في كثير من الأحيان، حين يُشخَّص رجل بحالة ذهانية، ينصبّ كل التركيز على السيطرة على الهلاوس والأوهام واستقرار السلوك، بينما تبقى الحياة الجنسية في الظل، وكأنها تفصيل ثانوي أمام حجم المرض. لكن الحقيقة العلمية مختلفة؛ فكثير من الرجال يعانون من تراجع في الرغبة الجنسية أو ضعف الانتصاب أو اضطرابات القذف كجزء من المرض نفسه، أي أن الذهان، بوصفه اضطرابًا يؤثر في الدماغ والسلوك، يمكن أن يؤثر مباشرة في مختلف مراحل الاستجابة الجنسية.
ولفهم سبب ذلك، لا بد من التوقف عند الآليات التي تربط الذهان بالوظيفة الجنسية؛ فهو لا يقتصر على اضطراب الإدراك والتفكير، بل يمتد تأثيره إلى المحاور العصبية والهرمونية المنظمة للرغبة والانتصاب والقذف، إلى جانب ما يسببه من أعباء نفسية واجتماعية قد تنعكس سلبًا على العلاقات الحميمة.
وقد أظهرت دراسة أُجريت على 40 رجلًا في نوبتهم الذهانية الأولى، مقارنةً بـ40 رجلًا سليمًا، أن درجات الوظيفة الجنسية على مقياس المؤشر الدولي لوظيفة الانتصاب (IIEF-5) كانت أقل بوضوح لدى المرضى، مع انخفاض واضح في مستويات التستوستيرون وارتفاع مستويات البرولاكتين. كما ارتبطت زيادة مدة المرض قبل بدء العلاج بارتفاع خطر ضعف الانتصاب وارتفاع مستويات البرولاكتين. ( المصدر: PubMed )
في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية مفصّلة لفهم كيف يؤثر الذهان على الرغبة، والانتصاب، والقذف، والخصوبة، مع توضيح البُعد النفسي والاجتماعي المصاحب لهذا التأثير.
أولًا: تأثير الذهان نفسه قبل العلاج
الذهان (Psychosis) هو حالة يفقد فيها الشخص، بدرجات متفاوتة، القدرة على التمييز بين الواقع والخيال، وقد تظهر على شكل هلاوس (مثل سماع أو رؤية أشياء غير موجودة) أو أوهام (معتقدات خاطئة يقتنع بها المريض رغم عدم وجود دليل عليها)، إلى جانب اضطرابات في التفكير والسلوك. وقد يحدث الذهان ضمن عدة اضطرابات نفسية أو عصبية، ويُعد الفصام (Schizophrenia)، وهو اضطراب نفسي مزمن يؤثر في التفكير والإدراك والانفعالات والسلوك، من أشهر أسبابه.
وقبل الخوض في تفاصيل تأثير الذهان في كل مرحلة من مراحل الاستجابة الجنسية، لا بد من فهم أنه لا يؤثر في الصحة الجنسية بسبب الأدوية وحدها، بل إن المرض نفسه قد يؤثر في الوظيفة الجنسية عبر ثلاث آليات رئيسية. وفيما يلي شرح هذه الآليات:
الآلية العصبية: خلل الدوبامين قبل أي دواء
يرتبط الذهان أصلًا بخلل في توازن الدوبامين، وهو ناقل عصبي (Neurotransmitter) يستخدمه الدماغ لنقل الإشارات بين الخلايا العصبية، ويلعب دورًا مهمًا في تنظيم الدافع، والشعور بالمكافأة، والتعلم، والحركة. لكن هذا الخلل ليس موحدًا في جميع مناطق الدماغ؛ فبينما يرتفع نشاط الدوبامين في بعض المسارات، وهو ما يسهم في ظهور الهلاوس والأوهام، ينخفض نشاطه في مناطق أخرى، مثل القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex)، وهي منطقة تؤدي دورًا مهمًا في الدافع، والتخطيط، واتخاذ القرار، والشعور بالمكافأة.
ويُعرف هذا الانخفاض في نشاط الدوبامين داخل القشرة الجبهية علميًا باسم نقص النشاط الدوباميني (Hypodopaminergic Activity)، وهو أحد الآليات التي تُفسّر ظهور ما يُعرف بالأعراض السلبية للذهان، وهي مجموعة من الأعراض تشمل فتور العاطفة، وفقدان المبادرة، وانعدام المتعة. وبما أن الدافع الجنسي يعتمد، في جزء منه، على النشاط الطبيعي لهذه المنطقة، فإن انخفاض نشاطها قد ينعكس مباشرة على الرغبة الجنسية، حتى قبل أن يبدأ المريض أي علاج دوائي. ( المصدر: Psychiatric Services )
الآلية النفسية: حين يُصبح الجسد بعيداً عن الرغبة
إلى جانب الآلية العصبية، ينعكس الذهان على الصحة الجنسية أيضًا من خلال تأثيرات نفسية واجتماعية؛ فالانسحاب الاجتماعي، أي ميل المريض إلى تجنب الاختلاط بالآخرين وتقليل التفاعل معهم، إلى جانب تشوّه صورة الذات وصعوبة بناء العلاقات أو الحفاظ عليها، كلها عوامل قد تُبعد الرجل تدريجيًا عن ممارسة حياة جنسية طبيعية، إضافةً إلى التأثيرات العصبية والهرمونية المباشرة.
