً طبياً وغالباً تدخلاً جراحياً. والفيصل الحقيقي في كل الأحوال يبقى الفحص الطبي المباشر، لا الملاحظة المنزلية وحدها.
ثالثاً: أسباب وعوامل خطر الخصية المعلقة
بعد فهم كيف تُكتشف هذه الحالة، يصبح من الطبيعي السؤال: ما الذي يسبب توقف نزول الخصية أصلاً؟ ورغم أن السبب الدقيق يبقى غير محدد تماماً في كثير من الحالات، فقد حددت الدراسات عدة عوامل ترفع احتمالية حدوثها بشكل واضح.
الخداج (الولادة المبكرة)
يُعد الخداج، أي الولادة قبل اكتمال فترة الحمل الطبيعية، من أقوى عوامل الخطر المرتبطة بالخصية المعلقة؛ فبما أن نزول الخصية إلى كيس الصفن يكتمل عادة قرب نهاية الحمل، فقد يولد الطفل قبل اكتمال هذا النزول. وهذا يفسر ارتفاع نسبة حدوث الخصية المعلقة بشكل ملحوظ لدى الأطفال الخُدّج مقارنة بالأطفال الذين وُلدوا بعد إتمام مدة الحمل الطبيعية. المصدر: PMC)
عوامل وراثية وعائلية
تلعب الوراثة دوراً واضحاً في زيادة احتمال الإصابة؛ فقد وجدت دراسة أن خطر الإصابة بالخصية المعلقة يرتفع إلى ما يقارب أربعة أضعاف لدى الأطفال الذين لديهم أخ أكبر أُصيب بالحالة نفسها من قبل. ويشير ذلك إلى وجود عوامل وراثية تنتقل داخل العائلة، حتى لو لم يُحدّد جين واحد مسؤول عن جميع الحالات، والجين هو جزء من المادة الوراثية يحمل تعليمات تؤثر في نمو الجسم ووظائفه. ( المصدر: Wiley )
عوامل مرتبطة بالحمل والأم
ترتبط عدة عوامل تتعلق بصحة الأم والحمل بزيادة احتمال حدوث الخصية المعلقة، أبرزها انخفاض وزن الطفل عند الولادة، وصغر حجمه مقارنة بما هو متوقع في تلك المرحلة من الحمل، والوضعية المقعدية، أي أن تكون مؤخرة الجنين أو قدماه باتجاه قناة الولادة بدلاً من رأسه. كما وجدت مراجعة تحليلية شاملة، وهي دراسة تجمع نتائج عدة دراسات سابقة وتحللها معاً، أن تدخين الأم أثناء الحمل يرتبط بزيادة طفيفة في خطر الإصابة، لكنها زيادة واضحة عند تحليل النتائج إحصائياً. ووجدت كذلك ارتباطاً بين إصابة الأم بداء السكري أثناء الحمل وزيادة الخطر، بينما لم يظهر ارتباط واضح مع شرب الكحول أو زيادة وزن الأم قبل الحمل. ( المصدر: PMC )
اضطرابات هرمونية أثناء الحمل
بما أن نزول الخصية يعتمد بشكل أساسي على هرمونات ترسل إشارات تساعدها على التحرك نحو كيس الصفن أثناء الحمل، فإن أي اضطراب يؤثر في إفراز هذه الهرمونات أو استجابة الجسم لها قد يعطل عملية النزول الطبيعية. ويشمل ذلك بعض المتلازمات الوراثية النادرة، أي مجموعة من الأعراض والمشكلات التي تنتج عن تغيرات في المادة الوراثية، والتي تصاحبها اضطرابات هرمونية معروفة. لكن الغالبية العظمى من حالات الخصية المعلقة تحدث وحدها، دون وجود متلازمة أو اضطراب هرموني واضح مصاحب لها.
رأي أطلس الرجل الصحي: أهم ما يجب أن يدركه أي أب حيال هذه العوامل هو أنها عوامل خطر ترفع الاحتمالية إحصائياً، لا أسباباً مؤكدة أو حتمية؛ فكثير من الأطفال المولودين بأحد هذه العوامل لا يصابون بالخصية المعلقة إطلاقاً، بينما قد تحدث الحالة أحياناً دون وجود أي عامل خطر واضح على الإطلاق.
