انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجال: الدليل العلمي الشامل

لقطة فوتوغرافية لشاب يجلس على السرير مستغرقاً في التفكير وبجواره شريكته لمناقشة الدليل العلمي الشامل لانخفاض الرغبة الجنسية عند الرجال.

يجلس الرجل مع نفسه ذات ليلة، ويلاحظ أن شيئاً تغيّر بداخله. الانجذاب الذي كان يظهر تلقائياً في أوقات كثيرة أصبح نادراً، والأفكار الجنسية التي كانت تخطر بذهنه دون استئذان صارت غائبة لأسابيع. يبدأ بالتساؤل بصمت، ويخجل حتى من الاعتراف لنفسه بما يشعر به، فما بالك بمشاركته مع شريكته أو طبيبه.

هذه التجربة، رغم أنها تبدو نادرة أو محرجة في نظر كثير من الرجال، هي في الحقيقة أكثر شيوعاً بكثير مما يُعتقد. فقد أظهرت المراجعات العلمية الشاملة أن نسبة انتشار انخفاض الرغبة الجنسية بين الرجال حول العالم تتراوح بين 3% و28%، بحسب الفئة العمرية والمجتمع المدروس، وهو مدى واسع يعكس مدى شيوع هذه الحالة أكثر مما يظنه أغلب الرجال. ( المصدر: EAU )

والمفارقة أن هذا الانتشار الواسع لا يقابله حديث مماثل؛ فكثير من الرجال يتجنبون ذكر انخفاض رغبتهم حتى لأقرب الناس إليهم، ويعتبرونها مسألة تمس رجولتهم بصورة مباشرة، بينما هي في جوهرها حالة طبية لها أسباب واضحة وقابلة للتقييم، تماماً كأي عرض جسدي آخر. فما الذي يجعل رجلاً يصمت عن مشكلة شائعة بهذا القدر بدل أن يطلب المساعدة؟ وكيف يمكن التمييز بين انخفاض عابر لا يستدعي القلق وحالة تستحق فعلاً الاهتمام الطبي؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية شاملة لفهم انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجل: ما هو، وما مدى شيوعه، وما أنواعه المختلفة، ولمحة عامة عن أسبابه وأثره النفسي وتأثيره في العلاقة مع الشريكة.

ولفهم رحلة الرغبة الجنسية منذ نقطة انطلاقها الأولى في الدماغ، يمكنك قراءة مقالنا الشامل: الرغبة الجنسية عند الرجال: كيف تحدث؟ الدليل العلمي المبسط


أولاً: ما المقصود بانخفاض الرغبة الجنسية؟

بعد أن تعرّفنا في المقال السابق إلى كيفية نشوء الرغبة الجنسية عند الرجل بصورتها الطبيعية، يبقى السؤال: متى يتحول انخفاضها من تذبذب طبيعي إلى حالة تستحق الانتباه؟

فمن الناحية الطبية، لا يُعتبر أي انخفاض عابر في الرغبة الجنسية “مشكلة” بحد ذاته، لأن الرغبة تتفاوت طبيعياً من فترة لأخرى تبعاً لعوامل كثيرة، كالتعب أو ضغط العمل أو التغيرات الحياتية المؤقتة. أما الحالة التي يُطلق عليها طبياً “اضطراب تدني الرغبة الجنسية عند الرجل” (المعروف اختصاراً بـ HSDD، من Hypoactive Sexual Desire Disorder)، فهي حالة طبية معترف بها في المراجع التشخيصية، تتمثل في انخفاض أو غياب مستمر أو متكرر للأفكار والتخيلات الجنسية والرغبة في النشاط الجنسي، بصورة تسبب للرجل ضيقاً واضحاً.

ولا يعتمد تشخيصها على انخفاض الرغبة وحده، بل على معايير محددة يقيّمها المختص، مثل مدة الانخفاض واستمراره ومدى تأثيره في الرجل. وقد خصصنا لها مقالاً كاملاً يشرح التقييم والتشخيص بالتفصيل.

لكن بصورة مبسّطة، يمكن القول إن ثلاثة معايير عملية تساعد على التفريق بين الانخفاض الطبيعي والحالة التي تستحق الاهتمام. أولاً، المدة؛ فالانخفاض الذي يستمر لأسابيع قليلة ثم يزول من تلقاء نفسه يختلف جوهرياً عن ذلك الذي يستمر لأشهر متتالية. ثانياً، الاستمرارية؛ فوجود بعض التذبذب الطبيعي أمر متوقع، لكن الغياب شبه الكامل والمستمر للرغبة يحمل دلالة مختلفة. وثالثاً، وربما الأهم، الإزعاج الشخصي؛ فالمعيار الحاسم ليس فقط انخفاض الرغبة بحد ذاته، بل مدى الضيق الذي يشعر به الرجل نفسه أو تأثيره على علاقته، إذ قد يكون بعض الرجال مرتاحين تماماً بمستوى رغبة منخفض نسبياً دون أن يشكل ذلك أي إزعاج لهم.