ويُضاف إلى ذلك ما يُعرف بانعدام المتعة (Anhedonia)، وهو فقدان القدرة على الشعور بالمتعة تجاه أنشطة كانت تُسبب المتعة سابقًا، بما فيها النشاط الجنسي. وتشير مراجعة علمية شاملة إلى أن انعدام المتعة يصيب ما بين 30% من المرضى خلال المتابعة طويلة الأمد وحتى 53% منهم خلال المراحل الحادة من المرض، ويرتبط بتغيرات قابلة للقياس في مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة المكافأة، مما يؤكد أنه ليس مجرد شعور عابر بالإحباط. ( المصدر: PMC )
آلية الإجهاد المزمن: حين يرفع التوتر النفسي هرمونات تُثبّط الجهاز الجنسي بأكمله
لا يقتصر تأثير الذهان على الدماغ والجوانب النفسية، بل قد يمتد أيضًا إلى المنظومة الهرمونية في الجسم. فالذهان غير المُسيطَر عليه يُعد مصدرًا مستمرًا للضغط النفسي والإجهاد لدى كثير من المرضى، وهو ما قد يؤدي إلى تنشيط المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA Axis)، وهو المنظومة الهرمونية المسؤولة عن تنظيم استجابة الجسم للتوتر والضغط النفسي من خلال إفراز هرمون الكورتيزول.
وقد يُسهم الارتفاع المزمن في مستويات الكورتيزول في تثبيط المحور الوطائي-النخامي-الخصوي، مما قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج التستوستيرون وإضعاف الرغبة الجنسية. كما قد يؤثر سلبًا في وظيفة الأوعية الدموية اللازمة لحدوث الانتصاب.
وإضافة إلى ذلك، يرتبط الإجهاد المزمن بزيادة ما يُعرف بالإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress)، وهو حالة يزداد فيها إنتاج الجذور الحرة الضارة بما يفوق قدرة الجسم على التخلص منها، مما يؤدي إلى تلف الخلايا والأنسجة. وعندما يصيب هذا الإجهاد بطانة الأوعية الدموية، فإنه يُقلّل توافر أكسيد النيتريك، وهو الجزيء المسؤول عن إرخاء الأوعية الدموية وزيادة تدفق الدم إلى القضيب، وهو ما قد ينعكس سلبًا على عملية الانتصاب. ( المصدر: PMC )
وقد يمتد تأثير الإجهاد المزمن أيضًا إلى هرمون البرولاكتين، وهو هرمون تُنتجه الغدة النخامية، ويؤدي ارتفاع مستوياته لدى الرجال إلى تثبيط إفراز التستوستيرون وانخفاض الرغبة الجنسية، وقد يساهم أيضًا في ضعف الانتصاب. إذ أظهرت إحدى الدراسات أن الرجال المصابين بالذهان الذين لم يتلقوا أي علاج دوائي كانت لديهم مستويات برولاكتين أعلى بوضوح مقارنةً برجال أصحاء استُخدموا للمقارنة، حتى بعد ضبط النتائج بحسب العمر والجنس ومستوى التوتر النفسي المُدرَك. ( المصدر: PubMed )
رأي أطلس الرجل الصحي: تعمل هذه الآليات الثلاث بصورة متداخلة، لا كل منها بمعزل عن الآخر، وهو ما يفسر لماذا لا يمكن عزو كل اضطراب جنسي لدى الرجل المصاب بالذهان إلى الأدوية وحدها. لذلك، فإن التمييز بين تأثير المرض نفسه وتأثير العلاج يُعد الخطوة الأولى للوصول إلى تقييم دقيق ووضع خطة علاج مناسبة.
اقرأ أيضاً:
- أكسيد النيتريك: لماذا يُعد أساس الانتصاب الطبيعي؟
- الإجهاد التأكسدي والصحة الجنسية عند الرجال: كيف يؤثر على الانتصاب والتستوستيرون والخصوبة؟
ثانياً: تأثير الذهان على الرغبة الجنسية
تُعد الرغبة الجنسية أكثر مراحل الاستجابة الجنسية ارتباطًا بالحالة الذهنية العامة، ولذلك فهي غالبًا أول ما يتأثر عند الإصابة بالذهان. إلا أن تأثير الذهان في الرغبة لا يسير بآلية واحدة، بل يختلف باختلاف نوع الأعراض التي يعاني منها المريض. وفي هذا السياق، يُعد التمييز بين الأعراض الإيجابية والأعراض السلبية أمرًا أساسيًا لفهم سبب انخفاض الرغبة الجنسية.
الأعراض الإيجابية والسلبية: أثر مختلف في الرغبة الجنسية
في الاضطرابات الذهانية، ولا سيما الفصام، تُقسَّم الأعراض عادةً إلى فئتين رئيسيتين: الأعراض الإيجابية (Positive Symptoms) والأعراض السلبية (Negative Symptoms). وتشمل الأعراض الإيجابية الهلاوس والأوهام، وسُمّيت “إيجابية” لأنها تُضيف أعراضًا جديدة لم تكن موجودة لدى الشخص قبل المرض، ولا تعني أن الحالة أفضل أو أقل شدة. وقد تُشتت هذه الأعراض الانتباه والتركيز بدرجة كبيرة، مما يجعل من الصعب على المريض الانخراط في الاستجابة الجنسية بصورة طبيعية، دون أن يعني ذلك بالضرورة غياب الرغبة الجنسية الأساسية.
أما الأعراض السلبية، مثل فتور العاطفة، وفقدان المبادرة، والانسحاب الاجتماعي، وانعدام المتعة، فتؤثر مباشرة في الدافع والرغبة الجنسية، أي قبل أن تبدأ أي محاولة للتقارب الجسدي. وتشير الدراسات إلى أن هذا التراجع يرتبط بنقص نشاط الدوبامين في القشرة الجبهية، وهو المسار العصبي نفسه المرتبط بظهور بقية الأعراض السلبية. ( المصدر: Psychiatric Services )
ويظهر هذا الفرق بوضوح في الممارسة السريرية؛ إذ يلاحظ الأطباء أن الرجل الذي تسيطر عليه أعراض إيجابية حادة قد يحتفظ برغبة جنسية أساسية، لكنه يجد صعوبة في توجيه انتباهه إليها أثناء النوبة. أما الرجل الذي تغلب عليه الأعراض السلبية، فقد لا يشعر بأي رغبة أو دافع نحو النشاط الجنسي من الأساس، حتى عندما تكون حالته الذهنية مستقرة نسبيًا.
