يفتح أحد الرجال علبة دواء جديد وصفه له طبيبه لعلاج الاكتئاب أو ضغط الدم أو حتى تساقط الشعر، ويبدأ بتناوله متوقعاً تحسن حالته الصحية. لكن بعد أسابيع قليلة، يلاحظ تغيراً لم يكن يتوقعه: رغبته الجنسية التي كانت طبيعية بدأت تنخفض تدريجياً، من دون تغير واضح في حياته أو علاقته.
قد يحدث ذلك لأن بعض الأدوية لا تؤثر في المرض المستهدف وحده، بل قد تؤثر أيضاً في المواد الكيميائية في الدماغ المرتبطة بالرغبة، أو في مستويات بعض الهرمونات، أو في الاستجابة الجسدية للنشاط الجنسي. لذلك قد يكون انخفاض الرغبة أثراً جانبياً للدواء نفسه، وليس بالضرورة علامة على مشكلة نفسية أو في العلاقة.
ولا يستدعي هذا الاحتمال القلق المفرط؛ إذ يمكن أن تتحسن الرغبة في كثير من الحالات بعد أن يحدد الطبيب الدواء المسؤول ويعدّل الجرعة أو وقت تناولها، أو يستبدله بدواء آخر عند الحاجة. ومن أبرز الأمثلة مضادات الاكتئاب المعروفة باسم مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، وهي أدوية ترفع مستوى السيروتونين في الدماغ للمساعدة على علاج الاكتئاب والقلق، لكنها قد تسبب لدى بعض المرضى آثاراً جنسية تشمل انخفاض الرغبة وصعوبة الوصول إلى النشوة أو تأخر القذف. ( المصدر: PMC )
والمفارقة هنا أن كثيراً من الرجال لا يربطون أبداً بين انخفاض رغبتهم الجنسية وبين الدواء الذي بدأوا بتناوله قبل فترة، فيظنون أن السبب يعود إلى التوتر النفسي، أو تقدم العمر، أو حتى مشكلة في العلاقة نفسها، بينما يكون السبب الحقيقي كيميائياً بحتاً، ناتجاً عن تدخل الدواء في مسارات دماغية أو هرمونية دقيقة مسؤولة عن الرغبة. فهل تعرف الأدوية التي تتناولها حالياً بانتظام، وهل فكرت يوماً أن أحدها قد يكون السبب وراء ما تشعر به؟
في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية شاملة حول الفئات الدوائية المختلفة التي قد تؤثر سلباً على الرغبة الجنسية، وآلية كل منها، ومدى شدة هذا التأثير.
أولاً: كيف تُضعف الأدوية الرغبة الجنسية أصلاً؟
قبل الدخول في تفاصيل كل فئة دوائية على حدة، من المهم فهم الآليات العامة التي تعتمد عليها معظم هذه الأدوية للتأثير في الرغبة، لأن هذا الفهم الأساسي سيجعل تفسير تأثير كل دواء لاحقاً أوضح بكثير.
فالرغبة الجنسية ليست شعوراً عشوائياً، بل نتيجة تفاعل معقد بين الدماغ والهرمونات، ويمكن تلخيص الطرق الرئيسية التي تتدخل بها الأدوية في هذا التفاعل بأربع آليات أساسية.
أولاً، التأثير على الدوبامين والسيروتونين:
الدوبامين ناقل عصبي، أي مادة كيميائية تنقل الإشارات بين الخلايا العصبية في الدماغ، ويُعرف بأنه “ناقل المكافأة والدافع”، إذ يرتفع مستواه في الدماغ عند توقع أو الشروع في نشاط ممتع، ومنها النشاط الجنسي، فيدفع الشخص نحو السعي للمتعة. أما السيروتونين، وهو ناقل عصبي آخر مسؤول أساساً عن تنظيم المزاج والنوم، فله تأثير معاكس غالباً على الرغبة، إذ يميل إلى تثبيطها عند ارتفاع مستواه بشكل كبير في مناطق معينة من الدماغ. لذلك فإن أي دواء يرفع مستوى السيروتونين المتاح، أو يُخفض نشاط الدوبامين، قد يُضعف الرغبة الجنسية بشكل ملحوظ.
ثانياً، خفض مستوى هرمون التستوستيرون:
التستوستيرون هو الهرمون الجنسي الذكري الرئيسي، ويشبه دوره بالنسبة للرغبة الجنسية دور “زر التشغيل” الذي يبقيها في حالة نشطة؛ فحين ينخفض مستواه بشكل واضح في الدم، يخفت هذا الزر تدريجياً، وتقل معه الأفكار والدوافع الجنسية التلقائية. وتستطيع بعض الأدوية خفض هذا الهرمون بطرق مختلفة تماماً: بعضها يُثبط محور الوطاء–الغدة النخامية–الخصية مباشرة، وهو النظام الهرموني الذي يربط الدماغ بالخصيتين وينظم إنتاج التستوستيرون بأكمله، وبعضها الآخر يتدخل في إنزيمات مسؤولة عن تصنيع الهرمون أو تكسيره داخل الجسم.
ثالثاً، رفع مستوى هرمون البرولاكتين:
البرولاكتين هرمون تفرزه الغدة النخامية، وهي غدة صغيرة بحجم حبة البازلاء تقع في قاعدة الدماغ وتتحكم في إفراز عدد كبير من الهرمونات بالجسم، وتشبه من حيث دورها “غرفة التحكم” التي تُصدر الأوامر لغدد أخرى. ووظيفة البرولاكتين الأساسية معروفة بارتباطها بإدرار الحليب لدى المرأة المرضعة، لكن ارتفاعه بشكل غير طبيعي لدى الرجل يُثبط بشكل مباشر إفراز الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية (GnRH) من الدماغ، وهو الهرمون الذي يُشغّل بدوره سلسلة إفراز هرمون التستوستيرون من الخصيتين. فحين يرتفع البرولاكتين، تنخفض هذه السلسلة الهرمونية كاملة، وتنخفض معها الرغبة الجنسية.
رابعاً، إبطاء نشاط الدماغ والجهاز العصبي:
لا تؤثر بعض الأدوية في هرمون أو مادة كيميائية واحدة بعينها، بل تُبطئ نشاط الجهاز العصبي المركزي، وهو الدماغ والنخاع الشوكي. وقد يسبب ذلك النعاس والخمول وتراجع الطاقة والاهتمام بالأنشطة المختلفة، بما فيها النشاط الجنسي، فتضعف الرغبة حتى من دون تأثير مباشر في الهرمونات.