رابعاً: لماذا يجب علاجها مبكراً؟
بعد استعراض أسباب الخصية المعلقة، يبقى السؤال الأكثر أهمية عملياً: لماذا يُصر الأطباء على التدخل خلال فترة زمنية محددة نسبياً، بدلاً من الانتظار لسنوات أطول؟
تكمن الإجابة في حساسية الخلايا المسؤولة عن إنتاج الحيوانات المنوية لدرجة الحرارة. فالخصية هي العضو المسؤول عن إنتاج الحيوانات المنوية التي يحتاج إليها الرجل للإنجاب، وتحتاج إلى بيئة أبرد بعدة درجات من داخل الجسم حتى تنمو وتعمل بكفاءة، وهذا هو سبب وجودها داخل كيس الصفن خارج تجويف الجسم. وعندما تبقى الخصية المعلقة داخل البطن أو القناة الأربية، فإنها تتعرض باستمرار لحرارة أعلى من الحرارة المناسبة لها.
فأولاً، قد يؤدي استمرار التعرض لهذه الحرارة إلى تضرر الخلايا الأولية التي تنمو وتتطور لاحقاً لتنتج الحيوانات المنوية، مما قد يؤثر في الخصوبة مستقبلاً. وثانياً، تشير الدراسات التي فحصت أنسجة الخصية تحت المجهر إلى أن عدد هذه الخلايا يبدأ بالتراجع خلال السنة الأولى من العمر، وقد يزداد الضرر كلما تأخر العلاج. كما قد تحدث تغيرات تدريجية في نسيج الخصية، من بينها التليّف، أي تكوّن نسيج صلب لا يؤدي وظيفة الخلايا الطبيعية.
وثالثاً، وهي النقطة الأكثر أهمية من الناحية الوقائية، ترتبط الخصية المعلقة التي لم تُعالج بزيادة خطر الإصابة بسرطان الخصية لاحقاً في الحياة. وتشير بيانات حديثة إلى أن كل ستة أشهر إضافية من التأخير في إجراء الجراحة ارتبطت بزيادة نسبية تقارب 6% في خطر الإصابة بورم خبيث في الخصية مستقبلاً. ( المصدر: PMC )
رأي أطلس الرجل الصحي: بمعنى آخر، الخصية المعلقة ليست مشكلة في الشكل أو موضع الخصية فقط، بل حالة قد يزداد فيها الضرر كلما طال بقاؤها خارج كيس الصفن. وهذا هو السبب الذي يجعل توقيت العلاج، لا مجرد إجرائه في وقت ما، عاملاً مهماً في حماية الخصوبة وتقليل خطر السرطان مستقبلاً.
خامساً: كيف تُشخَّص الخصية المعلقة؟
بعد فهم أهمية التوقيت في العلاج، ينتقل السؤال إلى الجانب العملي: كيف يتم تأكيد التشخيص وتحديد موضع الخصية بدقة؟
يعتمد التشخيص بشكل أساسي على الفحص السريري المباشر باليد، حيث يتحسس الطبيب بعناية كيس الصفن والقناة الأربية المذكورة سابقاً، لتحديد ما إذا كان يمكن تحسس الخصية في مكان ما على طريق نزولها الطبيعي، أو لا يمكن تحسسها إطلاقاً. وفي الحالة الثانية، قد تكون الخصية داخل البطن، أو صغيرة جداً، أو غير موجودة من الأساس. ويُعد هذا الفحص كافياً في الغالبية العظمى من الحالات لتحديد وجود الخصية المعلقة وموقعها التقريبي، دون الحاجة إلى فحوصات تصوير إضافية.