ثانياً: ما مدى شيوع انخفاض الرغبة الجنسية بين الرجال؟

بعد أن وضعنا حدوداً واضحة لما يُعتبر “مشكلة” فعلية، يصبح من المنطقي أن نسأل: كم رجلاً فعلياً يعيش هذه التجربة؟

والإجابة أن النسب تختلف بصورة كبيرة بين الدراسات، ويعود ذلك جزئياً إلى اختلاف طريقة قياس “انخفاض الرغبة” من بحث لآخر. فبينما تشير بعض الدراسات السكانية الكبيرة إلى أن نحو 15% من الرجال يعانون من هذه الحالة، تُظهر مراجعات أخرى نسباً أقل تقارب 8% فقط، حين يُشترط وجود إزعاج شخصي واضح مصاحب لانخفاض الرغبة، لا مجرد الانخفاض بحد ذاته. (المصدر: Springer Nature)

وبمعنى آخر: يعكس هذا الفارق بين النسب نقطة مهمة، وهي أن انخفاض الرغبة وحده لا يعني وجود حالة مرضية، بل إن الضيق المصاحب له هو ما يحدد ذلك فعلياً.

وقد أظهرت إحدى الدراسات السكانية الواسعة، التي شملت أكثر من 12 ألف رجل ألماني يبلغون 45 عاماً، أن نسبة انخفاض الرغبة الجنسية بينهم بلغت قرابة 5%، وهي نسبة تُظهر أن هذه الحالة شائعة بصورة ملموسة حتى في فئة عمرية لا تُعتبر متقدمة بالسن. ( المصدر: ScienceDirect )

وترتفع هذه النسبة بصورة واضحة مع التقدم في العمر؛ إذ أظهرت مراجعة منهجية شاملة استعرضت 76 دراسة منشورة أن نسبة انخفاض الرغبة الجنسية تتراوح بين 12% و51.6% لدى الرجال بعمر 60 سنة فأكثر، وترتفع لتتراوح بين 20% و65.9% لدى من تجاوزوا 70 عاماً، لتصل بين 40% و82.4% لدى الرجال فوق 80 عاماً. (المصدر: ScienceDirect)

مع ذلك، تشير المراجعة نفسها إلى أن هذا الارتفاع يبقى طفيفاً نسبياً بين الرجال الأصحاء عموماً، أي أن التقدم بالعمر وحده لا يفسر كل هذا التفاوت الواسع بين الدراسات، بل تتدخل عوامل صحية ونمط حياة مختلفة تفسر الفارق الكبير بين أدنى وأعلى نسبة مسجّلة

وحتى الآن، لم نجد دراسات عربية أو خليجية منشورة تحدد نسبة انتشار انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجال تحديداً بصورة مباشرة ومحكّمة علمياً، لذلك اعتمدنا على أوسع الدراسات العالمية المتاحة.

ومن الأسباب التي تفسر جزئياً لماذا تبدو هذه الحالة أقل شيوعاً مما هي عليه فعلياً في الحياة اليومية، هو حرج كثير من الرجال من الإفصاح عنها. فالثقافة السائدة في مجتمعات عديدة تصوّر الرجل بأنه “دائم الرغبة” بطبيعته، وهذا التصور الثقافي يجعل الاعتراف بانخفاض الرغبة أمراً صعباً نفسياً، حتى أمام الطبيب نفسه، مما يؤدي إلى تسجيل نسب أقل من الواقع الفعلي في كثير من الاستطلاعات والدراسات السكانية.


ثالثاً: أنواع اضطراب انخفاض الرغبة الجنسية

بعد أن أوضحنا مدى شيوع الحالة، يبقى فهم أن “انخفاض الرغبة” ليس نمطاً واحداً موحداً لدى جميع الرجال، بل يُصنَّف طبياً إلى أنواع مختلفة بحسب زاويتين رئيسيتين للتصنيف.