وبناءً على هذه الآليات الأربع، تختلف الفئات الدوائية المذكورة في هذا المقال فيما بينها اختلافاً كبيراً؛ فبعضها يعتمد على آلية واحدة فقط، بينما تجمع أدوية أخرى بين أكثر من آلية في وقت واحد، مما يفسر لماذا يكون تأثير بعض الأدوية على الرغبة أقوى بكثير من غيرها.
اقرأ أيضاً:
- التستوستيرون: الدليل الطبي الشامل لفهم هرمون الذكورة
- هرمون البرولاكتين عند الرجل: كيف يؤثر على الرغبة الجنسية والانتصاب؟
ثانياً: مضادات الاكتئاب وتأثيرها على الرغبة
بعد أن فهمنا كيف يمكن لرفع السيروتونين أو خفض الدوبامين أن يُضعف الرغبة، يبقى السؤال: أي فئة دوائية شائعة تعتمد على هذه الآلية تحديداً بشكل مباشر؟ الإجابة هي مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وهي فئة دوائية تُستخدم أساساً لعلاج الاكتئاب واضطرابات القلق، وتشمل أدوية معروفة مثل الفلوكستين والباروكستين والسيرترالين والسيتالوبرام.
تعمل هذه الأدوية عبر منع إعادة امتصاص السيروتونين من المشبك العصبي، وهو نقطة الاتصال الدقيقة بين خليتين عصبيتين يُطلق عندها الناقل العصبي ليعبر إلى الخلية التالية، فيرتفع مستوى السيروتونين المتاح في الدماغ ويطول بقاؤه فعّالاً. وكما أوضحنا في القسم السابق، فإن هذا الارتفاع يُثبط الرغبة الجنسية، ويزداد الأمر سوءاً لأن بعض هذه الأدوية تُخفض في الوقت نفسه نشاط الدوبامين المسؤول عن الدافع الجنسي، فيجتمع ارتفاع السيروتونين مع انخفاض نشاط الدوبامين، مما قد يزيد تأثير الدواء في الرغبة.
وتشير الدراسات إلى أن فئة أخرى من مضادات الاكتئاب، تُسمى مثبطات استرداد السيروتونين والنورأدرينالين (SNRIs)، ترتبط أيضاً بحدوث آثار جانبية جنسية. ومن أمثلتها فينلافاكسين، وديسفينلافاكسين، ودولوكستين. وتعمل هذه الأدوية على زيادة مستوى السيروتونين والنورأدرينالين، وهو ناقل عصبي يساعد على تنظيم اليقظة والانتباه والمزاج، في الدماغ.
وقد تراوحت نسبة الرجال الذين ظهرت لديهم مشكلات جنسية خلال الأسابيع الأولى من العلاج بين 26% و57% في بعض الدراسات. وتشمل هذه المشكلات انخفاض الرغبة، أو صعوبة الانتصاب، أو تأخر القذف، أو صعوبة الوصول إلى النشوة. وبمعنى آخر، قد يلاحظ أكثر من رجل واحد من كل أربعة رجال يتناولون هذه الأدوية تغيراً في جانب واحد أو أكثر من وظيفتهم الجنسية خلال فترة قصيرة من بدء العلاج. ( المصدر: PMC )
ولا تتساوى جميع أدوية هذه الفئة في قوة تأثيرها الجنسي. فقد وجدت إحدى الدراسات أن الأدوية الأقوى في منع البروتين المسؤول عن إعادة امتصاص السيروتونين ارتبطت بارتفاع احتمال الإبلاغ عن انخفاض الرغبة الجنسية. وتشير هذه النتيجة إلى أن زيادة تأثير الدواء في نظام السيروتونين قد ترتبط بزيادة آثاره الجانبية الجنسية، لكنها لا تعني أن هذا العامل وحده يحدد ما سيحدث لكل مريض. ( المصدر: PMC )
وفي المقابل، يرتبط البوبروبيون (Bupropion)، وهو مضاد اكتئاب يزيد نشاط النورأدرينالين والدوبامين ولا يؤثر في السيروتونين بالطريقة نفسها، بآثار جانبية جنسية أقل مقارنةً بكثير من مضادات الاكتئاب المؤثرة في السيروتونين. كما أشارت بعض الدراسات إلى أنه قد يحسّن الرغبة أو بعض جوانب الوظيفة الجنسية لدى بعض المرضى، وخصوصاً عند استخدامها للتعامل مع الآثار الجنسية الناتجة عن مضادات اكتئاب أخرى. (المصدر: Harvard Health)
رأي أطلس الرجل الصحي: هذا التفاوت الكبير بين أدوية فئة مضادات الاكتئاب الواحدة يحمل رسالة عملية مهمة؛ فالمشكلة ليست في “مضادات الاكتئاب” ككل، بل في آلية عمل الدواء المحدد. وهذا يعني أن التحول إلى دواء آخر ضمن الفئة نفسها، أو إلى فئة مختلفة كلياً مثل البوبروبيون، قد يكون كافياً لتحسين الرغبة الجنسية دون التضحية بعلاج الاكتئاب، بشرط أن يتم ذلك دائماً بإشراف الطبيب المعالج ودون إيقاف الدواء من تلقاء النفس.
اقرأ أيضاً: أدوية الاكتئاب والضعف الجنسي عند الرجال: لماذا تحدث هذه المشاكل؟
ثالثاً: أدوية ضغط الدم وتأثيرها على الرغبة
وإذا كانت مضادات الاكتئاب تُضعف الرغبة عبر تعديل النواقل العصبية في الدماغ، فما الذي يجعل أدوية أخرى، لا علاقة لها بالمزاج أو الدماغ ظاهرياً، تُحدث الأثر نفسه؟ الإجابة تكمن في أدوية ضغط الدم، التي تُستخدم للسيطرة على ارتفاع ضغط الدم المزمن، وتضم عدة فئات دوائية مختلفة تماماً من حيث آلية العمل، وهو ما ينعكس على تفاوت واضح في تأثيرها على الرغبة الجنسية.
فحاصرات بيتا، وهي أدوية تُستخدم لعلاج ارتفاع ضغط الدم وبعض أمراض القلب، ومن أمثلتها البروبرانولول والميتوبرولول والأتينولول. وتعمل هذه الأدوية على تقليل تأثير الأدرينالين والنورأدرينالين، وهما مادتان يفرزهما الجسم في حالات التوتر والتأهب وتعملان على زيادة سرعة نبض القلب وقوة انقباضه.