رأي أطلس الرجل الصحي: ليست كل حالة انخفاض في الرغبة الجنسية لدى الرجل المصاب بالذهان مشكلة جنسية مستقلة؛ ففي كثير من الحالات تكون الرغبة المنخفضة انعكاسًا مباشرًا لشدة الأعراض السلبية، لذلك يجب تقييمها كجزء من الحالة المرضية نفسها.
ثالثاً: تأثير الذهان على الانتصاب
خلافًا للرغبة الجنسية، التي ترتبط أساسًا بمسارات الدماغ المسؤولة عن الدافع والمتعة، يُعد الانتصاب عملية وعائية وعصبية معقدة تعتمد على سلامة الأعصاب والأوعية الدموية معًا. لذلك، يتأثر الانتصاب بالذهان عبر آليات تختلف جزئيًا عن تلك التي تؤثر في الرغبة الجنسية، ويأتي تأثير الإجهاد المزمن في الأوعية الدموية في مقدمة هذه الآليات.
الأثر المباشر للإجهاد المزمن على الأوعية الدموية
كما أوضحنا سابقًا، فإن التوتر النفسي المزمن المصاحب للذهان غير المسيطر عليه قد يرفع مستويات الكورتيزول، وهو ما قد يُضعف توافر أكسيد النيتريك (Nitric Oxide)، وهو جزيء يُنتجه الجسم ويؤدي دورًا أساسيًا في إرخاء الأوعية الدموية داخل القضيب، مما يسمح بتدفق الدم اللازم لحدوث الانتصاب. وقد يؤدي الارتفاع المزمن في مستويات الكورتيزول إلى اختلال وظيفة الأوعية الدموية والحد من قدرتها على الارتخاء بصورة طبيعية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على عملية الانتصاب.
ولا يقتصر تأثير الذهان في الانتصاب على اختلال وظيفة الأوعية الدموية، بل قد تصاحبه أيضًا تغيرات هرمونية تزيد من تفاقم المشكلة.
ما تقوله الدراسات
من أبرز الدراسات في هذا السياق دراسة أُجريت على 40 رجلًا في نوبتهم الذهانية الأولى، ولم يسبق لهم تناول أي علاج دوائي، مقارنةً بـ40 رجلًا سليمًا من الفئة العمرية نفسها. وأظهرت النتائج أن درجات الوظيفة الجنسية على مقياس المؤشر الدولي لوظيفة الانتصاب (IIEF-5)، وهو مقياس معتمد لتقييم شدة ضعف الانتصاب من خلال خمسة أسئلة، كانت أقل بوضوح لدى المرضى، مع انخفاض واضح في مستويات التستوستيرون الكلي وارتفاع مستويات البرولاكتين.
كما وجد الباحثون أن الرجال الذين استمر ذهانهم مدة أطول قبل بدء العلاج كانوا أكثر عرضة لضعف الانتصاب وارتفاع مستويات البرولاكتين. وتشير هذه النتائج إلى أن استمرار المرض دون علاج قد يزيد تدريجيًا من تأثيره السلبي في الوظيفة الجنسية. ( المصدر: PubMed )
وتشير الأدلة الحالية إلى أن ضعف الانتصاب لدى الرجل المصاب بالذهان قد يكون جزءًا من تأثير المرض نفسه، وليس مجرد مشكلة تظهر في مراحل لاحقة. كما توضح أن استمرار الذهان دون علاج قد يزيد تدريجيًا من هذا التأثير، مما يؤكد أهمية التشخيص والتدخل المبكرين للحفاظ على الصحة الجنسية، إلى جانب تحسين الأعراض النفسية.
رأي أطلس الرجل الصحي: كلما طال استمرار الذهان دون علاج، زاد احتمال تأثر الوظيفة الجنسية. لذلك، فإن التشخيص والتدخل المبكرين لا يقتصران على تحسين الأعراض النفسية، بل قد يسهمان أيضًا في الحد من تأثير المرض في الانتصاب.
اقرأ أيضاً: أسباب ضعف الانتصاب عند الرجال: الدليل العلمي الشامل
رابعاً: تأثير الذهان على القذف
يُعد القذف أقل مراحل الاستجابة الجنسية دراسةً فيما يتعلق بتأثير الذهان غير المُعالَج. ومع ذلك، توجد بعض الملاحظات التي تستحق التوضيح، إلى جانب فجوة بحثية مهمة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسير النتائج. ومن أبرز الملاحظات التي تناولتها الأدبيات الطبية تأثير بعض الأعراض الذهانية في تجربة القذف نفسها.
الآلية النفسية-الإدراكية: حين تتداخل الأعراض مع لحظة القذف
في حالات نادرة موثقة، قد يُعاني بعض المرضى، خلال النوبات الذهانية الحادة، من هلاوس حسية جسدية (Cenesthetic Hallucinations)، وهي شعور غير حقيقي بأحاسيس أو تغيرات داخل الجسم، وقد تكون ذات طابع جنسي، أو من أوهام تتعلق بالهوية الجنسية أو بالجسد. وقد تُربك هذه التجارب التسلسل الطبيعي للاستجابة الجنسية وصولًا إلى القذف، فتؤدي إلى تسريعه أو تأخيره أو تجعل تجربته غير مألوفة للمريض. وغالبًا ما تتحسن هذه الأعراض مع بدء العلاج المناسب واستقرار الأعراض الإيجابية.