ومن النقاط المهمة التي تنص عليها الإرشادات الطبية الحديثة أن التصوير بالموجات فوق الصوتية أو غيره من وسائل التصوير لا يُنصح به عادة كخطوة ثابتة في تشخيص الخصية المعلقة؛ إذ لا تقدم هذه الفحوصات معلومات أدق من الفحص المباشر، ولا تغيّر قرار العلاج النهائي في أغلب الحالات. فالخصية التي لا يمكن تحسسها تحتاج في النهاية إلى تقييم جراحي مباشر، أي أن يبحث عنها الجرّاح أثناء العملية، وغالباً باستخدام منظار البطن، وهو كاميرا صغيرة تُدخل عبر فتحة صغيرة في البطن لتحديد موضع الخصية وتقييم حالتها بدقة، بغض النظر عن نتيجة أي تصوير سابق. (المصدر: CEP)
وتنص الإرشادات أيضاً على ضرورة إحالة أي طفل تبقى خصيته غير نازلة عند بلوغه ستة أشهر من العمر إلى طبيب متخصص في المسالك البولية، وينطبق ذلك أيضاً على الطفل الذي تُكتشف لديه الحالة لأول مرة بعد هذا العمر. وتهدف هذه الإحالة إلى تقييم الحالة والتخطيط للعلاج دون الانتظار مدة أطول على أمل أن تنزل الخصية من تلقاء نفسها.
رأي أطلس الرجل الصحي: النقطة العملية المهمة هنا هي أن عدم الحاجة إلى فحوصات تصوير معقدة لا يعني أن الحالة غير جدية؛ فالفحص السريري البسيط والسريع يساعد على إحالة الطفل إلى الطبيب المختص مبكراً، وهذا هو العامل الأهم في نجاح العلاج كما أوضحنا في القسم السابق.
سادساً: خيارات العلاج
بعد تأكيد التشخيص وتحديد موضع الخصية، ينتقل النقاش إلى المسار العلاجي المناسب، والذي يعتمد بشكل أساسي على عمر الطفل عند التشخيص وموضع الخصية.
المتابعة والانتظار المُراقَب
في الأشهر الأولى من العمر، وتحديداً حتى عمر ستة أشهر تقريباً، يكون النهج المتبع غالباً هو المتابعة والانتظار، لا التدخل الفوري؛ نظراً لأن نسبة معتبرة من الحالات، كما أوضحنا سابقاً، تشهد نزولاً تلقائياً للخصية خلال هذه الفترة بفعل التغيرات الهرمونية الطبيعية بعد الولادة. وتتضمن هذه المرحلة زيارات متابعة دورية للتأكد من عدم حدوث النزول التلقائي، تمهيداً للانتقال للخطوة التالية إذا لم يحدث.
العلاج الهرموني
يُستخدم العلاج الهرموني أحياناً لمحاولة تحفيز نزول الخصية دون جراحة، وعادة يكون باستخدام موجهة الغدد التناسلية المشيمية البشرية (hCG)، وهو هرمون يُعرف بدوره أثناء الحمل، لكنه يعمل لدى الذكور بطريقة تشبه هرمون LH الذي يحفّز الخصية على إنتاج التستوستيرون. وقد يُستخدم أحياناً الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية (GnRH)، وهو هرمون يفرزه الدماغ ويحفّز الجسم على إطلاق هرمونات تنشّط عمل الخصية.
لكن الإرشادات الطبية الحديثة تشير إلى أن نجاح العلاج الهرموني في إنزال الخصية أقل بكثير وأقل ثباتاً من الجراحة، لذلك لا توصي الجمعية الأوروبية للمسالك البولية باستخدامه وحده بهدف إنزال الخصية. وقد يُنظر في استخدامه في بعض الحالات المحددة، مثل وجود الخصية المعلقة في كلتا الخصيتين، بهدف دعم الخصوبة المستقبلية، لكن الأدلة على فائدته لا تزال محدودة، ويقرر الطبيب المختص مدى ملاءمته لكل حالة. (المصدر: PMC)
الجراحة: تثبيت الخصية (Orchiopexy)
تُعد الجراحة، المعروفة باسم تثبيت الخصية (Orchiopexy)، العلاج الأساسي والأكثر فعالية للخصية المعلقة. ويفصل الجراح خلالها الخصية بعناية عن الأنسجة المحيطة التي تمنع نزولها، مع الحفاظ على الأوعية الدموية التي تمدها بالدم، والأسهر، وهو الأنبوب الذي ينقل الحيوانات المنوية منها. ثم يُنزل الخصية ويثبّتها داخل كيس الصفن بغرز جراحية تمنعها من الارتفاع مرة أخرى. وتختلف صعوبة الجراحة بحسب موضع الخصية الأصلي؛ فالخصية القريبة من كيس الصفن أسهل في إنزالها وتثبيتها، بينما قد تحتاج الخصية الموجودة داخل البطن إلى جراحة أكثر تعقيداً، وقد تُجرى باستخدام المنظار، وهو كاميرا صغيرة وأدوات جراحية تدخل عبر فتحات صغيرة في البطن.
وتتفق الإرشادات الطبية الدولية الحديثة، بما فيها إرشادات الجمعية الأمريكية للمسالك البولية والجمعية الأوروبية للمسالك البولية، على إجراء الجراحة بعد الشهر السادس وخلال مدة لا تتجاوز الشهر الثامن عشر من عمر الطفل. ويهدف العلاج المبكر إلى تقليل الضرر التدريجي الذي قد يصيب نسيج الخصية والحفاظ على فرص الخصوبة مستقبلاً، كما يرتبط بإمكانية خفض خطر الإصابة بسرطان الخصية مقارنة بتأخير العلاج إلى عمر أكبر، كما أوضحنا في القسم الرابع. ( المصدر: PMC )
ماذا لو اكتُشفت الحالة متأخرة عند مراهق أو بالغ؟
في الحالات التي تُكتشف فيها الخصية المعلقة متأخرة، سواء لدى مراهق أو رجل بالغ، يعتمد الاختيار بين تثبيت الخصية واستئصالها على موضعها وحجمها وحالتها، وعلى سلامة الخصية الأخرى. فإذا قرر الطبيب تثبيتها، لا يكون الهدف مقتصراً على الحفاظ على الخصوبة، التي قد تكون تأثرت بسبب تأخر العلاج، بل يشمل أيضاً وضع الخصية داخل كيس الصفن لتسهيل فحصها وملاحظة أي تغير قد يرتبط بسرطان الخصية، إلى جانب تقليل خطر حدوث مضاعفات أخرى مثل التواء الخصية.
أما إذا كانت الخصية شديدة الضمور، أي صغيرة ومتضررة بدرجة كبيرة، أو لا تؤدي وظيفتها، فقد يُنصح باستئصالها بدلاً من تثبيتها، خاصة إذا كانت الخصية الأخرى سليمة، وذلك بحسب تقييم الطبيب المختص لكل حالة.
رأي أطلس الرجل الصحي: الرسالة العملية المهمة في هذا القسم هي أن الجراحة، حتى في الحالات المتأخرة، تبقى ذات قيمة حقيقية ولا ينبغي اعتبارها “متأخرة جداً” لدرجة عدم الجدوى؛ فحتى لو تضررت الخصوبة بدرجة ما، تبقى فوائد المراقبة والوقاية من مضاعفات أخرى قائمة وتستحق الإجراء.
اقرأ أيضاً: hCG للرجال: الاستخدامات، الفوائد، الأضرار، وتأثيره على التستوستيرون والخصوبة
سابعاً: تأثيرها على الخصوبة والتستوستيرون على المدى البعيد
بعد استعراض خيارات العلاج، يبقى السؤال الذي يشغل بال أي رجل أُصيب بهذه الحالة في طفولته: كيف تؤثر الخصية المعلقة فعلياً في خصوبته وهرموناته عندما يكبر؟
بالنسبة للخصوبة، ترتبط الخصية المعلقة، خاصة إذا لم تُعالج أو عولجت متأخراً، بزيادة خطر ضعف الخصوبة مستقبلاً. ويكون هذا الخطر أعلى بشكل ملحوظ عندما تكون الخصيتان معاً معلقتين، مقارنة بوجود الحالة في خصية واحدة فقط مع سلامة الأخرى. ويعود ذلك إلى أن الخصية السليمة قد تنتج كمية كافية من الحيوانات المنوية والهرمونات لتعويض جزء كبير من وظيفة الخصية المصابة، بينما لا توجد خصية سليمة تقوم بهذا الدور عندما تكون الخصيتان معاً معلقتين.