وتُعد حاصرات بيتا من أكثر فئات أدوية الضغط ارتباطاً بضعف الرغبة الجنسية. وتتعدد الآليات المحتملة وراء ذلك؛ فبعضها يعبر الحاجز الدموي الدماغي، وهو غشاء وقائي يحمي الدماغ من المواد الضارة في الدم، لكنه يسمح أيضاً لبعض الأدوية بالوصول إليه، وقد يؤثر ذلك في نواقل عصبية مرتبطة بالمزاج والدافع، مثل السيروتونين والدوبامين. (المصدر: Biology Insights)
كما وجدت بعض الدراسات أن أنواعاً معينة من حاصرات بيتا قد تخفض مستوى التستوستيرون لدى بعض الرجال، وكان هذا التأثير أوضح مع بعض الأدوية القديمة، مثل البروبرانولول. لكن الأدلة المتاحة محدودة، ولا تعني أن جميع حاصرات بيتا تخفض التستوستيرون أو أن هذا الانخفاض هو السبب الرئيسي للمشكلات الجنسية لدى كل من يتناولها. ( المصدر: PubMed )
وقد تسبب حاصرات بيتا أيضاً التعب أو الخمول لدى بعض المرضى نتيجة إبطاء نبض القلب وتقليل استجابة الجسم للأدرينالين والنورأدرينالين. وقد يؤدي تراجع الطاقة والنشاط بدوره إلى انخفاض الاهتمام بالنشاط الجنسي، حتى من دون حدوث تغير واضح في مستوى التستوستيرون.
أما مدرات البول، فهي أدوية تساعد الكليتين على طرح مزيد من الماء والأملاح، مما يسهم في خفض ضغط الدم. ومن أمثلتها الهيدروكلوروثيازيد، وهو أحد مدرات البول المعروفة باسم الثيازيدات، والسبيرونولاكتون، وهو مدر للبول يحافظ على البوتاسيوم ويمنع تأثير الألدوستيرون، وهو هرمون يساعد الجسم على الاحتفاظ بالملح والماء.
وقد ترتبط بعض مدرات البول بمشكلات جنسية، لكن السبيرونولاكتون يتميز بآلية مختلفة؛ إذ يمتلك تأثيراً مضاداً للأندروجين، أي أنه يحد من تأثير الهرمونات الذكرية، مثل التستوستيرون، في أنسجة الجسم. كما قد يغيّر التوازن بين التستوستيرون والإستراديول، وهو الشكل الرئيسي من هرمون الإستروجين الموجود طبيعياً لدى الرجال أيضاً، بما يجعل تأثير الإستروجين أقوى نسبياً. وقد يؤدي ذلك لدى بعض الرجال إلى انخفاض الرغبة الجنسية أو ضعف الانتصاب أو تضخم الثدي. (المصدر: PubMed)
وفي المقابل، توجد فئات أخرى من أدوية ضغط الدم يكون تأثيرها في الوظيفة الجنسية محايداً غالباً. وتشمل مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (ACE inhibitors)، مثل الإينالابريل والليزينوبريل، وهي أدوية تخفض إنتاج الأنجيوتنسين الثاني، وهو مادة تسبب تضيق الأوعية الدموية وارتفاع الضغط.
وتشمل أيضاً حاصرات مستقبلات الأنجيوتنسين (ARBs)، مثل اللوسارتان والفالسارتان، وهي أدوية تمنع الأنجيوتنسين الثاني من إحداث تأثيره في الأوعية الدموية. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذه الفئة قد تحسن النشاط والوظيفة الجنسية لدى بعض الرجال المصابين بارتفاع ضغط الدم، لكن الأدلة لا تكفي للقول إنها تزيد الرغبة الجنسية تحديداً أو أنها تُستخدم لعلاج انخفاضها.( المصدر: PubMed )
رأي أطلس الرجل الصحي: يوضح هذا التفاوت الكبير بين فئات أدوية ضغط الدم أن الحل لا يكمن بالضرورة في تحمّل انخفاض الرغبة كـ”ثمن حتمي” لضبط الضغط. فإذا كان الرجل يتناول حاصر بيتا أو مدر بول من نوع سبيرونولاكتون ولاحظ انخفاضاً واضحاً في رغبته الجنسية، فالتحول لفئة أخرى مثل مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين أو حاصرات مستقبلات الأنجيوتنسين، بالتنسيق الكامل مع الطبيب المعالج، قد يحل المشكلة دون أي مساومة على السيطرة على ضغط الدم.
اقرأ أيضاً: أدوية ضغط الدم والأداء الجنسي عند الرجال: كيف تؤثر على الرغبة والانتصاب والقذف؟
رابعاً: مثبطات 5-ألفا ريدكتاز (علاجات تساقط الشعر وتضخم البروستاتا)
بعد الحديث عن أدوية ضغط الدم، التي قد تؤثر في الوظيفة الجنسية من خلال الدماغ والأعصاب أو من خلال الأوعية الدموية وتدفق الدم، ننتقل إلى فئة دوائية تؤثر مباشرة في أحد الهرمونات الذكرية. وهي مثبطات إنزيم 5-ألفا ريدكتاز، وأبرزها الفيناسترايد والدوتاسترايد.
تُستخدم هذه الأدوية لعلاج تضخم البروستاتا الحميد، كما يُستخدم الفيناسترايد بجرعة مختلفة لعلاج تساقط الشعر الوراثي لدى الرجال. والبروستاتا هي غدة صغيرة تقع أسفل المثانة وتحيط بجزء من مجرى البول، وتشارك في إنتاج بعض السوائل التي تدخل في تكوين السائل المنوي. أما تضخم البروستاتا الحميد، فهو زيادة غير سرطانية في حجمها تحدث غالباً مع التقدم في العمر، وقد تضغط على مجرى البول فتسبب ضعف اندفاع البول أو صعوبة التبول وكثرته.
وتعمل هذه الأدوية على تثبيط إنزيم 5-ألفا ريدكتاز، وهو بروتين يساعد على تحويل التستوستيرون إلى هرمون أقوى تأثيراً يُسمى ثنائي هيدروتستوستيرون (DHT). ويسهم هذا الهرمون في نمو البروستاتا، كما يؤدي دوراً رئيسياً في تساقط الشعر الوراثي لدى الرجال الذين لديهم استعداد جيني لذلك.
ويؤدي تثبيط هذا الإنزيم إلى خفض مستوى هرمون DHT، من دون أن يخفض التستوستيرون عادةً. وقد يرتبط هذا التغير لدى بعض الرجال بآثار جانبية جنسية، مثل انخفاض الرغبة أو ضعف الانتصاب أو تراجع كمية السائل المنوي، إلا أن هذه الآثار لا تحدث لدى جميع من يتناولون الدواء.