الزاوية الأولى: التصنيف بحسب وقت البداية

يُقسَّم انخفاض الرغبة الجنسية بحسب هذه الزاوية إلى نوعين. النوع الأول هو الانخفاض الدائم منذ البداية (Lifelong)، ويُقصد به أن رغبة الرجل كانت منخفضة منذ بداية ظهور الرغبة الجنسية لديه، من دون وجود فترة سابقة كان فيها مستوى رغبته معتاداً بالنسبة إليه ويمكن مقارنته بوضعه الحالي.

أما النوع الثاني فهو الانخفاض المكتسب (Acquired)، وهو الأكثر شيوعاً بكثير، ويُقصد به أن الرجل كان يمتلك مستوى رغبة طبيعياً في فترة سابقة من حياته، ثم طرأ عليه انخفاض واضح لاحقاً. وهذا التمييز مهم عملياً لأن كلاً من النوعين يوجّه التفكير الطبي بصورة مختلفة عند البحث عن السبب لاحقاً.

الزاوية الثانية: التصنيف بحسب النطاق

أما من ناحية النطاق، فيُقسَّم انخفاض الرغبة إلى نوعين أيضاً. النوع الأول هو الانخفاض الشامل (Generalized)، ويعني أن الرغبة منخفضة بصورة عامة تجاه أي نشاط جنسي، سواء مع شريكة أو بمفرده، ودون علاقة بموقف أو ظرف معين. أما النوع الثاني فهو الانخفاض الظرفي أو الانتقائي (Situational)، ويعني أن الرغبة تبقى طبيعية في مواقف معينة وتغيب في مواقف أخرى.

وهذا النوع الظرفي تحديداً يستحق توضيحاً أوسع، لأنه الأكثر التباساً عند القراء ويأخذ صوراً متعددة في الواقع العملي. فقد تظهر الرغبة الطبيعية لدى الرجل عند ممارسة العادة السرية بمفرده، بينما تغيب تجاه شريكته تحديداً، أو العكس؛ إذ قد تكون الرغبة حاضرة مع شريكته لكنها تختفي بمفرده.

وقد تأخذ صورة أخرى مختلفة، وهي أن ترتبط الرغبة بشريكة معينة؛ فقد تكون حاضرة بوضوح مع شريكة سابقة، ثم تضعف أو تغيب مع الشريكة الحالية من دون وجود سبب جسدي واضح. ويُعرف ذلك في الأدبيات العلمية بـ”اختلاف الرغبة باختلاف الشريكة”. (Partner-Specific Desire) ( المصدر: ScienceDirect )

كذلك، قد تتغير الرغبة بحسب الظروف المحيطة بالعلاقة نفسها؛ فقد تكون قوية في بدايتها، ثم تضعف تدريجياً مع مرور الوقت. وقد يرتبط هذا النمط بالتغيرات التي تطرأ على العلاقات طويلة الأمد، مثل الاعتياد أو تغير مستوى القرب العاطفي أو تراكم الضغوط والخلافات، ولا يعني بالضرورة وجود خلل جسدي.

وقد يرجّح هذا النوع الظرفي وجود عامل نفسي أو عامل مرتبط بالعلاقة مع الشريكة، بدلاً من وجود سبب جسدي عام يؤثر في الرغبة في جميع المواقف. ومع ذلك، لا يكفي هذا النمط وحده لتحديد السبب أو استبعاد العوامل الجسدية تماماً. ولهذا يُعد التمييز بين الانخفاض الظرفي والانخفاض الشامل نقطة انطلاق مهمة عند البحث عن السبب الحقيقي.

يلخّص الجدول التالي الأنواع الأربعة لانخفاض الرغبة الجنسية والفروق الأساسية بينها:

نوع الاضطرابالتعريفمثال عملي
دائم منذ البدايةرغبة منخفضة منذ بداية النضج الجنسي، بلا فترة سابقة من الرغبة الطبيعية للمقارنةرجل لم يعرف يوماً رغبة مرتفعة نسبياً طوال حياته الجنسية
مكتسبانخفاض طرأ لاحقاً بعد فترة من الرغبة الطبيعيةرجل كانت رغبته طبيعية، ثم انخفضت بعد سنوات من الزواج
شاملانخفاض عام يشمل كل المواقف والسياقات دون استثناءغياب الرغبة سواء بمفرده أو مع شريكته
ظرفي/انتقائيانخفاض يقتصر على موقف أو شريك معين فقطرغبة طبيعية أثناء العادة السرية، لكنها تغيب تجاه الشريكة تحديداً

وقد يجتمع أكثر من نوع لدى الرجل نفسه، كأن يكون الانخفاض مكتسباً وظرفياً في آن واحد، ويساعد الجمع بين التصنيفين الطبيب على تضييق دائرة الأسباب المحتملة؛ فإذا بدأ الانخفاض حديثاً وظهر في ظرف محدد، يبحث عمّا تغير في ذلك الظرف، مثل العلاقة أو الحالة النفسية. أما إذا كان مكتسباً وشاملاً لجميع المواقف، فقد يتجه البحث أكثر نحو أسباب عامة، مثل الأدوية أو الاضطرابات الهرمونية أو الأمراض الجسدية.