( المصدر: SAGE Journals )
فجوة علمية حقيقية
من الأمانة العلمية الإشارة إلى أن البيانات المتعلقة بتأثير الذهان نفسه، بمعزل عن العلاج الدوائي، في آلية القذف لا تزال محدودة جدًا مقارنة بما هو متوفر عن الرغبة الجنسية والانتصاب. كما أن معظم ما هو موثق عن اضطرابات القذف يرتبط بمضادات الذهان، وليس بالمرض في حالته غير المُعالَجة. ويمثل ذلك إحدى الفجوات البحثية الحالية في الأدبيات الطبية، مما يستدعي الحذر عند تفسير النتائج أو تعميمها.
رأي أطلس الرجل الصحي: بخلاف الرغبة الجنسية والانتصاب، لا تزال الأدلة المتعلقة بتأثير الذهان نفسه في القذف غير كافية للوصول إلى استنتاجات حاسمة. لذلك، ينبغي التعامل مع هذا الجانب بحذر وتجنب ربط أي اضطراب في القذف بالذهان دون وجود دليل علمي يدعم ذلك.
خامسًا: تأثير الذهان على الخصوبة
تعتمد خصوبة الرجل على المحور الوطائي-النخامي-الخصوي (HPG Axis)، وهو المنظومة الهرمونية التي تبدأ في الدماغ وتنتهي في الخصيتين، وتتولى تنظيم إنتاج التستوستيرون والحيوانات المنوية. وقد يتأثر هذا المحور بالذهان من خلال الآليات العصبية والهرمونية نفسها التي تؤثر في الرغبة الجنسية والانتصاب، إلى جانب تأثيرات قد تمتد إلى عملية إنتاج الحيوانات المنوية.
ومن أبرز الآليات التي قد تفسر ذلك تأثير التوتر النفسي المزمن وما يرافقه من تغيرات هرمونية قد تنعكس سلبًا على تكوّن الحيوانات المنوية.
الآلية: من التوتر المزمن والبرولاكتين إلى الحيوان المنوي
كما سبق توضيحه، قد ترتفع مستويات البرولاكتين لدى بعض الرجال المصابين بالذهان حتى قبل بدء العلاج الدوائي. ويُعتقد أن ذلك يرتبط بالتوتر النفسي المزمن، وربما بآليات عصبية ومناعية لا تزال قيد الدراسة.
وقد يؤدي ارتفاع البرولاكتين إلى تثبيط إفراز الهرمون المطلق لموجهات الغدد التناسلية (GnRH) من تحت المهاد، وهو الهرمون الذي يحفز الغدة النخامية على إفراز الهرمونات المنظمة لوظيفة الخصيتين. وينخفض على إثر ذلك إفراز كل من الهرمون الملوتن (LH)، الذي يحفز خلايا لايديغ، وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج هرمون التستوستيرون داخل الخصيتين، والهرمون المنبه للجريبات (FSH)، الذي يحفز خلايا سيرتولي، وهي الخلايا التي تغذي الحيوانات المنوية النامية وتدعم نضجها داخل الخصيتين. وقد يؤدي انخفاض FSH إلى ضعف دعم هذه العملية، مما قد ينعكس سلبًا على إنتاج الحيوانات المنوية.
ما تقوله الدراسات
تشير مراجعة علمية شاملة تناولت تأثير الأمراض النفسية والأدوية النفسية في الخلايا التناسلية إلى أن انخفاض تعداد وحركة الحيوانات المنوية وُثق في عدد من الدراسات، كما تشير إلى أن بعض الاضطرابات النفسية غير المُعالَجة قد ترتبط بتراجع النتائج الإنجابية عبر اضطراب المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA Axis)، وهو المنظومة الهرمونية المسؤولة عن تنظيم استجابة الجسم للتوتر والضغط النفسي. ( المصدر: The Psychiatrist )
كما تشير مراجعة أخرى إلى أن الدراسات التي بحثت تأثير مضادات الذهان في جودة السائل المنوي لا تزال قليلة، وهو ما يمثل إحدى الفجوات البحثية في هذا المجال. وفي المقابل، يبقى ارتفاع البرولاكتين من أكثر الآليات الهرمونية المطروحة لتفسير التراجع المحتمل في الخصوبة، سواء كان مرتبطًا بالمرض نفسه أو بالعلاج الدوائي. ( المصدر: PubMed )
رأي أطلس الرجل الصحي: إذا كان الرجل المصاب بالذهان يخطط للإنجاب في المستقبل القريب، فمن المناسب مناقشة تأثير المرض والعلاج في الخصوبة مع الطبيب المعالج. وفي بعض الحالات، قد يكون إجراء تحليل للسائل المنوي قبل بدء العلاج مفيدًا لتوفير قيمة مرجعية يمكن مقارنتها لاحقًا إذا طرأت تغيرات في الخصوبة.
اقرأ أيضاً: ضعف الخصوبة عند الرجل: أبرز العلامات والأسباب التي لا يجب تجاهلها
سادساً: هل تختلف الصورة حسب نوع الذهان أو مرحلته؟
بعد استعراض تأثير الذهان في الرغبة الجنسية والانتصاب والقذف والخصوبة، يبرز سؤال مهم: هل تتشابه هذه التأثيرات لدى جميع المرضى، أم أنها تختلف باختلاف مرحلة المرض؟ وهل تؤثر مدة بقاء الذهان دون علاج في شدة هذه الاضطرابات؟
مدة الذهان غير المُعالَج (DUP): عامل مهم
مدة الذهان غير المُعالَج (Duration of Untreated Psychosis, DUP) هي الفترة الزمنية الممتدة من ظهور أول نوبة ذهانية وحتى بدء العلاج الفعلي. والنوبة الذهانية هي مرحلة تشتد فيها أعراض الذهان، مثل الهلاوس أو الأوهام أو اضطراب التفكير، أي فقدان القدرة على تنظيم الأفكار بصورة منطقية، واضطراب السلوك، أي صدور تصرفات غير معتادة أو غير ملائمة للموقف، مما يؤثر في إدراك الشخص للواقع وحياته اليومية.
وقد أظهرت الدراسة المذكورة سابقًا أن طول مدة الذهان غير المُعالَج ارتبط بزيادة خطر ضعف الانتصاب وارتفاع مستويات البرولاكتين، مما يشير إلى أن استمرار المرض دون علاج قد يزيد تدريجيًا من تأثيره السلبي في الوظيفة الجنسية. ( المصدر: PubMed )
كما أظهرت دراسات أخرى أن طول مدة الذهان غير المُعالَج يرتبط عمومًا بزيادة شدة الأعراض السلبية، وهي الأعراض الأكثر ارتباطًا بانخفاض الرغبة الجنسية كما أوضحنا سابقًا. ومع ذلك، لم تجد جميع الدراسات هذه العلاقة بصورة ثابتة، مما يشير إلى أن تأثير مدة المرض قد يختلف من مريض إلى آخر. ( المصدر: ScienceDirect )
النوبة الأولى مقابل المرض المزمن
في النوبة الذهانية الأولى، تكون الأعراض الإيجابية، مثل الهلاوس والأوهام، أكثر بروزًا لدى كثير من المرضى، وقد ينعكس ذلك على الحياة الجنسية من خلال تشتيت الانتباه وصعوبة الانخراط في الاستجابة الجنسية بصورة طبيعية. أما في الحالات المزمنة، فقد تصبح الأعراض السلبية أكثر وضوحًا لدى بعض المرضى، مما قد ينعكس بصورة أكبر على الرغبة الجنسية، إلى جانب زيادة الانسحاب الاجتماعي وانخفاض الدافع نحو النشاط الجنسي.
رأي أطلس الرجل الصحي: قد تتغير طبيعة المشكلات الجنسية لدى الرجل المصاب بالذهان مع تطور المرض، لذلك لا ينبغي الاكتفاء بتقييمها عند التشخيص الأول، بل يُستحسن إعادة تقييمها دوريًا مع تغير الأعراض أو الخطة العلاجية.
سابعاً: البُعد النفسي والاجتماعي — الوصمة والعزلة وأثرها على الحياة الجنسية
إلى جانب الآليات العصبية والهرمونية المباشرة، قد يؤثر الذهان أيضًا في الصحة الجنسية من خلال عوامل اجتماعية قد تنعكس على العلاقات العاطفية والحميمة وجودة الحياة الجنسية. وفيما يلي أبرز هذه العوامل وتأثيرها في الصحة الجنسية لدى الرجل:
الوصمة الاجتماعية وأثرها في الثقة بالنفس
الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي (Stigma)، وهي النظرة السلبية أو الأحكام المسبقة التي قد يواجهها المصاب من المجتمع، تدفع كثيرًا من المرضى إلى إخفاء تشخيصهم أو الشعور بالخجل منه، وهو ما قد ينعكس على ثقتهم بأنفسهم كشركاء عاطفيين وجنسيين. وقد وثّقت دراسات أن تحوّل هذه الوصمة إلى قناعة شخصية لدى المريض (Internalized Stigma)، أي عندما يبدأ بتصديق الصورة السلبية عن نفسه، يرتبط بانخفاض تقدير الذات وضعف القدرة على بناء علاقات حميمة.
أثر المرض في العلاقة مع الشريكة
لا يقتصر الأثر الاجتماعي على المريض وحده؛ فقد تؤثر أيضًا ردة فعل الشريكة تجاه المرض، سواء كانت ناتجة عن الخوف أو سوء الفهم أو نقص المعرفة بطبيعته، في جودة العلاقة العاطفية. وقد يؤدي ذلك إلى خلق مسافة عاطفية بين الطرفين، وهو ما قد ينعكس على تكرار العلاقة الحميمة وجودتها.
العزلة الاجتماعية وقلة فرص تكوين العلاقات
الانسحاب الاجتماعي، أي الابتعاد عن التواصل والتفاعل مع الآخرين، قد يصاحب الذهان، سواء كان ناتجًا عن الأعراض السلبية أو عن الخوف من نظرة الآخرين، مما قد يقلل من فرص بناء علاقات عاطفية وجنسية مستقرة. وقد أظهرت دراسات أن ضعف الأداء الاجتماعي لدى المصابين بالذهان يرتبط بانخفاض معدلات الزواج والعلاقات طويلة الأمد. ( المصدر: Psychiatric Services )
رأي أطلس الرجل الصحي: لا تقتصر الصحة الجنسية لدى الرجل المصاب بالذهان على سلامة الهرمونات أو الوظيفة الجنسية، بل تتأثر أيضًا بجودة العلاقات والدعم النفسي والاجتماعي. لذلك، قد يكون تعزيز الثقة بالنفس، وتحسين التواصل مع الشريكة، والحد من العزلة الاجتماعية جزءًا مهمًا من استعادة حياة جنسية وعاطفية أكثر استقرارًا.