وقد جمع تحليل علمي نتائج 15 دراسة شملت نحو 4500 رجل استخدموا الفيناسترايد أو الدوتاسترايد لعلاج تساقط الشعر الوراثي. وقارنت هذه الدراسات الدواء الحقيقي بدواء وهمي، وهو علاج يشبه الدواء في شكله لكنه لا يحتوي على المادة الفعالة، حتى يتمكن الباحثون من معرفة ما إذا كانت الآثار المسجلة ناتجة عن الدواء نفسه. ووجد التحليل أن واحداً أو أكثر من الآثار الجانبية الجنسية ظهر لدى نحو 6 رجال من كل 100 استخدموا هذه الأدوية، مقارنةً بنحو 4 رجال من كل 100 تناولوا الدواء الوهمي. وشملت هذه الآثار انخفاض الرغبة وضعف الانتصاب وصعوبة القذف.
بمعنى عملي أوضح، إذا كان معدل انخفاض الرغبة لدى الرجال الذين لا يتناولون هذا الدواء هو 10 من كل 100 رجل، فإن هذا المعدل يرتفع إلى ما يقارب 15 من كل 100 رجل بين متناولي مثبطات 5-ألفا ريدكتاز.
( المصدر: Acta Dermato-Venereologica )
ومن اللافت أن هذا التأثير قد لا يكون مؤقتاً دائماً لدى جميع المرضى؛ إذ رصدت دراسة أُجريت على سجلات طبية واسعة أن خطر استمرار ضعف الانتصاب بعد التوقف عن الدواء يرتفع مع طول مدة استخدامه، خصوصاً لدى الرجال الأصغر سناً الذين يتناولون الفيناسترايد لفترات طويلة. ( المصدر: PMC )
كما وصفت مراجعة علمية أخرى هذه الظاهرة بأنها «آثار جانبية جنسية مستمرة» لدى فئة من المرضى، وشملت استمرار انخفاض الرغبة الجنسية إلى جانب ضعف الانتصاب والاكتئاب في بعض الحالات الموثقة. ( المصدر: PubMed )
رأي أطلس الرجل الصحي: الأدلة العلمية هنا تستوجب صيغة متوازنة؛ فليس كل من يتناول مثبطات 5-ألفا ريدكتاز سيُصاب بانخفاض في الرغبة الجنسية، والغالبية العظمى من المرضى يتحملون هذه الأدوية دون مشكلات تُذكر. لكن وجود فئة فرعية موثقة علمياً تعاني من آثار مستمرة حتى بعد التوقف عن الدواء يستدعي مناقشة صريحة ومسبقة مع الطبيب حول هذا الاحتمال، خصوصاً لدى الرجال الأصغر سناً الذين يفكرون باستخدامه لعلاج تساقط الشعر لفترات طويلة.
اقرأ أيضاً: أدوية تضخم البروستاتا والأداء الجنسي عند الرجال: كيف تؤثر على الرغبة والانتصاب والقذف؟
خامساً: المسكنات الأفيونية: كيف تُطفئ الألم وتُخفض الرغبة معاً؟
وعلى عكس الأدوية السابقة، قد تؤثر المسكنات الأفيونية في الرغبة من خلال خفض إنتاج التستوستيرون. وهي أدوية قوية تُستخدم لتخفيف الألم المتوسط إلى الشديد، مثل الألم بعد الجراحة أو آلام السرطان وبعض حالات الألم المزمن. ومن أمثلتها المورفين والأوكسيكودون والترامادول والميثادون.
ويظهر هذا التأثير بصورة أوضح عند استخدام الأفيونات بجرعات مرتفعة أو لفترات طويلة؛ إذ تتدخل في النظام الهرموني الذي ينظم إنتاج التستوستيرون. وتبدأ هذه العملية في الوطاء، وهو جزء من الدماغ يفرز هرموناً يُسمى الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية (GnRH). ويمكن اعتباره إشارة البداية التي يرسلها الدماغ إلى الغدة النخامية لبدء سلسلة إنتاج التستوستيرون.
تُضعف الأفيونات إفراز هذا الهرمون، فتصل إشارة أضعف إلى الغدة النخامية، وهي غدة صغيرة تقع أسفل الدماغ. ونتيجة لذلك، ينخفض إفراز الهرمونات التي تحفز الخصيتين، فيقل إنتاج التستوستيرون وقد تنخفض الرغبة الجنسية. ويُطلق على هذه الحالة اسم “نقص الهرمونات الذكرية المرتبط باستخدام الأفيونات”.
وتشير مراجعات علمية حديثة إلى أن نسبة انتشار هذه الحالة بين الرجال الذين يستخدمون الأفيونات لفترات طويلة تتراوح بين 20% و80%، بحسب نوع الدواء المستخدم ومدة الاستخدام وعمر المريض. ( المصدر: PubMed )
بمعنى آخر، قد يُصاب ما يصل إلى ثلاثة أرباع الرجال الذين يستخدمون هذه الأدوية بشكل مزمن بدرجة ما من نقص التستوستيرون، الذي ينعكس مباشرة على شكل انخفاض في الرغبة الجنسية، إلى جانب أعراض أخرى مثل التعب العام وضعف الانتصاب.
ومن المهم التنويه إلى أن هذا التأثير لا يتساوى بين جميع الأفيونات. فقد ارتبط الميثادون بصورة واضحة بانخفاض التستوستيرون، وخصوصاً عند استخدامه بجرعات مرتفعة أو لفترات طويلة. ويعود ذلك جزئياً إلى كونه دواءً طويل المفعول، مما قد يجعل تأثيره المثبط في النظام الهرموني المسؤول عن إنتاج التستوستيرون أطول مقارنة ببعض الأفيونات الأخرى. (المصدر: Wiley)
ومن الجدير بالذكر أن هذا النقص الهرموني قابل للعلاج في كثير من الحالات؛ إذ أظهرت تجارب سريرية أن العلاج التعويضي بالتستوستيرون لدى الرجال المصابين بهذه الحالة أدى إلى تحسن ملحوظ في الرغبة الجنسية ووظائف أخرى مرتبطة بجودة الحياة. (المصدر: Wiley)
رأي أطلس الرجل الصحي: نقص الرغبة المرتبط بالأفيونات غالباً ما يُهمَل لأن المريض والطبيب المعالج يكونان مركّزين بشكل رئيسي على السيطرة على الألم، وقد يُنظر لتراجع الرغبة على أنه أمر ثانوي أو متوقع “بحكم المرض”. لكن كونه ناتجاً عن نقص هرموني حقيقي وقابل للقياس والعلاج، فإن الإبلاغ عنه ومناقشته مع الطبيب، بما يشمل طلب فحص مستوى التستوستيرون عند الاشتباه، خطوة مهمة لا ينبغي تجاهلها أو اعتبارها من “الأعراض الجانبية التي يجب تحملها”.