رابعاً: هل انخفاض الرغبة الجنسية هو نفسه انخفاض الرغبة العاطفية؟

وبينما نتحدث عن الأنواع المختلفة للاضطراب، يخطر لكثير من الرجال سؤال مهم يستحق التوقف عنده: هل ما أشعر به هو غياب الرغبة الجسدية البحتة، أم غياب الانجذاب العاطفي نحو شريكتي؟

فالحقيقة أن التمييز بين الرغبة الجسدية والرغبة العاطفية قد يبدو منطقياً للوهلة الأولى، لكنه لا يعني أنهما نوعان منفصلان تماماً من الرغبة. فالرغبة الجنسية عند الرجل لا تنتج عن الهرمونات والدماغ وحدهما، بل تتأثر أيضاً بالمشاعر والانجذاب وطبيعة العلاقة مع الشريكة، وتتفاعل هذه العوامل جميعاً لتشكّل مستوى الرغبة الذي يشعر به الرجل.

ولهذا، عندما يقول الرجل إن “رغبته الجسدية موجودة لكن انجذابه العاطفي غائب”، فقد يكون هذا الوصف تعبيراً عن انخفاض ظرفي في الرغبة مرتبط بالشريكة أو بالعلاقة نفسها، لا دليلاً على وجود رغبة جسدية مستقلة تماماً عن الرغبة العاطفية.

وتشير بعض الأبحاث حول التغيرات التي تحدث داخل العلاقات طويلة الأمد إلى أن شعور الرجل بأن شريكته ترغب فيه، والتواصل الحميم بينهما، والتجدد العاطفي والجنسي، قد تساعد جميعها على تحفيز رغبته الجنسية. وفي المقابل، قد يرتبط ضعف التواصل العاطفي وتكرار شعوره بأن محاولاته للتقرب غير مرغوب فيها بانخفاض الرغبة. وهذا يوضح أن المشاعر وطبيعة العلاقة تتداخلان مباشرة مع الرغبة الجنسية، ولا تعملان بمعزل عنها. ( المصدر: ScienceDirect )

رأي أطلس الرجل الصحي: إذا كنت تشعر بوجود فرق بين “الرغبة الجسدية” و”الانجذاب العاطفي”، فلا تعتبره تشخيصاً نهائياً لنفسك، بل حاول أولاً ملاحظة الظروف التي يظهر فيها والتحدث بصراحة مع شريكتك. فقد يكون هذا الشعور مؤشراً على انخفاض ظرفي في الرغبة يرتبط بطبيعة العلاقة أو بما تمران به معاً، لا دليلاً على وجود نوعين منفصلين تماماً من الرغبة. وإذا استمر هذا الشعور أو سبب لك ضيقاً واضحاً أو أثّر في علاقتك، فقد يكون من المفيد مناقشته مع طبيب مختص أو معالج نفسي جنسي.


خامساً: لمحة مبسّطة عن أسباب انخفاض الرغبة الجنسية

بعد أن فهمنا أنواع الحالة المختلفة، يبقى سؤال طبيعي يخطر لأي رجل يعيش هذه التجربة: ولكن لماذا يحدث هذا الانخفاض أصلاً؟

والإجابة أن الأسباب متعددة ومتشعبة، وتستحق مقالاً كاملاً مستقلاً لشرح كل منها بالتفصيل. لكن من المفيد هنا إعطاء صورة عامة سريعة تساعد الرجل على فهم أن السبب وراء انخفاض رغبته قد يكون واحداً من عدة اتجاهات مختلفة، لا مساراً واحداً محدداً مسبقاً.

فالاتجاه الأول يتعلق بالأسباب الهرمونية؛ إذ يمكن أن يؤدي انخفاض التستوستيرون، وهو الهرمون الجنسي الذكري الرئيسي، أو ارتفاع البرولاكتين، وهو هرمون تفرزه الغدة النخامية وقد يؤدي ارتفاعه إلى ضعف الرغبة، أو اضطرابات الغدة الدرقية، إلى انخفاض الرغبة الجنسية.