ثامناً: هل الذهان نفسه يرفع البرولاكتين حتى دون دواء؟
تستحق هذه النقطة توضيحًا خاصًا، لأنها قد تثير التباسًا عند الحديث عن مضادات الذهان: هل ارتفاع مستويات البرولاكتين لدى بعض المرضى ناتج بالضرورة عن العلاج الدوائي، أم يمكن أن يكون موجودًا قبل بدء العلاج بسبب الذهان نفسه؟
والبرولاكتين هو هرمون تُنتجه الغدة النخامية، ويُعرف أساسًا بدوره في تحفيز إنتاج الحليب بعد الولادة، إلا أن ارتفاع مستوياته لدى الرجال قد يؤدي إلى انخفاض الرغبة الجنسية، وضعف الانتصاب، واضطراب الخصوبة. وتشير الأدلة العلمية إلى أن مستويات البرولاكتين قد ترتفع لدى بعض المرضى حتى قبل بدء أي علاج دوائي، وهو ما أكدته عدة دراسات بحثت هذه العلاقة مباشرة.
ما تقوله الدراسات
أظهرت دراسة أُجريت على 61 مريضًا بنوبة ذهانية أولى لم يتلقوا أي علاج دوائي من قبل، مقارنةً بـ45 شخصًا سليمًا، أن مستويات البرولاكتين كانت أعلى بوضوح لدى المرضى، وبقيت هذه النتيجة حتى بعد ضبط تأثير الجنس والعمر واستهلاك القنّب، وهو أحد المواد المخدرة التي قد تؤثر في بعض الهرمونات ووظائف الدماغ، إضافةً إلى مستوى التوتر النفسي. ( المصدر: PubMed )
كما أظهرت دراسة أخرى شملت 270 مريضًا بنوبة ذهانية أولى لم يتلقوا أي علاج دوائي، مقارنةً بـ153 شخصًا سليمًا، أن الإصابة بالذهان ارتبطت بارتفاع مستويات البرولاكتين، بصرف النظر عن العلاج الدوائي. (المصدر: PubMed)
لماذا يحدث هذا؟
لا تزال الآلية الدقيقة غير مفهومة بالكامل، لكن يُعتقد أن التوتر النفسي المزمن المصاحب للنوبة الذهانية قد يسهم في زيادة إفراز البرولاكتين حتى قبل بدء العلاج الدوائي. وتشير الدراسات إلى أن هذه الزيادة قد ترتبط بالتغيرات التي يسببها التوتر في الأنظمة الهرمونية والعصبية المنظمة لاستجابة الجسم للضغط النفسي، إلا أن تفاصيل هذه الآليات لا تزال قيد الدراسة. ( المصدر: PubMed Central )
رأي أطلس الرجل الصحي: قد يكون ارتفاع البرولاكتين موجودًا لدى بعض المرضى قبل بدء العلاج الدوائي، لذلك فإن تقييم الهرمونات والوظيفة الجنسية في هذه المرحلة يوفر خط أساس للمقارنة، ويساعد على التمييز بين تأثير الذهان نفسه وأي تغيرات قد تظهر لاحقًا مع العلاج.
اقرأ أيضاً: هرمون البرولاكتين عند الرجل: كيف يؤثر على الرغبة الجنسية والانتصاب؟
تاسعًا: دور العلاج النفسي والدعم الأسري في تحسين الصحة الجنسية
بما أن جانبًا من المشكلات الجنسية المرتبطة بالذهان يرتبط بعوامل نفسية واجتماعية، فإن التدخلات غير الدوائية قد تسهم في تحسين بعض هذه الجوانب، ولا ينبغي إغفال دورها ضمن الخطة العلاجية الشاملة.
وفيما يلي أبرز التدخلات غير الدوائية التي قد تساعد في تحقيق ذلك.
تثقيف الشريكة ودعم العلاقة
قد يسهم إشراك الشريكة في فهم طبيعة المرض، عندما يكون ذلك مناسبًا وبموافقة المريض، في تقليل سوء الفهم المرتبط بالمرض، وتخفيف العبء النفسي الذي قد يتحمله المريض داخل العلاقة، مما يساعد على تعزيز التواصل والدعم المتبادل بين الطرفين.
الدعم الأسري كعامل استقرار
يرتبط الدعم الأسري المستقر عمومًا بتحسين الالتزام بالعلاج وتقليل معدلات الانتكاسة، مما قد يسهم في استقرار الأعراض الإيجابية والسلبية مع مرور الوقت. وقد ينعكس ذلك تدريجيًا على جودة الحياة والصحة الجنسية، وإن كان هذا التأثير غير مباشر ويحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجه.
العلاج النفسي والدعم السلوكي
قد يساعد العلاج النفسي، وخاصة العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy, CBT)، وهو أحد أساليب العلاج النفسي الذي يركز على تعديل الأفكار والسلوكيات غير المفيدة، المريض على التعامل مع الوصمة الاجتماعية، وتحسين تقدير الذات، وتعزيز ثقته بنفسه كشريك عاطفي. كما ترتبط برامج التدخل المبكر، وهي برامج تهدف إلى تشخيص الذهان وعلاجه في مراحله الأولى، بتحسن قدرة المريض على ممارسة حياته اليومية والتفاعل مع الآخرين، بما في ذلك بناء علاقات اجتماعية أكثر استقرارًا.
رأي أطلس الرجل الصحي: لا تقتصر رعاية الرجل المصاب بالذهان على العلاج الدوائي، بل تشمل أيضًا العلاج النفسي، والدعم الأسري، وتعزيز التواصل مع الشريك عند الحاجة. وقد تسهم هذه الجوانب في تحسين جودة الحياة والعلاقات الحميمة، إلى جانب دورها في دعم استقرار الحالة النفسية.
اقرأ أيضاً: العلاج المعرفي السلوكي والصحة الجنسية عند الرجال: كيف يساعد في تحسين الأداء الجنسي؟
عاشراً: متى يكون الضعف الجنسي من المرض ومتى من عوامل أخرى؟
بعد استعراض تأثير الذهان في الصحة الجنسية، يبرز سؤال عملي مهم: كيف يمكن التمييز بين المشكلة الناتجة عن المرض نفسه وتلك المرتبطة بالعلاج الدوائي أو بالعوامل النفسية والاجتماعية؟ وفيما يلي أبرز المؤشرات التي قد تساعد على ذلك.
مؤشرات قد تشير إلى أن المشكلة مرتبطة بالذهان نفسه
قد يكون الذهان هو السبب الأكثر احتمالًا إذا ظهرت المشكلة الجنسية قبل بدء أي علاج دوائي، أو تزامنت مع تفاقم الأعراض السلبية أكثر من ارتباطها ببدء دواء جديد أو تغيير جرعته. كما قد يدعم هذا الاحتمال وجود انعدام المتعة الذي يشمل أنشطة الحياة المختلفة، وليس النشاط الجنسي فقط، أو استمرار الذهان فترة طويلة دون علاج.
مؤشرات قد تشير إلى أن المشكلة مرتبطة بالعلاج الدوائي
قد يكون العلاج الدوائي هو السبب الأكثر احتمالًا إذا ظهرت المشكلة الجنسية أو تفاقمت بصورة واضحة بعد بدء دواء جديد أو زيادة جرعته، خاصة في حالات اضطرابات القذف، إذ تشير الأدلة الحالية إلى أنها ترتبط بمضادات الذهان بدرجة أوضح من ارتباطها بالذهان نفسه. كما قد يدعم هذا الاحتمال ظهور علامات أو نتائج فحوصات تشير إلى ارتفاع مستويات البرولاكتين، وهو ما يُناقش بالتفصيل في مقالنا عن مضادات الذهان.
مؤشرات قد تشير إلى دور العوامل النفسية والاجتماعية
قد تكون العوامل النفسية والاجتماعية مؤثرة عندما تبقى الرغبة الجنسية والانتصاب طبيعيين نسبيًا، بينما تكمن الصعوبة الأساسية في بناء علاقة عاطفية أو الحفاظ عليها بسبب القلق الاجتماعي، أو الخجل من التشخيص، أو الخوف من رد فعل الشريكة، أو غير ذلك من الضغوط الاجتماعية والعاطفية.
قاعدة عملية: تساعد هذه المؤشرات على فهم السبب الأكثر احتمالًا للمشكلة، لكنها لا تكفي وحدها للوصول إلى تشخيص دقيق. لذلك، يعتمد التقييم النهائي على مراجعة تاريخ الأعراض، وتوقيت ظهورها، والعلاج المستخدم، إلى جانب التقييم الطبي المتكامل.
متى تراجع الطبيب؟
يُنصح بمراجعة الطبيب النفسي المعالج إذا:
- ظهر انخفاض في الرغبة الجنسية، أو ضعف في الانتصاب، أو تغير في القذف قبل بدء العلاج الدوائي.
- استمرت المشكلة الجنسية رغم استقرار الأعراض الذهانية.
- لوحظ تزامن واضح بين تفاقم الأعراض السلبية وانخفاض الرغبة الجنسية.
- وُجدت رغبة في الإنجاب مع وجود ذهان غير مُسيطَر عليه.
- أثرت المشكلات الجنسية أو الاجتماعية في جودة الحياة أو في الالتزام بالعلاج.
كيف تبدأ مع طبيبك؟
قبل الزيارة، قد يكون من المفيد تدوين بعض المعلومات التي تساعد الطبيب على تقييم الحالة، مثل: هل ظهرت المشكلة الجنسية قبل بدء أي دواء أم بعده؟ وهل بدأت تدريجيًا أم بشكل مفاجئ؟ وما الأعراض النفسية المصاحبة حاليًا، خاصة الأعراض السلبية؟ وهل يوجد انخفاض في الاهتمام بأنشطة أخرى غير النشاط الجنسي؟ وهل توجد رغبة في الإنجاب خلال الفترة المقبلة؟
الفحوصات التي قد يطلبها الطبيب
قد يطلب الطبيب بعض الفحوصات، مثل تحليل البرولاكتين والتستوستيرون، بحسب الأعراض والحالة السريرية. وإذا أُجريت هذه الفحوصات قبل بدء العلاج الدوائي أو في بدايته، فقد توفر خط أساس للمقارنة، مما يساعد على تفسير أي تغيرات قد تظهر لاحقًا. وقد يطلب أيضًا تحليل السائل المنوي عند وجود رغبة في الإنجاب أو عند الاشتباه بوجود مشكلة في الخصوبة.
كيف تصف حالتك للطبيب بدقة؟
يمكن أن تساعد المعلومات الواضحة والدقيقة الطبيب على فهم المشكلة بصورة أفضل. على سبيل المثال:
“لاحظت انخفاضًا في الرغبة الجنسية / ضعفًا في الانتصاب / تغيرًا في القذف منذ [كذا مدة]، وبدأت المشكلة [تدريجيًا / بشكل مفاجئ]، وقد [سبقت / تزامنت مع / تلت] بدء العلاج بـ[اسم الدواء إن وُجد]. كما ألاحظ [أعراضًا أخرى إن وُجدت]، وأرغب في معرفة ما إذا كانت المشكلة مرتبطة بالذهان نفسه أم بالعلاج.”
الخلاصة العلمية
الذهان ليس مجرد حالة قد تؤثر في الصحة الجنسية بسبب العلاج الدوائي، بل قد يؤثر المرض نفسه في الرغبة الجنسية، والانتصاب، والخصوبة عبر عدة آليات متداخلة، تشمل تغيرات في نشاط الدوبامين، وعوامل نفسية واجتماعية، واضطرابات هرمونية، مثل ارتفاع مستويات البرولاكتين. وقد تكون هذه التأثيرات موجودة حتى قبل بدء العلاج الدوائي، كما قد تزداد مع استمرار المرض دون علاج.
أما القذف، فتظل الأدلة المتعلقة بتأثره بالذهان نفسه محدودة مقارنة بالرغبة الجنسية والانتصاب، في حين ترتبط معظم اضطرابات القذف الموثقة في الأدبيات الطبية بمضادات الذهان أكثر من ارتباطها بالمرض نفسه. وإلى جانب العلاج الدوائي، قد يسهم العلاج النفسي، والدعم الأسري، وتثقيف الشريك في تحسين الجوانب النفسية والاجتماعية المرتبطة بالصحة الجنسية، مما يجعلها جزءًا مهمًا من الرعاية الشاملة.
رأي أطلس الرجل الصحي: من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا افتراض أن أي مشكلة جنسية لدى الرجل المصاب بالذهان تعود بالضرورة إلى العلاج الدوائي. وقد يؤدي هذا الاعتقاد إلى تعديل العلاج أو إيقافه دون استشارة الطبيب، أو إلى تأخير طلب العلاج خوفًا من آثاره الجانبية. بينما تشير الأدلة إلى أن استمرار الذهان دون علاج قد يرتبط هو الآخر بتأثيرات سلبية في الصحة الجنسية. لذلك، يبدأ التقييم الدقيق بفهم ما إذا كانت المشكلة موجودة قبل بدء العلاج، أم ظهرت بعده، وهو ما يساعد على اختيار التدخل الأنسب لكل حالة.

الأسئلة الشائعة ❓
هل الضعف الجنسي دائماً بسبب دواء الذهان؟
لا، الدراسات تُظهر أن اضطرابات الرغبة والانتصاب موجودة أحياناً حتى قبل بدء أي علاج دوائي، بسبب آليات مرتبطة بالمرض نفسه. أما اضطرابات القذف فهي أكثر ارتباطاً بالدواء تحديداً من ارتباطها بالمرض في حالته غير المعالَجة.
هل يرتفع البرولاكتين فعلاً بدون أي دواء؟
نعم، أظهرت عدة دراسات أن مرضى النوبة الذهانية الأولى الذين لم يتلقوا أي علاج دوائي كان لديهم برولاكتين أعلى من الأصحاء، ما يشير إلى أن للمرض نفسه أثراً هرمونياً مستقلاً عن الدواء.
هل طول فترة الذهان دون علاج يزيد المشكلة الجنسية سوءاً؟
نعم، أظهرت دراسة أن طول مدة الذهان غير المُعالَج ارتبط بزيادة خطر ضعف الانتصاب وارتفاع مستويات البرولاكتين، مما يؤكد أهمية التشخيص والتدخل العلاجي المبكر، ليس فقط للسيطرة على أعراض الذهان، بل أيضًا للحد من آثاره المحتملة في الصحة الجنسية.
هل تختلف تأثيرات النوبة الأولى عن الذهان المزمن على الحياة الجنسية؟
نعم غالباً؛ النوبة الأولى ترتبط أكثر بتشويش الأعراض الإيجابية على الإثارة الجنسية، بينما يميل الذهان المزمن لأن يؤثر أكثر على الرغبة الأساسية والانسحاب الاجتماعي طويل الأمد عبر الأعراض السلبية.
هل تتأثر خصوبة الرجل بمجرد الإصابة بالذهان حتى دون دواء؟
توجد دلائل على أن الذهان قد يؤثر في الخصوبة لدى بعض الرجال، وربما يحدث ذلك عبر تغيرات هرمونية، مثل ارتفاع مستويات البرولاكتين المرتبط بالتوتر المزمن. ومع ذلك، لا تزال الدراسات المباشرة التي بحثت جودة السائل المنوي لدى المصابين بالذهان غير المُعالَج محدودة، لذلك لا يمكن الجزم بحجم هذا التأثير أو مدى شيوعه.
هل يساعد العلاج النفسي أو الدعم الأسري فعلًا في تحسين الحياة الجنسية؟
نعم، قد يساعدان خصوصًا في الجوانب المرتبطة بالوصمة الاجتماعية، وتقدير الذات، وجودة التواصل والعلاقة مع الشريكة. وهذه جوانب قد لا تتحسن تلقائيًا بمجرد استقرار الأعراض الذهانية، لذلك يُعد العلاج النفسي والدعم الأسري جزءًا مهمًا من الرعاية الشاملة.
كيف يمكن التمييز بين تراجع الرغبة بسبب المرض وبين تراجعها بسبب العزلة الاجتماعية؟
إذا كان التراجع في الرغبة عامًا ويشمل انعدام المتعة تجاه أنشطة أخرى أيضًا، فقد يكون مرتبطًا بالأعراض السلبية للذهان. أما إذا كانت الرغبة الجنسية الأساسية موجودة، لكن الصعوبة تتركز في العلاقة مع الشريكة، فقد تكون العوامل النفسية والاجتماعية هي الأكثر تأثيرًا.
إخلاء المسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال لأغراض تثقيفية وتوعوية فحسب، ولا تُغني عن استشارة الطبيب النفسي أو المختص المعتمد. لا يُوقَف أي علاج نفسي أو تُعدَّل جرعته دون مراجعة طبية مباشرة.
مقالات قد تهمك:
- الاضطرابات النفسية وتأثيرها على الصحة الجنسية عند الرجال
- كيف تحسن الصحة الجنسية عند الإصابة باضطراب نفسي؟ دليل عملي شامل
- مضادات الذهان والأداء الجنسي عند الرجال: كيف تؤثر على الرغبة والانتصاب والقذف؟