سادساً: مضادات الذهان وارتفاع البرولاكتين
وإذا كانت الأفيونات تُثبط التستوستيرون بشكل مباشر عبر الدماغ، فهناك فئة دوائية أخرى تسلك طريقاً مختلفاً بالكامل يمر عبر هرمون وسيط هو البرولاكتين، الذي شرحنا آليته في القسم التأسيسي. فمضادات الذهان فئة دوائية تُستخدم أساساً للسيطرة على أعراض الاضطرابات النفسية الشديدة مثل الفصام، وتنقسم إلى مضادات ذهان تقليدية من الجيل الأول كالهالوبيريدول، ومضادات ذهان حديثة من الجيل الثاني كالريسبيريدون والأولانزابين والكلوزابين والأريبيبرازول.
تعمل معظم مضادات الذهان عبر حجب مستقبلات الدوبامين في الدماغ، وهي الآلية التي تساعدها على السيطرة على أعراض الذهان. لكن هذا الحجب قد يؤثر أيضاً في النظام المسؤول عن تنظيم إفراز البرولاكتين.
ويعمل الدوبامين في هذا النظام ككابح طبيعي لإفراز البرولاكتين. وعندما يحجب الدواء تأثيره، يزول جزء من هذا الكبح فيرتفع مستوى البرولاكتين في الدم. ويختلف مقدار الارتفاع من دواء إلى آخر؛ فقد يكون بسيطاً مع بعض الأدوية، بينما قد يصل مع أدوية معينة، مثل الريسبيريدون والأميسولبرايد، إلى عدة أضعاف المستوى الطبيعي. ( المصدر: PubMed )
ولا تتساوى جميع مضادات الذهان في قوة تأثيرها في البرولاكتين، ولذلك يمكن تقسيمها بصورة مبسطة إلى مجموعتين. الأولى هي الأدوية الأكثر ميلاً إلى رفع البرولاكتين، وتشمل معظم مضادات الذهان القديمة المعروفة بأدوية الجيل الأول، إضافة إلى بعض أدوية الجيل الثاني، مثل الريسبيريدون والباليبيريدون والأميسولبرايد.
أما المجموعة الثانية فتشمل الأدوية الأقل ميلاً إلى رفع البرولاكتين، مثل الكلوزابين والكيوتيابين والأريبيبرازول. ولا ترفع هذه الأدوية مستوى الهرمون عادةً بالدرجة نفسها، بل قد يساعد الأريبيبرازول على خفضه في بعض الحالات. ومع ذلك، قد يختلف التأثير بحسب الدواء وجرعته واستجابة كل مريض.
( المصدر: Psychopharmacology Institute )
وأظهرت دراسة شملت 264 مريضاً أن المشكلات الجنسية، ومنها انخفاض الرغبة، كانت أكثر شيوعاً لدى مستخدمي مضادات الذهان التي ترفع البرولاكتين مقارنةً بمستخدمي الأدوية الأقل تأثيراً فيه. وقدّر الباحثون أن قابلية الدواء لرفع البرولاكتين تفسر نحو 40% من هذا الفرق بين المجموعتين، بينما فسر مستوى البرولاكتين المرتفع في الدم ما بين ثلث وثلثي هذا التأثير. ( المصدر: PubMed )
وتدعم هذه النتائج المسار الذي يبدأ بحجب الدوبامين، ثم ارتفاع البرولاكتين، وصولاً إلى ضعف الرغبة والوظيفة الجنسية. لكنها توضح أيضاً أن البرولاكتين ليس العامل الوحيد، إذ قد تسهم تأثيرات أخرى للدواء أو المرض نفسه في حدوث هذه المشكلات.
رأي أطلس الرجل الصحي: غالباً ما ينصب اهتمام مريض الفصام ومن حوله على استقرار حالته النفسية بالدرجة الأولى، مما قد يجعله يتردد في ذكر تراجع رغبته الجنسية ظناً منه أن الأمر ثانوي. لكن هذه المشكلة لا ينبغي تجاهلها؛ فقد ترتبط بارتفاع البرولاكتين، وهو هرمون يمكن قياس مستواه بتحليل الدم. وقد يستطيع الطبيب تعديل الجرعة أو اختيار دواء أقل ميلاً إلى رفع البرولاكتين إذا كان مناسباً لحالة المريض، من دون المساومة على استقراره النفسي أو إيقاف علاجه.
اقرأ أيضاً: مضادات الذهان والأداء الجنسي عند الرجال: كيف تؤثر على الرغبة والانتصاب والقذف؟
سابعاً: أدوية حموضة المعدة (السيميتيدين تحديداً)
وننتقل الآن إلى فئة دوائية قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الوظيفة الجنسية؛ لأنها تُستخدم أساساً لعلاج الحموضة وقرحة المعدة. وهي حاصرات مستقبلات الهيستامين من النوع الثاني (H2 blockers)، التي تمنع تأثير الهيستامين في مستقبلات موجودة على خلايا المعدة وتحفزها على إفراز الحمض، فينخفض بذلك إنتاج حمض المعدة. ومن أبرز أدوية هذه الفئة السيميتيدين (Cimetidine) والفاموتيدين (Famotidine).
ومن المهم التنويه إلى أن السيميتيدين أصبح أقل استخداماً مقارنةً بالماضي بعد ظهور أدوية من الفئة نفسها ذات آثار جانبية أقل. كما أصبحت مثبطات مضخة البروتون، مثل الأوميبرازول (Omeprazole)، أكثر شيوعاً في علاج الحموضة وقرحة المعدة، وهي أدوية تقلل إفراز الحمض عبر إيقاف عمل بروتينات صغيرة في خلايا المعدة تُسمى «مضخات البروتون».