والاتجاه الثاني يتعلق بالأسباب النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب والقلق، اللذان قد يؤثران في الدوبامين، وهو مادة كيميائية في الدماغ ترتبط بالدافع والمكافأة، وفي مسارات دماغية أخرى تشارك في الرغبة الجنسية. أما الاتجاه الثالث فيتعلق بالأسباب الدوائية؛ فقد تؤدي بعض الأدوية، وخصوصاً أنواع معينة من مضادات الاكتئاب وبعض أدوية ضغط الدم، إلى انخفاض الرغبة الجنسية، لكن احتمال حدوث ذلك يختلف باختلاف نوع الدواء والجرعة واستجابة الرجل له.

ويضاف إلى ذلك الاتجاه الرابع المتعلق بالأمراض الجسدية، مثل مرض السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، التي قد تؤثر في الرغبة بصورة غير مباشرة من خلال التعب، وتراجع الصحة العامة، والاضطرابات الهرمونية، والضغط النفسي المصاحب للمرض.

وأخيراً، يأتي الاتجاه الخامس المتعلق بعوامل نمط الحياة، مثل قلة النوم والتوتر المزمن. فقد تؤثر قلة النوم في مستوى التستوستيرون والطاقة والمزاج، بينما قد يؤثر التوتر المزمن في الدوبامين ومسارات الدماغ المرتبطة بالدافع والمكافأة، مما قد يؤدي في النهاية إلى انخفاض الرغبة الجنسية.

رأي أطلس الرجل الصحي: من المهم أن يدرك الرجل أن هذه الأسباب نادراً ما تعمل بمعزل عن بعضها؛ فغالباً ما يجد الطبيب أن انخفاض الرغبة ناتج عن تداخل بين أكثر من عامل في آن واحد، كأن يترافق التوتر المزمن مع انخفاض طفيف بالتستوستيرون، وهذا ما يجعل التقييم الطبي الشامل ضرورياً بدل محاولة الرجل تشخيص نفسه بناءً على سبب واحد يظنه الأقرب لحالته.


سادساً: الأثر النفسي لانخفاض الرغبة الجنسية وتأثيره في العلاقة مع الشريكة

وبعيداً عن السبب الطبي وراء انخفاض الرغبة، يبقى سؤال لا يقل أهمية: كيف يعيش الرجل هذه التجربة نفسياً، وكيف تنعكس على علاقته؟

فقد أظهرت دراسة شملت أكثر من 400 رجل أن انخفاض الرغبة الجنسية ارتبط بجودة حياة أقل، وارتفاع أعراض نفسية مثل القلق والاكتئاب، وضعف التفاهم والانسجام بين الشريكين، إضافة إلى ارتباطه بمعتقدات سلبية حول الذكورة والأدوار الجنسية المتوقعة اجتماعياً من الرجل. ( المصدر: PubMed )

وبمعنى آخر: انخفاض الرغبة ليس تجربة معزولة تخص الجسد فقط، بل يتشابك بصورة وثيقة مع الحالة النفسية للرجل والسياق الثقافي المحيط به.

ويختلف هذا الأثر بصورة ملحوظة بحسب الحالة الاجتماعية للرجل. فالرجل العازب قد يعيش انخفاض الرغبة كتجربة أكثر عزلة وأقل وضوحاً في آثارها اليومية، إذ لا توجد شريكة تلاحظ التغيّر بصورة مباشرة أو تطرح أسئلة حوله، لكن هذا لا يعني غياب الأثر النفسي؛ فقد يبدأ العازب بالقلق حيال قدرته المستقبلية على بناء علاقة حميمة ناجحة، أو يتجنب الدخول في علاقات جديدة أصلاً خشية مواجهة الموضوع. أما الرجل المرتبط أو المتزوج، فيعيش الأثر بصورة مختلفة تماماً؛ إذ يصبح انخفاض الرغبة جزءاً من تجربة مشتركة بينه وبين شريكته، ويتحول من تجربة فردية داخلية إلى قضية تحتاج إلى التفاهم والتواصل المستمر بينهما.

ويظهر هذا التشابك عملياً فيما يمكن وصفه بـ”الحلقة المفرغة”. فقد يلاحظ الرجل انخفاضاً في رغبته، ثم يربط هذا الانخفاض بصورته عن نفسه كرجل أو بقدرته على إرضاء شريكته، فينشأ لديه القلق والخوف من استمرار المشكلة. وهذا القلق قد يزيد انخفاض الرغبة بدلاً من تخفيفه؛ لأنه يُبقي الدماغ في حالة من التأهب، ويجعل انتباه الرجل منصباً على مراقبة أدائه والخوف من الفشل، بدلاً من الاستجابة للمشاعر والمثيرات الجنسية. كما قد يصاحب التوتر المستمر ارتفاع متكرر في هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول، مما قد يؤثر في المزاج والنوم والدوائر الدماغية المرتبطة بالدافع والمكافأة.