أما بالنسبة للتستوستيرون، فالعلاقة أقل وضوحاً وتختلف نتائجها بين الدراسات؛ فغالباً ما يبقى إنتاجه طبيعياً عند إصابة خصية واحدة فقط، خاصة إذا كانت الخصية الأخرى سليمة. أما عند إصابة الخصيتين معاً، فقد يكون خطر تأثر إنتاج التستوستيرون أعلى. ولم تجد بعض الدراسات ارتباطاً واضحاً بين توقيت الجراحة ومستوى التستوستيرون أو نتائج تحليل السائل المنوي عند البلوغ، بينما تشير دراسات أخرى إلى احتمال تراجع وظيفة الخصية مع الوقت لدى بعض المصابين، خاصة عند وجود متلازمات وراثية مصاحبة. ( المصدر: PubMed )
وبغض النظر عن درجة التأثر، يجب توعية أي رجل لديه تاريخ من الخصية المعلقة، سواء عولجت مبكراً أو متأخراً، بأهمية فحص الخصيتين دورياً بعد البلوغ ومراجعة الطبيب عند ملاحظة أي كتلة أو تغير غير طبيعي. فالخصية المعلقة ترتبط بزيادة خطر سرطان الخصية على المدى البعيد، وقد يبقى هذا الخطر أعلى من المعتاد حتى بعد نجاح الجراحة.
رأي أطلس الرجل الصحي: أهم ما يجب أن يدركه أي رجل لديه هذا التاريخ المرضي هو أن نجاح جراحة التثبيت لا يعني بالضرورة انتهاء القصة؛ فالمتابعة الدورية والفحص الذاتي يبقيان ضروريين مدى الحياة تقريباً، لا لفترة محدودة بعد الجراحة فقط.
متى تراجع الطبيب؟
- إذا لاحظت غياب إحدى خصيتي طفلك أو كلتيهما عن كيس الصفن بعد الولادة، أو عدم استقرار نزولها بحلول عمر ستة أشهر.
- إذا لاحظت أنت كرجل بالغ أو مراهق غياب إحدى خصيتيك عن كيس الصفن، دون تاريخ معروف لتشخيص أو علاج سابق.
- إذا كان لديك تاريخ مرضي بالخصية المعلقة في الطفولة، ولاحظت أي ألم مفاجئ أو تورم في المنطقة، لاحتمال التواء الخصية.
- إذا كان لديك تاريخ سابق بالخصية المعلقة، وتخطط للإنجاب أو تواجه صعوبة فيه.
- إذا لاحظت أي كتلة أو تغيّر جديد في قوام الخصية غير المُصححة أو المُصححة سابقاً، لضرورة استبعاد أي تغيّر مرتبط بخطر السرطان المذكور سابقاً.
كيف تبدأ مع طبيبك؟
يفيد تحضير إجابات واضحة عن الأسئلة التالية قبل الزيارة: منذ متى لاحظت غياب الخصية أو عدم نزولها؟ هل هناك تاريخ عائلي لحالات مشابهة، كإصابة أخ أكبر بالحالة نفسها؟ هل كانت الولادة مبكرة أو مصحوبة بأي مضاعفات؟ وإذا كانت الحالة قد عولجت سابقاً، في أي عمر تحديداً أُجريت الجراحة، وهل كانت في خصية واحدة أم كلتيهما؟
وغالباً ما يبدأ التقييم بفحص سريري مباشر لتحديد موضع الخصية، وقد يُضاف تقييم هرموني أو تحليل للسائل المنوي لدى البالغين إذا كان القلق متعلقاً بالخصوبة تحديداً.
الخلاصة العلمية
الخصية المعلقة حالة خِلقية شائعة، أي يولد بها الطفل، وتحدث عندما تتوقف الخصية عن النزول من داخل البطن قبل وصولها إلى موضعها الطبيعي داخل كيس الصفن. وتصيب ما بين 1% و9% من المواليد الذكور، وتكون أكثر شيوعاً لدى الأطفال الخُدّج. وتنزل الخصية من تلقاء نفسها خلال الأشهر الأولى من العمر لدى نسبة كبيرة من الحالات، لكن استمرارها خارج كيس الصفن بعد الشهر السادس يستدعي إحالة الطفل إلى الطبيب المختص والتخطيط للعلاج دون تأخير؛ لأن بقاءها في موضعها غير الطبيعي مدة أطول قد يزيد الضرر الذي يصيب أنسجتها، ويرفع خطر ضعف الخصوبة وسرطان الخصية لاحقاً.
والعلاج الأساسي هو الجراحة، ويُنصح بإجرائها بين الشهر السادس والثامن عشر من العمر، بينما يبقى العلاج الهرموني محدود الفعالية وقليل الاستخدام. وحتى عند اكتشاف الحالة متأخراً لدى المراهقين أو البالغين، يبقى العلاج الجراحي مهماً، سواء لتثبيت الخصية أو استئصالها بحسب حالتها، إلى جانب فحصها دورياً بعد البلوغ.
رأي أطلس الرجل الصحي الختامي: أهم ما يجب أن يدركه والدا الطفل أو الرجل المصاب بهذه الحالة هو أن الخصية المعلقة ليست مجرد اختلاف بسيط في موضع الخصية يمكن تأجيل علاجه، بل حالة قد يزداد فيها الضرر كلما طال بقاؤها خارج كيس الصفن. وقد يمنح العلاج في الوقت المناسب الخصية فرصة أفضل للحفاظ على وظيفتها ويدعم الخصوبة مستقبلاً، إلى جانب تقليل بعض المخاطر الصحية على المدى البعيد.

الأسئلة الشائعة ❓
هل يمكن أن تنزل الخصية المعلقة من تلقاء نفسها بعد عمر السنة؟
نادراً جداً؛ فالغالبية العظمى من حالات النزول التلقائي تحدث خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة الأولى من العمر، وأي حالة تستمر بعد ذلك تحتاج تقييماً جراحياً ولا يُنصح بالانتظار أكثر.
هل الخصية المعلقة مؤلمة؟
ليست مؤلمة بحد ذاتها عادة، ما لم تتطور مضاعفة كالتواء الخصية، الذي يكون خطره أعلى نسبياً في حالة الخصية غير المُثبَّتة في موضعها الطبيعي.
هل يمكن أن تصيب الخصية المعلقة خصية واحدة فقط؟
نعم، وهذا هو الشكل الأكثر شيوعاً، وتكون فرصة الحفاظ على الخصوبة فيه أفضل بكثير مقارنة بوجود الخصية المعلقة في كلتا الجهتين؛ لأن الخصية الأخرى السليمة قد تنتج كمية كافية من الحيوانات المنوية.
هل تحتاج الخصية المعلقة إلى تصوير بالسونار للتشخيص؟
غالباً لا؛ فالفحص السريري المباشر كافٍ في أغلب الحالات، ولا يُغيّر التصوير القرار العلاجي النهائي بشكل يُذكر.
هل يمكن الوقاية من الخصية المعلقة؟
ليس بشكل مباشر، لأن السبب الدقيق غير محدد في كثير من الحالات، لكن تجنب عوامل الخطر المعروفة أثناء الحمل، كالتدخين، قد يقلل الاحتمالية بدرجة طفيفة.
إخلاء المسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال ذات طابع تثقيفي بحت ولا تُغني عن استشارة الطبيب المختص. عند ملاحظة أي غياب أو تغيّر يخص موضع الخصية، يُنصح بمراجعة طبيب مختص لتقييم الحالة وتحديد العلاج المناسب في الوقت المناسب.
مقالات قد تهمك:
- ألم الخصيتين عند الرجال: ما أسبابه ومتى يكون علامة على مشكلة؟
- الخصيتان عند الرجال: ما وظائفهما ودورهما في التستوستيرون والخصوبة؟
- التواء الخصية عند الرجال: الأعراض والأسباب ولماذا يُعد حالة طارئة؟
- ضمور الخصية عند الرجال: الأسباب والعلاج وتأثيره على التستوستيرون والخصوبة
- حجم الخصيتين الطبيعي عند الرجال: متى يكون الاختلاف طبيعيًا ومتى يدل على مشكلة؟