ويُفسَّر ذلك جزئياً بأن السيميتيدين يمتلك خاصية إضافية لا ترتبط بعمله الأساسي في المعدة؛ إذ يعمل كمضاد للأندروجين، أي أنه قد يحد من تأثير الهرمونات الذكرية في أنسجة الجسم. فقد أظهرت دراسة مخبرية أنه ينافس ثنائي هيدروتستوستيرون (DHT)، وهو شكل أقوى تأثيراً من التستوستيرون، على الارتباط بمستقبلات الأندروجين، وهي بروتينات داخل الخلايا ترتبط بالهرمونات الذكرية وتسمح لها بإحداث تأثيرها في الجسم. وقد ظهر هذا التنافس في أنسجة بشرية، منها أنسجة البروستاتا. ( المصدر: Wiley )
وبمعنى أبسط، قد يبقى مستوى التستوستيرون في الدم طبيعياً، لكن السيميتيدين يزاحم الهرمونات الذكرية على الأماكن التي ترتبط بها داخل الخلايا، مما قد يضعف بعض تأثيراتها في الجسم.
وإلى جانب منافسة الهرمونات الذكرية على مستقبلاتها، قد يؤثر السيميتيدين في طريقة تعامل الجسم مع الإستراديول، وهو الشكل الرئيسي والأقوى تأثيراً من هرمونات الإستروجين. والإستروجين هو مجموعة من الهرمونات المعروفة عادةً بالهرمونات الأنثوية، لكنها توجد طبيعياً لدى الرجل أيضاً بمستويات أقل وتؤدي وظائف مهمة في جسمه.
فقد أظهرت دراسة بشرية أن السيميتيدين يبطئ إحدى العمليات التي يستخدمها الجسم للتخلص من الإستراديول، مما قد يزيد تأثيره نسبياً ويغيّر التوازن بين الهرمونات الذكرية والإستروجين. وقد يسهم ذلك في بعض الآثار الهرمونية المرتبطة بالسيميتيدين، مثل تضخم الثدي لدى الرجل. ( المصدر: PubMed )
ووفقاً للنشرة الرسمية للسيميتيدين، سُجلت حالات من ضعف الانتصاب القابل للتحسن لدى مرضى استخدموا جرعات مرتفعة من الدواء مدة لا تقل عن سنة لعلاج حالات مرضية تسبب زيادة غير طبيعية في إفراز حمض المعدة. وتراوحت مدة الاستخدام في هذه الحالات بين 12 و79 شهراً. أما عند استخدام الجرعات المعتادة، فلم تُظهر دراسات المتابعة الواسعة أن معدل ضعف الانتصاب تجاوز المعدل المسجل لدى عامة الرجال. (المصدر: DailyMed)
رأي أطلس الرجل الصحي: هذا مثال واضح على أهمية عدم افتراض أن أي دواء “بريء” من التأثير على الرغبة الجنسية لمجرد أن استخدامه الأساسي بعيد كل البعد عن الجهاز التناسلي. والخبر الجيد هنا أن أدوية أحدث من نفس الفئة، مثل الفاموتيدين، لا تمتلك هذا التأثير المضاد للأندروجين على الإطلاق، مما يجعل التحول إليها خياراً بسيطاً وفعالاً عند الاشتباه بأن السيميتيدين هو سبب انخفاض الرغبة، بالتنسيق مع الطبيب المعالج بالطبع.
اقرأ أيضاً: أدوية المعدة والأداء الجنسي عند الرجل: ما الذي يقوله العلم؟
ثامناً: العلاج الكيماوي وأدوية السرطان الهرمونية
وفي سياق مختلف عن الأدوية اليومية المذكورة سابقاً، قد ترتبط أدوية علاج السرطان أيضاً بانخفاض الرغبة الجنسية. فبحسب المعهد الوطني للسرطان، قد يؤدي العلاج الكيماوي إلى انخفاض مستوى التستوستيرون والرغبة خلال فترة العلاج. كما قد تسهم عوامل مصاحبة، مثل التعب والألم واضطراب النوم والضغط النفسي الناتج عن المرض، في زيادة هذا الانخفاض.
وتكون كثير من التغيرات الجنسية التي تظهر أثناء العلاج مؤقتة وتتحسن بعد انتهائه، لكن بعضها قد يستمر مدة أطول بحسب نوع العلاج وجرعته ومدته وعمر المريض وحالته الصحية.
( المصدر: National Cancer Institute )
أما العلاج الهرموني المستخدم في سرطان البروستاتا، والمعروف بالعلاج بحرمان الأندروجين (Androgen Deprivation Therapy – ADT)، فهو مجموعة من العلاجات التي تخفض مستوى التستوستيرون إلى درجات شديدة الانخفاض أو تمنع تأثيره في الخلايا. ويُستخدم لأن كثيراً من خلايا سرطان البروستاتا تعتمد على الهرمونات الذكرية، أو الأندروجينات، للنمو.
ولهذا يكون تأثير العلاج في الرغبة أكثر مباشرة؛ إذ يؤدي الانخفاض الشديد في التستوستيرون إلى تراجع واضح في الرغبة الجنسية لدى كثير من المرضى، وقد يفقد بعضهم الاهتمام بالنشاط الجنسي تماماً خلال فترة العلاج. لكن مقدار هذا التأثير يختلف من رجل إلى آخر، ولا يعني أن الرغبة تختفي بالكامل لدى جميع من يخضعون للعلاج. (المصدر: PMC)
رأي أطلس الرجل الصحي: هذا التأثير متوقع ومعروف مسبقاً لدى الفريق الطبي المعالج للسرطان، وليس سبباً للخجل أو التستر، بل جانب ينبغي مناقشته مع هذا الفريق تحديداً، لا مع طبيب عام.
تاسعاً: التستوستيرون الخارجي غير المضبوط
وقد يبدو مفاجئاً إدراج هذا البند ضمن مقال عن «الأدوية التي تُضعف الرغبة»، بما أن التستوستيرون نفسه من أهم الهرمونات التي تدعمها. لكن التستوستيرون الخارجي، وهو هرمون مُصنّع يُعطى من خارج الجسم على شكل حقن أو جِل أو لصقات جلدية، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية عند استخدامه من دون حاجة طبية أو بجرعات مرتفعة ومن دون متابعة منتظمة.
فهذا الاستخدام قد يدفع الجسم إلى تقليل إنتاجه الطبيعي من التستوستيرون، مما قد يجعل مستواه ينخفض بعد إيقافه ويؤدي إلى تراجع الرغبة مؤقتاً أو لفترة أطول، خصوصاً بعد الاستخدام المطول أو الجرعات المرتفعة. أما العلاج بالتستوستيرون تحت إشراف طبي لتصحيح نقص موثق، فلا ينبغي وضعه في الفئة نفسها.