وهكذا قد يجد الرجل نفسه داخل دائرة متكررة: انخفاض الرغبة يولّد القلق، والقلق بدوره يضعف الرغبة أكثر. وقد تستمر هذه الدائرة ما لم تُكسر بخطوات مثل الحديث الصريح مع الشريكة، أو تخفيف الضغط المرتبط بالأداء، أو طلب التقييم الطبي أو النفسي عند الحاجة.

أما على مستوى العلاقة، فقد تفسّر الشريكة انخفاض الرغبة بصورة خاطئة، كأن تعتقد أن السبب هو فقدان انجذاب الرجل إليها أو وجود مشكلة في العلاقة نفسها، بينما قد يكون السبب الحقيقي مرتبطاً بعامل صحي أو دوائي لا علاقة له بمشاعره تجاهها. وقد يخلق هذا التفسير توتراً إضافياً بين الطرفين، ويزيد من صعوبة الحديث المفتوح عن المشكلة، رغم أن هذا الحديث قد يساعد على تقليل سوء الفهم، وكسر الحلقة المفرغة، والوصول إلى حل مناسب.

اقرأ أيضاً: القلق الجنسي عند الرجل: الأسباب وتأثيره على الأداء الجنسي


سابعاً: هل كل انخفاض في الرغبة يستدعي القلق؟

بعد التعرف إلى أنواع انخفاض الرغبة وأسبابه وآثاره النفسية، يبقى السؤال الأهم عملياً لكل رجل يقرأ هذا المقال: هل ما أشعر به فعلاً يستدعي القلق؟

والإجابة أن تغير مستوى الرغبة لا يعني بالضرورة وجود مشكلة؛ فهي تختلف بصورة طبيعية من رجل إلى آخر، كما قد تتغير لدى الرجل نفسه مع مرور الوقت تبعاً لصحته وحالته النفسية وظروف حياته. فقد تنخفض لبضعة أسابيع نتيجة ضغط العمل أو الإرهاق أو تغير مؤقت في ظروف الحياة، ثم تعود إلى مستواها المعتاد بعد زوال السبب. ولا يدل هذا التذبذب العابر وحده غالباً على وجود اضطراب، ما لم يكن الانخفاض مفاجئاً أو شديداً، أو يترافق مع أعراض أخرى.

لكن الأمر يستحق مزيداً من الاهتمام عندما يكون الانخفاض مستمراً أو متكرراً، ويسبب للرجل ضيقاً واضحاً أو يؤثر بصورة ملموسة في علاقته. وتشترط المعايير التشخيصية استمرار المشكلة لمدة لا تقل عن ستة أشهر لتشخيص اضطراب تدني الرغبة الجنسية عند الرجل، لكن ذلك لا يعني ضرورة انتظار هذه المدة قبل طلب المساعدة. فالتقييم الطبي قد يكون مناسباً في وقت أبكر إذا كان الانخفاض مفاجئاً أو شديداً، أو ترافق مع أعراض أخرى. ويحدد الطبيب خلال هذا التقييم الأسباب المحتملة، وما إذا كانت هناك حاجة إلى فحوصات أو علاج.

رأي أطلس الرجل الصحي: لا تقارن رغبتك برغبة رجال آخرين، ولا تعتبر كل انخفاض مؤقت دليلاً على وجود مرض أو فقدان للرجولة. المعيار الأهم هو حدوث تغير واضح عن مستواك المعتاد ومدى تأثيره فيك. إذا استمر الانخفاض، أو سبب لك ضيقاً، أو بدأ فجأة من دون سبب واضح، فلا تتجاهله ولا تحاول علاجه بنفسك بمكملات أو هرمونات عشوائية؛ فمعرفة السبب أولاً هي الخطوة الأهم للوصول إلى العلاج المناسب.


متى تراجع الطبيب؟

تستدعي المراجعة الطبية حين يستمر انخفاض الرغبة الجنسية لأكثر من بضعة أسابيع دون سبب ظاهر واضح كضغط عمل مؤقت. كذلك حين يترافق هذا الانخفاض مع إزعاج شخصي واضح، سواء على مستوى ثقة الرجل بنفسه أو على مستوى علاقته بشريكته. أو حين يكون الانخفاض مفاجئاً وحاداً بعد بدء دواء جديد، خصوصاً مضادات الاكتئاب أو أدوية ضغط الدم. كما تستدعي المراجعة الحالات التي يترافق فيها انخفاض الرغبة مع أعراض أخرى، كالتعب المستمر أو تغيرات جسدية ملحوظة أو أعراض اكتئاب وقلق واضحة، لأن هذه الأعراض مجتمعة قد تشير إلى سبب طبي كامن يستحق تقييماً مباشراً.

كيف تبدأ مع طبيبك؟

يُفيد تحضير إجابات مبدئية للأسئلة التالية قبل الزيارة: منذ متى بدأ ملاحظة الانخفاض، وهل كان تدريجياً أم مفاجئاً؟ هل الانخفاض شامل في كل المواقف، أم يقتصر على موقف أو شريكة معينة؟ هل سبق أن كانت الرغبة طبيعية في فترة سابقة، أم أن الأمر مستمر منذ البداية؟ هل يترافق مع أي أعراض جسدية أو نفسية أخرى؟ وهل يتناول أي أدوية بانتظام؟

أما الفحوصات والخطوات التي قد يعتمدها الطبيب للوصول إلى السبب الدقيق، فقد خصصنا لها مقالاً مستقلاً يشرح بالتفصيل كيفية تشخيص انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجل.


الخلاصة العلمية

انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجل أكثر شيوعاً مما قد يُعتقد، لكن تقديرات انتشاره تختلف بصورة كبيرة بين الدراسات بحسب أعمار المشاركين، وطريقة قياس الرغبة، وما إذا كانت الدراسة تقيس مجرد انخفاضها أم اضطراباً مستمراً يسبب الضيق. وتشير دراسات عديدة إلى أن انخفاض الرغبة يصبح أكثر شيوعاً مع التقدم في العمر، مع وجود فروق كبيرة بين الرجال أنفسهم.

ولا يُعد كل انخفاض في الرغبة مشكلة طبية؛ إذ يعتمد تقييمه على مدة استمراره، وما إذا كان مستمراً أو متكرراً، ومدى ما يسببه للرجل من ضيق واضح. ويمكن وصفه أيضاً بحسب وقت ظهوره، فقد يكون موجوداً منذ بداية ظهور الرغبة الجنسية أو مكتسباً بعد فترة كانت فيها الرغبة معتادة، وبحسب نطاقه، فقد يكون شاملاً لجميع المواقف أو ظرفياً يظهر مع شريكة معينة أو في ظروف محددة. وقد يجتمع أكثر من وصف لدى الرجل نفسه، كأن يكون الانخفاض مكتسباً وظرفياً في الوقت ذاته.

ولا ينفصل الجانب الجسدي للرغبة تماماً عن الجانب العاطفي؛ إذ تتأثر رغبة الرجل بالدماغ والهرمونات والحالة النفسية والانجذاب وطبيعة العلاقة مع الشريكة في الوقت نفسه. وتتعدد أسباب انخفاضها بين الاضطرابات الهرمونية والأمراض الجسدية والعوامل النفسية وبعض الأدوية وعوامل نمط الحياة، وقد تتداخل عدة أسباب لدى الرجل نفسه.

وقد يترك انخفاض الرغبة أثراً نفسياً واضحاً ويؤثر في العلاقة مع الشريكة، كما تختلف تجربته بين الرجل العازب والمرتبط. وقد يدخل بعض الرجال في حلقة مفرغة يبدأ فيها انخفاض الرغبة بإثارة القلق، ثم يزيد القلق من ضعفها. لذلك يساعد فهم طبيعة الانخفاض والتحدث عنه بصراحة وطلب التقييم عند استمراره أو تسببه في الضيق على تحديد السبب والتعامل معه بطريقة مناسبة.

رأي أطلس الرجل الصحي: إذا كنت تعيش هذه التجربة، فأول خطوة عملية ليست البحث عن حل جاهز، بل تحديد أي نوع من الانخفاض تعيشه فعلاً، دائم أم مكتسب، شامل أم ظرفي، لأن هذا التحديد بحد ذاته يوجّه الطريق نحو السبب الحقيقي. ولا تدع الحرج الثقافي يمنعك من طرح الموضوع مع طبيبك بصراحة، فهذه الخطوة وحدها كفيلة بكسر كثير من القلق المصاحب للحالة قبل حتى الوصول إلى أي علاج.