والسبب يعود إلى آلية طبيعية في الجسم تُسمى “التغذية الراجعة السلبية”، وتشبه عمل الترموستات الذي يُغلق التدفئة تلقائياً عند وصول درجة الحرارة إلى المستوى المطلوب. فحين يرتفع مستوى التستوستيرون في الدم نتيجة تناول جرعات خارجية، يستشعر الدماغ هذا الارتفاع ويعتبر أن الجسم لم يعد بحاجة إلى إنتاج المزيد منه.
ونتيجة لذلك، يُقلل الدماغ إفراز الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية (GnRH)، وهو إشارة البداية التي تحفز سلسلة إنتاج التستوستيرون. ويؤدي ذلك إلى انخفاض الهرمونات التي تحفز الخصيتين، فيتراجع إنتاج الجسم الطبيعي من التستوستيرون، وقد يتوقف بدرجة كبيرة طوال فترة الاستخدام.
( المصدر: Nature Reviews Urology )
والمشكلة الأعمق تظهر عند محاولة التوقف عن استخدام التستوستيرون الخارجي، خصوصاً بعد استخدامه لفترة طويلة أو بجرعات مرتفعة غير موصوفة طبياً، مثل استخدام حقن التستوستيرون أو الستيرويدات البنائية لزيادة الكتلة العضلية وتحسين الأداء الرياضي من دون وجود نقص هرموني مُثبت أو إشراف طبي.
فبعد التوقف، قد يحتاج الجسم إلى عدة أشهر لاستعادة إنتاجه الطبيعي للتستوستيرون، وقد تطول المدة مع الجرعات المرتفعة والاستخدام الطويل. ولا يقتصر هذا التأثير على الهرمون؛ فالتستوستيرون الخارجي يثبط أيضاً الإشارات التي تحتاجها الخصيتان لإنتاج الحيوانات المنوية، مما قد يؤدي إلى انخفاض عددها والتأثير في الخصوبة. وقد تستغرق عودة إنتاج الحيوانات المنوية إلى مستواه الطبيعي ما يصل إلى سنتين لدى بعض الرجال. ( المصدر: PMC )
وخلال هذه الفترة الانتقالية، قد يعاني الرجل من انخفاض واضح في الرغبة الجنسية؛ لأن الجسم يكون قد توقف عن تلقي التستوستيرون من الخارج، بينما لم تستعد الخصيتان بعد قدرتهما الطبيعية على إنتاجه.
رأي أطلس الرجل الصحي: هذا البند تحديداً يوضح لماذا يُعد العلاج التعويضي بالتستوستيرون قراراً طبياً بحتاً، لا ينبغي أبداً اتخاذه بشكل ذاتي أو عبر مصادر غير موثوقة. فالتستوستيرون بحد ذاته ليس المشكلة، بل الاستخدام غير المضبوط طبياً هو ما يقلب فائدته المتوقعة إلى ضرر فعلي على الرغبة الجنسية على المدى المتوسط، خصوصاً عند التوقف المفاجئ أو غير المخطط له.
اقرأ أيضاً: العلاج بالتستوستيرون (TRT) عند الرجال: الفوائد والمخاطر ومتى يكون مناسبًا؟
عاشراً: العلاجات التجارية غير الموثّقة وتأثيرها السلبي
في ظل انتشار مشكلة انخفاض الرغبة الجنسية المرتبطة بالأدوية، يلجأ بعض الرجال إلى بدائل تجارية غير مرخصة يعتقدون أنها ستُعيد لهم رغبتهم بسرعة ودون الحاجة لمراجعة الطبيب، لكن هذه المنتجات تحمل مخاطر حقيقية تستحق التوضيح.
فبعض “الحبوب المعزِّزة للرغبة” التي تُباع دون وصفة طبية عبر الإنترنت أو بعض الصيدليات غير الملتزمة، تحتوي أحياناً على مكونات غير معلنة على الملصق، منها هرمونات أو مواد شبيهة بالتستوستيرون بجرعات غير مضبوطة، مما يُعرّض المستخدم لنفس مخاطر تعطيل محور الوطاء–الغدة النخامية–الخصية التي أوضحناها في القسك السابق، دون أي إشراف طبي على الجرعة أو المتابعة.
كذلك تنتشر بعض “الأعشاب المُركّزة” أو “الخلطات العشبية” المروَّج لها كمعزِّزات فورية للرغبة، والتي قد تتفاعل مع أدوية أخرى يتناولها الرجل أصلاً، مثل مضادات الاكتئاب أو أدوية الضغط المذكورة في هذا المقال، فتُحدث تفاعلات دوائية غير متوقعة قد تزيد المشكلة سوءاً بدلاً من حلها، أو تُسبب أعراضاً جانبية جديدة كليّاً لا علاقة لها بالرغبة الجنسية.
رأي أطلس الرجل الصحي: الحل الحقيقي والآمن لانخفاض الرغبة المرتبط بدواء موصوف طبياً لا يكون أبداً عبر إضافة منتج تجاري غير موثق فوق الدواء الأصلي، بل عبر العودة للطبيب الذي وصف الدواء أصلاً لمناقشة تعديل الجرعة أو التحول لبديل أقل تأثيراً، وهو المسار الوحيد المدعوم علمياً والآمن على المدى الطويل.
متى تراجع الطبيب؟
تستدعي المراجعة الطبية في الحالات التالية: ظهور انخفاض واضح في الرغبة الجنسية بالتزامن مع بدء دواء جديد، حتى لو بدا هذا الدواء غير مرتبط بالوظيفة الجنسية ظاهرياً، مثل أدوية الحموضة أو الضغط. أو استمرار هذا الانخفاض لفترة كافية بحيث يؤثر على جودة الحياة أو العلاقة مع الشريكة. أو ظهور أعراض مصاحبة توحي بنقص هرموني عام، مثل التعب المستمر أو تراجع الكتلة العضلية، لدى متناولي المسكنات الأفيونية أو مضادات الذهان لفترات طويلة. أو عند التفكير في التوقف عن التستوستيرون الخارجي المستخدم بشكل غير موصوف طبياً، لتقييم أفضل طريقة آمنة للتوقف.
ومن المهم التأكيد مجدداً على عدم إيقاف أي دواء موصوف من تلقاء النفس بسبب هذا العرض الجانبي، بل مناقشة الأمر مع الطبيب المعالج لتقييم البدائل الممكنة.
كيف تبدأ مع طبيبك؟
يُفيد تحضير الإجابات على الأسئلة التالية قبل الزيارة: ما هي جميع الأدوية التي تتناولها حالياً بانتظام، بما فيها أدوية الضغط والاكتئاب والذهان وتساقط الشعر والألم المزمن؟ متى بدأ انخفاض الرغبة بالضبط مقارنة بموعد بدء أي دواء جديد أو تعديل جرعة قائمة؟ هل يرافق انخفاض الرغبة أعراض أخرى، كالتعب العام أو ضعف الانتصاب أو تغيرات مزاجية؟ هل سبق أن أجريت فحص تستوستيرون أو برولاكتين من قبل، وما كانت نتيجته إن وُجدت؟
الخلاصة العلمية
تختلف الآليات التي تُضعف بها الأدوية الرغبة الجنسية باختلاف الفئة الدوائية؛ فمضادات الاكتئاب ومضادات الذهان تعمل غالباً عبر نواقل عصبية وهرمونات وسيطة مثل السيروتونين والبرولاكتين، بينما تؤثر أدوية أخرى كالمسكنات الأفيونية والعلاج الكيماوي والتستوستيرون الخارجي غير المضبوط بشكل مباشر على إنتاج التستوستيرون نفسه عبر محور الوطاء–الغدة النخامية–الخصية. وتُظهر فئات مثل أدوية الضغط ومثبطات 5-ألفا ريدكتاز تفاوتاً كبيراً في التأثير حتى بين الأدوية المنتمية للفئة الدوائية الواحدة، بينما تحمل فئات أخرى، كالسيميتيدين ضمن أدوية الحموضة، آلية خاصة نادراً ما يتوقعها المريض.
رأي أطلس الرجل الصحي: الرسالة الأهم التي ينبغي أن يخرج بها أي رجل من هذا المقال هي أن انخفاض الرغبة الجنسية بعد بدء دواء جديد ليس دائماً علامة على مشكلة نفسية أو علاقاتية أو مرتبطة بالتقدم في العمر، بل قد يكون أثراً جانبياً معروفاً وموثقاً علمياً للدواء نفسه. وفي كثير من الحالات الموثقة، يمكن تحسين هذا الأثر بتعديل الجرعة، أو التحول لدواء آخر ضمن الفئة نفسها، أو معالجة النقص الهرموني الناتج عنه مباشرة، دون الحاجة للتضحية بالعلاج الأساسي أو التوقف عنه من تلقاء النفس.

الأسئلة الشائعة ❓
هل جميع مضادات الاكتئاب تؤثر على الرغبة بنفس الدرجة؟
لا، فمضادات الاكتئاب التي تعتمد على رفع السيروتونين، مثل الفلوكستين والباروكستين، هي الأكثر ارتباطاً بانخفاض الرغبة، بينما أظهرت أدوية تعمل على مسارات مختلفة، مثل البوبروبيون، تأثيراً أقل بكثير وأحياناً إيجابياً على الرغبة.
إذا لاحظت انخفاضاً في رغبتي بعد بدء علاج الضغط، هل يعني هذا أنني سأعاني منه طوال فترة العلاج؟
ليس بالضرورة، إذ يختلف التأثير بشكل كبير بين فئات أدوية الضغط. فمثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين وحاصرات مستقبلات الأنجيوتنسين تحمل تأثيراً محايداً إلى إيجابي غالباً، وقد يكون التحول إليها من حاصرات بيتا حلاً فعالاً بالتنسيق مع الطبيب.
هل يستدعي تأثير الفيناسترايد المستخدم لعلاج تساقط الشعر في الرغبة الجنسية القلق؟
الغالبية العظمى من مستخدمي الفيناسترايد لا يعانون من مشكلات جنسية تُذكر، لكن الأدلة العلمية توثق وجود فئة فرعية من المستخدمين، خصوصاً الأصغر سناً والمستخدمين لفترات طويلة، تعاني من انخفاض مستمر في الرغبة حتى بعد التوقف عن الدواء، مما يستدعي مناقشة هذا الاحتمال مسبقاً مع الطبيب قبل البدء بالعلاج.
لماذا قد يؤدي استخدام التستوستيرون نفسه لانخفاض الرغبة الجنسية؟
لأن ارتفاع مستوى التستوستيرون في الدم نتيجة استخدامه من مصدر خارجي يدفع الدماغ إلى تقليل الإشارات المحفزة لإنتاجه الطبيعي. ولذلك، إذا توقف الرجل عن استخدامه، فقد ينخفض مستوى التستوستيرون في جسمه لفترة تمتد أحياناً إلى عدة أشهر، قبل أن تستعيد الخصيتان قدرتهما الطبيعية على إنتاجه، وخصوصاً بعد الاستخدام الطويل أو بجرعات مرتفعة.
هل يمكن أن تكون أدوية حموضة المعدة سبباً في انخفاض رغبتي الجنسية؟
نعم، لكن هذا التأثير يقتصر بشكل أساسي على السيميتيدين تحديداً بين أدوية هذه الفئة، بسبب خاصيته المضادة للأندروجين، بينما لا تمتلك أدوية أحدث من الفئة نفسها، مثل الفاموتيدين، هذا التأثير.
هل يجب إيقاف الدواء فور ملاحظة انخفاض في الرغبة الجنسية؟
لا يُنصح بإيقاف أي دواء من تلقاء النفس مهما كان نوعه، بل مناقشة الأمر مع الطبيب المعالج، إذ توجد غالباً بدائل ضمن الفئة الدوائية نفسها بتأثير أقل على الرغبة، أو خيارات لتعديل الجرعة أو التوقيت دون التضحية بالفائدة العلاجية الأساسية.
إخلاء المسؤولية: هذا المقال لأغراض تثقيفية فقط ولا يُغني عن استشارة مختص. لا تقم بإيقاف أو تعديل أي دواء موصوف دون استشارة الطبيب المعالج. عند وجود أي انخفاض في الرغبة الجنسية مرتبط بدواء تتناوله، يُنصح بالتواصل مع طبيب مختص لتقييم الحالة والبدائل الممكنة.
مقالات قد تهمك :
- الرغبة الجنسية عند الرجال: كيف تحدث؟ الدليل العلمي المبسط
- انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجال: الدليل العلمي الشامل
- أسباب انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجال: الدليل العلمي الشامل
- كيفية زيادة الرغبة الجنسية عند الرجال طبيعيًا: دليل علمي شامل
- تشخيص انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجال: الفحوصات والتحاليل اللازمة
- أفضل المكملات لزيادة الرغبة الجنسية عند الرجال — ماذا تقول الأدلة العلمية؟
- الأدوية المستخدمة لعلاج انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجال — ماذا تقول الأدلة العلمية؟