إنفوجرافيك طبي بصري يوضح جدول المقارنة والشرح للفروقات بين أنواع انخفاض الرغبة الجنسية الأولي والثانوي والشامل والموقفي لدى الرجال.

الأسئلة الشائعة ❓

هل انخفاض الرغبة الجنسية يعني أن هناك مشكلة خطيرة بالضرورة؟

لا بالضرورة. فكثير من حالات انخفاض الرغبة العابر ترتبط بعوامل مؤقتة كالتعب أو ضغط العمل، وتزول من تلقاء نفسها. المشكلة الفعلية تُطرح فقط حين يستمر الانخفاض لفترة طويلة ويترافق مع إزعاج شخصي واضح.

ما الفرق بين انخفاض الرغبة الدائم منذ البداية والمكتسب؟

الانخفاض الدائم منذ البداية يعني أن الرجل لم يعرف طوال حياته الجنسية مستوى رغبة مرتفعاً نسبياً للمقارنة، بينما الانخفاض المكتسب يعني أن رغبته كانت طبيعية في فترة سابقة ثم انخفضت لاحقاً، وهو النوع الأكثر شيوعاً بكثير.

لماذا أشعر برغبة طبيعية بمفردي لكنها تغيب مع شريكتي تحديداً؟

هذا ما يُعرف طبياً بالانخفاض الظرفي أو الانتقائي المرتبط بالشريكة؛ إذ تظهر المشكلة مع شريكة معينة أو في ظروف محددة، ولا تشمل جميع المواقف. وقد يرجّح هذا النمط وجود عامل نفسي أو عامل مرتبط بالعلاقة، بدلاً من سبب جسدي عام يؤثر في الرغبة في جميع الظروف، لكنه لا يكفي وحده لتحديد السبب. وإذا استمر هذا الانخفاض أو سبب لك ضيقاً أو أثّر في علاقتك، فقد يكون من المفيد طلب تقييم متخصص لفهم سببه بدقة.

هل صحيح أنه يمكن أن أشعر برغبة جسدية لكن دون انجذاب عاطفي حقيقي؟

قد يكون الفصل التام بين الرغبة الجسدية والعاطفية غير دقيق علمياً؛ لأنهما متداخلتان بدرجة كبيرة عند الرجل. فما يبدو على أنه “غياب للانجذاب العاطفي فقط” قد يكون في الحقيقة انخفاضاً ظرفياً في الرغبة يرتبط بطبيعة العلاقة أو ظروفها، لا دليلاً على وجود نوعين منفصلين تماماً من الرغبة.

هل انخفاض رغبتي الجنسية يعني أن شريكتي لم تعد تجذبني؟

ليس بالضرورة إطلاقاً. فقد يكون السبب طبياً بحتاً، هرمونياً أو نفسياً أو دوائياً، لا علاقة له بمشاعر الرجل تجاه شريكته. وهذا التفسير الخاطئ الشائع هو ما يخلق كثيراً من التوتر غير الضروري داخل العلاقات.

كم نسبة الرجال الذين يعانون فعلياً من انخفاض الرغبة الجنسية؟

تختلف تقديرات انتشار انخفاض الرغبة الجنسية عند الرجال بصورة كبيرة بحسب أعمار المشاركين وطريقة طرح الأسئلة، وما إذا كانت الدراسة تقيس مجرد انخفاض الرغبة أم اضطراباً مستمراً يسبب الضيق. وقد تراوحت النسب في بعض الدراسات السكانية بين نحو 3% و17%، مع تسجيل نسب أعلى لدى بعض الفئات الأكبر سناً. وهذا الاختلاف الواسع يجعل من الصعب تحديد نسبة عالمية واحدة تنطبق على جميع الرجال. (المصدر: PubMed)

لماذا يتجنب أغلب الرجال الحديث عن انخفاض رغبتهم الجنسية؟

غالباً بسبب الحرج المرتبط بالتصورات الثقافية التي تصوّر الرجل بأنه “دائم الرغبة” بطبيعته، مما يجعل الاعتراف بانخفاضها أمراً صعباً نفسياً، حتى أمام الطبيب، رغم أن الحالة طبية بحتة ولا علاقة لها بـ”الرجولة” إطلاقاً.


إخلاء المسؤولية: هذا المقال لأغراض تثقيفية فقط ولا يُغني عن استشارة مختص. عند وجود انخفاض مستمر أو مزعج في الرغبة الجنسية، يُنصح بالتواصل مع طبيب مختص لتقييم الحالة وإجراء الفحوصات اللازمة.


مقالات قد تهمك :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *