الاضطرابات النفسية وتأثيرها على الصحة الجنسية عند الرجال

صورة بشاشة منقسمة لشاب يمر باضطرابات نفسية مختلفة لمناقشة تأثير الصحة النفسية على الوظيفة الجنسية للرجال.

يجلس رجل في الثلاثينيات من عمره في عيادة الطبيب، محرجاً من أن يبدأ الحديث. جسده سليم تماماً في كل الفحوصات، لكن أداءه الجنسي تراجع بشكل ملحوظ منذ أشهر، ومعه تراجعت ثقته بنفسه. ما لا يعرفه كثيرون هو أن العقل والجسد، في هذه الحالة تحديداً، لا ينفصلان؛ فالاضطرابات النفسية لا تبقى حبيسة الفكر والمزاج، بل تمتد لتصل إلى أدق تفاصيل الأداء الجنسي. والخبر المطمئن أن هذا الرابط مفهوم علمياً بشكل جيد، وأن التعامل معه ممكن بمجرد تشخيصه بدقة.

فقد كشف تحليل تلوي حديث، وهو دراسة تجمع نتائج عدد كبير من الدراسات السابقة وتحللها معاً للوصول إلى تقدير أكثر دقة، أن انتشار الأعراض الاكتئابية، مثل الحزن المستمر، وفقدان الاهتمام أو المتعة، واضطرابات النوم، بين الرجال المصابين بضعف الانتصاب تراوح بين 22% و65%، بحسب أداة القياس المستخدمة. كما ارتبط ضعف الانتصاب بارتفاع احتمال ظهور هذه الأعراض إلى ما يقارب الضعف مقارنةً بالرجال الذين لا يعانون منه. (المصدر: Journal of Men’s Health)

في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — بجولة تفصيلية حول أبرز الاضطرابات النفسية وتأثيرها على الرغبة والانتصاب والقذف، بأسلوب علمي مبسط بعيد عن التهويل.


أولاً: الآلية العامة — كيف يصل التوتر النفسي إلى غرفة النوم؟

قبل الدخول في تفاصيل كل اضطراب نفسي على حدة، من المفيد فهم القاعدة الفسيولوجية المشتركة التي تربط الحالة النفسية بالأداء الجنسي. فالانتصاب ليس مجرد استجابة للإثارة الجنسية، بل هو عملية فسيولوجية عصبية ووعائية دقيقة؛ أي إنه يعتمد على عمل وظائف الجسم بصورة طبيعية، وعلى انتقال الإشارات العصبية من الدماغ والأعصاب، وعلى قدرة الأوعية الدموية على إيصال كمية كافية من الدم إلى القضيب. وتتحقق هذه العملية من خلال توازن الجهاز العصبي اللاإرادي، وهو الجزء من الجهاز العصبي المسؤول عن تنظيم الوظائف التي تتم تلقائياً دون تدخل إرادي، مثل نبض القلب وضغط الدم والتنفس.

ويتكوّن هذا الجهاز من فرعين رئيسيين يعملان بتوازن مستمر. الأول هو الجهاز السمبثاوي (الودي)، الذي ينشط في حالات الخطر أو التوتر ويهيئ الجسم لاستجابة تُعرف بـ”الكر أو الفر”، فيرفع معدل ضربات القلب وضغط الدم ويعيد توجيه تدفق الدم إلى العضلات استعداداً للمواجهة أو الهروب. أما الثاني فهو الجهاز الباراسمبثاوي (نظير الودي)، الذي ينشط في أوقات الراحة والاسترخاء، ويهيئ الظروف المناسبة للهضم والتعافي، كما يؤدي دوراً أساسياً في بدء الانتصاب والمحافظة عليه.

وفي الظروف الطبيعية، يبدأ الانتصاب عندما يغلب نشاط الجهاز الباراسمبثاوي (نظير الودي)؛ إذ يحفّز الأعصاب على إفراز أكسيد النيتريك، وهو جزيء يرخّي العضلات الملساء داخل الأجسام الكهفية في القضيب، فيسمح بتمدد الشرايين وزيادة تدفق الدم إليها، فتبدأ عملية الانتصاب.

لكن عند التعرض لضغط نفسي أو اضطراب نفسي مستمر، يظل الجهاز السمبثاوي في حالة نشاط مرتفع لفترات طويلة، فيزداد إفراز هرمونات التوتر، مثل الأدرينالين والنورأدرينالين. وتؤدي هذه الهرمونات إلى تضييق الأوعية الدموية، بما فيها الأوعية المغذية للقضيب، كما تعيق إفراز أكسيد النيتريك وتمنع العضلات الملساء في الأجسام الكهفية، وهي نسيجان إسفنجيان يمتلئان بالدم أثناء الانتصاب، من الاسترخاء بصورة كافية. ونتيجة لذلك، يقل تدفق الدم إلى القضيب أو يصبح غير كافٍ للحفاظ على الانتصاب، فتظهر مشكلة ضعف الانتصاب أو تزداد سوءاً.

وبالتوازي مع هذه التغيرات العصبية والوعائية، ينشّط التوتر أيضاً محور ما تحت المهاد-الغدة النخامية-الكظرية (المعروف اختصاراً بمحور HPA، وهو المنظومة الهرمونية الرئيسة التي تنظم استجابة الجسم للتوتر)، مما يؤدي إلى زيادة إفراز هرمون الكورتيزول. وقد أظهرت دراسات أن ارتفاع مستويات الكورتيزول قد يضعف الاستجابة الطبيعية للأنسجة الكهفية، وهي الأنسجة الإسفنجية التي تمتلئ بالدم أثناء الانتصاب، حتى عند استخدام أدوية موسعة للأوعية؛ إذ يقلل من استجابة العضلات الملساء داخلها لمرخيات العضلات التي تُحقن مباشرة في الأجسام الكهفية.

( المصدر: Springer Nature Link )

أما على مستوى الدماغ، فتؤثر الاضطرابات النفسية أيضاً في توازن عدد من النواقل العصبية، وهي مواد كيميائية تنقل الإشارات بين الخلايا العصبية. ومن أهمها السيروتونين والدوبامين، اللذان يؤديان دوراً أساسياً في تنظيم الرغبة الجنسية والإثارة والشعور بالمتعة.

ويمتد تأثير هذين الناقلين إلى تنظيم توقيت القذف أيضاً؛ فالسيروتونين يميل في الظروف الطبيعية إلى تأخير القذف، بينما يرتبط الدوبامين بتعزيز الدافع الجنسي وتسهيل حدوثه. لذلك فإن أي اضطراب نفسي يخل بالتوازن بين هذين الناقلين قد ينعكس على توقيت القذف، فيسهم لدى بعض الرجال في تسريعه، ولدى آخرين في تأخيره، تبعاً لطبيعة الاضطراب والتغيرات العصبية المصاحبة له.

نقطة مهمة يجب توضيحها هنا: التأثير الحاد مقابل التأثير المزمن. ليست كل تجربة توتر أو قلق تترك أثراً دائماً؛ فنوبة قلق عابرة (كالتوتر قبل مقابلة عمل مثلاً) قد تُضعف الانتصاب في تلك الليلة تحديداً دون أن تترك أثراً يُذكر بعد زوالها، لأن الجسم يعود لتوازنه الطبيعي بمجرد توقف إفراز هرمونات التوتر. أما الاضطراب المزمن المستمر لأشهر أو سنوات، فيُبقي الجهاز السمبثاوي في حالة تنشيط شبه دائمة، ما يجعل الجسم “ينسى” تدريجياً كيفية الوصول إلى حالة الاسترخاء اللازمة للانتصاب حتى في غياب أي ضغط مباشر لحظة العلاقة، وهو ما يفسر لماذا تحتاج الحالات المزمنة وقتاً أطول للتعافي حتى بعد بدء العلاج النفسي المناسب.

بهذا الفهم العام، يصبح أسهل استيعاب كيف يترجم كل اضطراب نفسي هذه الآلية المشتركة بطريقته الخاصة، وهو ما سيتم تفصيله فيما يلي.


ثانياً: الاكتئاب وتأثيره على الصحة الجنسية

الاكتئاب هو اضطراب مزاجي مزمن يتميز بشعور مستمر بالحزن أو فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت ممتعة سابقاً، ولا يقتصر تأثيره على المزاج فحسب، بل يمتد ليشمل الطاقة الجسدية والدافعية، أي الرغبة الداخلية التي تحفّز الإنسان على القيام بالأنشطة المختلفة، بما في ذلك النشاط الجنسي.

وفيما يلي أبرز تأثيراته على المحور الجنسي:

التأثير على الرغبة الجنسية:

يُعد تراجع الرغبة الجنسية أحد أكثر الأعراض ارتباطاً بالاكتئاب، ويُفسَّر ذلك بانخفاض نشاط الدوبامين، وهو الناقل العصبي المسؤول عن الإحساس بالمكافأة والدافعية، بما في ذلك الدافعية نحو النشاط الجنسي. إذ يؤدي الاكتئاب إلى تراجع في تصنيع الدوبامين وإفرازه ضمن دوائر المكافأة في الدماغ، وهي شبكة من المناطق الدماغية المسؤولة عن الشعور بالمتعة والتحفيز والرغبة، وهو ما يفسر ظاهرة فقدان الشعور بالمتعة (Anhedonia)، وهي فقدان القدرة على الاستمتاع بالأنشطة التي كانت تمنح الشخص شعوراً بالمتعة سابقاً، مثل الهوايات أو الطعام أو التفاعل الاجتماعي أو النشاط الجنسي، رغم استمرار القدرة الجسدية على ممارستها. ( المصدر: Translational Psychiatry )

التأثير على الانتصاب:

بالإضافة إلى الآلية العامة المذكورة أعلاه، فإن الاكتئاب يترافق غالباً مع اضطرابات النوم والإرهاق المزمن، وكلاهما يقلل من مستويات هرمون التستوستيرون، الهرمون الجنسي الرئيسي عند الرجل، مما يضعف الاستجابة الجسدية للمثيرات الجنسية، وهي كل ما يثير الرغبة أو الاستجابة الجنسية، مثل اللمس أو المشاهد أو الأفكار أو الخيال الجنسي.

ولا يقتصر أثر هذه التغيرات على تفسير الآليات البيولوجية فحسب، بل ينعكس أيضاً بوضوح في الدراسات السريرية. فقد وجدت دراسة أُجريت في الصين على مرضى ضعف الانتصاب أن معدل انتشار الاكتئاب بينهم بلغ نحو 65%؛ إذ بلغ انتشار القلق والاكتئاب 38.16% و64.97% على التوالي. ويعكس هذا الارتفاع مدى الترابط الوثيق بين ضعف الانتصاب والاكتئاب في الممارسة الطبية اليومية، وليس مجرد تزامن عابر بين الحالتين. ( المصدر: PubMed Central )

التأثير على القذف:

الارتباط هنا أقل وضوحاً من الرغبة والانتصاب، لكن بعض الرجال المصابين بالاكتئاب يعانون من تأخر القذف نتيجة تراجع عام في الاستثارة الحسية، أي انخفاض استجابة الجسم والدماغ للمثيرات الجنسية، مثل اللمس والإثارة الجنسية، مما يجعل الوصول إلى القذف يحتاج إلى وقت أو تحفيز أكبر. وقد وجدت دراسة أُجريت على مرضى الاكتئاب ارتباطاً واضحاً بين شدة الأعراض الاكتئابية وزيادة الوقت الكامن للقذف، وهو الزمن الذي يستغرقه الرجل للوصول إلى القذف بعد بدء الإيلاج. (المصدر: Andrologia)

بينما تشير دراسات أخرى إلى إمكانية حدوث القذف المبكر لدى فئة أخرى، إذ وثّقت دراسة صينية واسعة أن معدل انتشار الاكتئاب بين مرضى القذف المبكر بلغ نسبة معتبرة أيضاً. وهو ما يعكس تبايناً فردياً في استجابة الجسم للاضطراب الواحد. ( المصدر: WILEY )

رأي أطلس الرجل الصحي: يختلف تأثير الاكتئاب في الرغبة الجنسية والانتصاب والقذف من رجل إلى آخر؛ فقد يكون تراجع الرغبة الجنسية هو العرض الأبرز لدى بعض الرجال، بينما يعاني آخرون من ضعف الانتصاب أو من تأخر القذف، وقد تظهر هذه الاضطرابات مجتمعة أو منفردة. لذلك، لا يكفي تشخيص الاكتئاب وحده لتقييم أثره في الصحة الجنسية، بل ينبغي تقييم كل وظيفة جنسية على حدة لدى كل مريض، وعدم افتراض أن جميع الرجال يتأثرون بالطريقة نفسها.

اقرأ أيضاً: الاكتئاب والأداء الجنسي عند الرجل: كيف يؤثر على الانتصاب والرغبة الجنسية؟


ثالثاً: اضطرابات القلق (القلق العام واضطراب الهلع)

القلق اضطراب يتسم بشعور مفرط ومستمر بالخوف أو التوتر تجاه مواقف الحياة اليومية، أي إحساس داخلي بالترقب أو الخطر الوشيك حتى في غياب أي تهديد فعلي واضح، دون أن يتناسب هذا الشعور بالضرورة مع حجم الموقف الحقيقي.

وللوهلة الأولى قد يبدو منطقياً أن يؤدي القلق، مثل الاكتئاب، إلى ضعف عام وموحد في الأداء الجنسي، لكن الحقيقة أن تأثيره أكثر تعقيداً وتبايناً؛ فبينما يضعف الانتصاب لدى كثير من المصابين، فإنه في المقابل قد يسرّع القذف لدى فئة أخرى. ويعود ذلك إلى فرط التنبه العصبي، وهو حالة يبقى فيها الدماغ والجهاز العصبي في حالة يقظة واستنفار مستمرين، فيستجيب الجسم للمثيرات بسرعة أكبر من المعتاد. ونتيجة لذلك، قد تزداد الاستجابة للمثيرات الجنسية، مثل اللمس أو الاحتكاك، مما قد يسهّل الوصول إلى القذف لدى بعض الرجال بدلاً من إضعاف الاستجابة الجنسية بالكامل كما يحدث في حالات أخرى.

وفيما يلي أبرز تأثيراته على المحور الجنسي:

التأثير على الرغبة الجنسية:

غالباً ما تتراجع الرغبة لدى مرضى القلق المزمن، أي القلق الذي يستمر لأشهر أو سنوات دون فترات “هدأة” واضحة، أي دون فترات يخف فيها القلق بصورة ملحوظة. إذ يستنزف التوتر المستمر الطاقة الذهنية والانتباه المطلوبين للانخراط في المثيرات الجنسية والاستجابة لها بشكل طبيعي؛ فالذهن المشغول بالترقب المستمر لخطر محتمل يصعب عليه التحول بسهولة إلى حالة الاسترخاء الذهني اللازمة لبدء الرغبة الجنسية أو الاستمرار فيها.

التأثير على الانتصاب:

ولا يقتصر هذا الأثر على التفسير النظري فحسب، بل تؤكده الدراسات السريرية أيضاً؛ فقد وجدت مراجعة منهجية شملت اضطرابات القلق المختلفة أن متوسط معدل انتشار ضعف الانتصاب بين المصابين بلغ 20%، بدرجة شدة تراوحت بين الخفيفة والمتوسطة. (المصدر: PubMed Central)

كذلك أشارت مراجعة متخصصة إلى أن اضطراب الهلع تحديداً، وهو نوبات مفاجئة وحادة من الخوف الشديد المصحوبة بأعراض جسدية كخفقان القلب وضيق التنفس، يرتبط بشكل قوي بتجنب النشاط الجنسي بالكامل أحياناً، إذ ترتفع لدى المصابين به نسبة الإصابة بضعف الانتصاب بمقدار يتراوح بين 1.33 و2.29 ضعفاً مقارنة بغير المصابين. (المصدر: Psychiatric Times)

التأثير على القذف:

كما ذُكر أعلاه، قد يرتبط القلق بالقذف المبكر، أي حدوث القذف في وقت أقرب مما يرغب فيه الرجل أو شريكته. وقد أظهر تحليل تلوي حديث وجود ارتباط ملحوظ بين اضطرابات القلق والقذف المبكر، ويُفسَّر ذلك بأن فرط التنبه العصبي المصاحب للقلق قد يجعل الجسم أكثر حساسية للإثارة الجنسية، فيصل إلى مرحلة القذف بسرعة أكبر. ( المصدر: PubMed Central )

لكن القلق لا يؤدي دائماً إلى تسريع القذف؛ فبعض الرجال قد يعانون من تأخره أو صعوبة الوصول إليه رغم استمرار الإثارة. ويحدث ذلك عندما ينشغل الذهن بالخوف أو الترقب إلى درجة تُضعف التركيز على الإحساس الجسدي والمثيرات الجنسية اللازمة للوصول إلى القذف.

رأي أطلس الرجل الصحي: يلاحَظ هنا أن القلق، على عكس الاكتئاب الذي يميل غالباً لإضعاف الأداء الجنسي بشكل عام، قد يسير باتجاهين متعاكسين تماماً على مستوى القذف تحديداً؛ فقد يُبطئه لدى رجل ويُسرّعه لدى آخر، وهو ما يستدعي عدم افتراض نمط واحد للتأثير عند تقييم أي رجل يعاني من قلق مزمن أو اضطراب هلع، بل النظر لكل عرض بحد ذاته ضمن سياق حالته الفردية.


رابعاً: قلق الأداء الجنسي

يُفرد قلق الأداء الجنسي بقسم مستقل عن اضطرابات القلق العامة، لأنه، على عكس القلق العام الذي يمتد ليشمل جوانب الحياة كافة، يرتبط تحديداً وحصرياً بالموقف الجنسي نفسه، ويُعد من أكثر الأسباب النفسية شيوعاً لضعف الانتصاب لدى الشباب. وغالباً ما ينشأ من حلقة مفرغة، تبدأ بحدوث تجربة فشل أو خوف من الفشل، فتزيد مراقبة الرجل لأدائه وقلقه خلال العلاقة، مما يضعف الانتصاب أو يسرّع القذف، فيزداد خوفه من تكرار المشكلة في المرة التالية، فتتكرر الدائرة مرة بعد أخرى.

وفيما يلي أبرز تأثيراته في الصحة الجنسية:

التأثير على الرغبة الجنسية:

قد لا تتأثر الرغبة الأساسية بشكل مباشر لدى المصاب بقلق الأداء، أي أن الدافع الجنسي بحد ذاته يبقى موجوداً، لكن الخوف المسبق من “الفشل” في العلاقة، أي توقع تكرار تجربة سابقة غير مُرضية، يجعل الرجل يتجنب المبادرة الجنسية أصلاً تفادياً لمواجهة الموقف من جديد. وبهذا يظهر الأمر ظاهرياً وكأنه تراجع حقيقي في الرغبة، رغم أن السبب الفعلي هو الخوف من الموقف نفسه لا غياب الدافع الجنسي.

التأثير على الانتصاب:

هنا تتضح السلسلة السببية بشكل مباشر ومتسلسل: يبدأ الأمر بموقف واحد فَشِل فيه الانتصاب لسبب عابر (إرهاق، كحول، توتر مؤقت)، فيتولد قلق من تكرار الموقف نفسه في المرة القادمة، وهذا القلق يُنشّط الجهاز العصبي السمبثاوي، أي الجهاز المسؤول عن استجابة “الكر أو الفر”، ويرفع مستويات الأدرينالين، ما يضيّق الأوعية الدموية في القضيب ويمنع الانتصاب فعلياً في المرة التالية، وهذا الفشل الفعلي المتكرر يعزز القلق أكثر من ذي قبل، ليتكرر النمط من جديد بشكل أشد. وتشير بيانات من مركز متخصص بالصحة الجنسية إلى أن هذا النمط شائع فعلياً وليس نادراً؛ فمن بين أكثر من 172 ألف مريض راجعوا لأسباب متعلقة بضعف الانتصاب، ارتبطت نسبة معتبرة منهم بأسباب مرتبطة تحديداً بقلق الأداء. ( المصدر: Allo Health )

التأثير على القذف:

قد يظهر تأثير قلق الأداء على شكل قذف مبكر، ناتج عن فرط التنبه العصبي المصاحب للتوتر، الذي يجعل الجسم أكثر حساسية للمثيرات الجنسية، فيصل الرجل إلى القذف بسرعة أكبر. وعلى العكس تماماً، قد يظهر على شكل تأخر في القذف، ناتج عن انشغال الذهن الكامل بمراقبة الأداء وتقييمه لحظة بلحظة، بدلاً من الانغماس الطبيعي في التجربة الحسية نفسها. وهي الآلية نفسها التي شُرحت سابقاً عند الحديث عن تأثير القلق العام في القذف، لكن مصدر القلق هنا يقتصر على الموقف الجنسي نفسه، لا على القلق العام الذي يمتد إلى جوانب الحياة الأخرى.

رأي أطلس الرجل الصحي: يُعد قلق الأداء من أوضح الأمثلة على أن السبب النفسي والنتيجة الجسدية يغذيان بعضهما البعض باستمرار؛ فكسر هذه الحلقة لا يبدأ بالضرورة من علاج جسدي مباشر، بل من فهم الرجل نفسه لطبيعة الحلقة وكيف يُغذيها قلقه من الفشل، وهو ما يجعل الوعي بالآلية نفسها خطوة علاجية أولى بحد ذاتها قبل أي تدخل آخر.

اقرأ أيضاً: القلق الجنسي عند الرجل: الأسباب وتأثيره على الأداء الجنسي


خامساً: اضطراب القلق الاجتماعي (الرهاب الاجتماعي)

يختلف اضطراب القلق الاجتماعي عن قلق الأداء الجنسي في نقطة جوهرية تستحق التوضيح: فبينما يتمحور قلق الأداء حول الخوف من “فشل” الموقف الجنسي نفسه تحديداً، غالباً بعد تجربة سابقة غير مُرضية، يتمحور القلق الاجتماعي حول خوف أعمق وأشمل من التقييم أو الحكم أو النقد من الآخرين بشكل عام، في أي موقف اجتماعي كان، والعلاقة الجنسية هنا ما هي إلا أحد المواقف التي يظهر فيها هذا الخوف الأشمل بأوضح صوره، لا الموقف الوحيد أو الأساسي المسبب له.

وفيما يلي أبرز تأثيراته على المحور الجنسي:

التأثير على الرغبة الجنسية:

قد تتراجع المبادرة للعلاقة الحميمة نتيجة الخوف المسبق من التقييم، أي القلق من أن يُنظر إليه بشكل سلبي أو يُقارَن بمعايير غير واقعية، وهو خوف يظهر بوضوح أكبر خصوصاً في بدايات العلاقة أو مع شريك جديد لم تُختبر معه الثقة بعد، بينما قد يقل هذا التأثير تدريجياً مع شريك طويل الأمد تشكّلت معه علاقة أمان نفسي أكبر.

التأثير على الانتصاب:

الانشغال المفرط بتوقعات الشريك، أي محاولة مراقبة ردود فعله أو استباق رأيه بصورة مستمرة أثناء العلاقة، يسحب انتباه الرجل بعيداً عن المثيرات الجنسية الفعلية اللازمة للاستثارة الطبيعية، ويُبقي الجهاز العصبي السمبثاوي في حالة تأهب مرتفعة ومستمرة. وهي الآلية نفسها الموصوفة سابقاً في قلق الأداء الجنسي، لكن مصدر القلق هنا أعمق وأشمل، إذ يرتبط بالخوف من تقييم الشريك أو رفضه، لا بمجرد الخوف من تكرار تجربة فشل سابقة.

التأثير على القذف:

يُعد القلق الاجتماعي من أكثر الاضطرابات ارتباطاً بالقذف المبكر تحديداً، مقارنة بباقي اضطرابات القلق الأخرى، إذ يرتبط الرهاب الاجتماعي بارتفاع نسبة انتشاره بين 25.5% و47% لدى المصابين بالقذف المبكر، ويُعزى ذلك إلى فرط النشاط السمبثاوي الذي يقلل من قدرة الرجل على التحكم بتوقيت القذف والتحكم بردة فعل جسده. ( المصدر: Psychiatric Times )

رأي أطلس الرجل الصحي: من المهم التمييز بين قلق الأداء والقلق الاجتماعي رغم تشابه تأثيرهما الظاهري في الصحة الجنسية؛ فقلق الأداء قد يتحسن بعد تجربة جنسية ناجحة تكسر حلقة الخوف من الفشل، بينما يرتبط القلق الاجتماعي بخوف أوسع من تقييم الآخرين، لذلك قد يتطلب علاجاً نفسياً أشمل يعالج أصل هذا الخوف، لا التركيز على الأداء الجنسي وحده.


سادساً: اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)

اضطراب ما بعد الصدمة حالة نفسية تنشأ بعد التعرض لحدث صادم، أي موقف يهدد حياة الشخص أو سلامته الجسدية أو النفسية بصورة مباشرة، مثل حادث سير خطير، أو المشاركة في حرب أو نزاع مسلح، أو التعرض لاعتداء جسدي أو جنسي. ويتميز بحالة من فرط اليقظة العصبية المستمرة، أي بقاء الجسم والذهن في حالة تأهب دائم لأي خطر محتمل، حتى في غياب أي تهديد فعلي في اللحظة الراهنة.

وتستند معظم الأدلة العلمية حول تأثير اضطراب ما بعد الصدمة في الصحة الجنسية إلى دراسات أُجريت على قدامى المحاربين، لذلك ينبغي تفسير نتائجها بحذر عند تعميمها على الرجال الذين نشأ اضطرابهم بعد أنواع أخرى من الصدمات، مثل حوادث السير أو الاعتداءات الجسدية أو الجنسية.

وفيما يلي أبرز تأثيراته في الصحة الجنسية:

التأثير على الرغبة الجنسية:

يُعد تراجع الرغبة الجنسية أحد أكثر الأعراض ارتباطاً باضطراب ما بعد الصدمة. وتُظهر الدراسات أن هذا الاضطراب يرتبط بتراجع الوظيفة الجنسية الكلية والرضا الجنسي، إلى جانب ارتفاع معدلات الضيق الجنسي، وهو شعور بعدم الارتياح أو الانزعاج المرتبط بالنشاط الجنسي نفسه. ( المصدر: ScienceDirect )

وجدت مراجعة منهجية شاملة لدراسات أُجريت على قدامى المحاربين أن معدل انتشار الاضطرابات الجنسية بينهم تراوح بشكل واسع بين 8.4% و88.6%، وهو تفاوت كبير يُعزى جزئياً إلى اختلاف المنهجيات المستخدمة بين الدراسات، أي اختلاف تعريف الاضطرابات الجنسية وطرق قياسها من دراسة إلى أخرى. ( المصدر: Sexual Medicine Reviews )

وفي دراسة مقارنة مباشرة بين المصابين وغير المصابين، كانت كفاءة الانتصاب أقل بشكل ملحوظ لدى المصابين بالاضطراب؛ إذ بلغ متوسط الدرجة الكلية في مقياس تقييم الانتصاب 26.38 لدى المصابين، مقابل 40.86 لدى غير المصابين، وهو فارق كبير يعكس حجم تأثير الاضطراب في القدرة على الانتصاب.

( المصدر: PubMed )

التأثير على القذف:

الأدلة هنا أقل اتساقاً واتفاقاً بين الدراسات مقارنة بالرغبة والانتصاب؛ فبينما وثّقت بعض الدراسات ارتفاع معدلات القذف المبكر بين المصابين، وجدت المراجعة نفسها نتائج متباينة في هذا الجانب تحديداً، إذ اختلفت النتائج فيما يخص الاستثارة الجنسية، والقدرة على الوصول إلى النشوة الجنسية، وضعف الانتصاب، والقذف المبكر، وألم الجماع، وتكرار النشاط الجنسي. لذا قد يكون من الأدق القول إن الاضطراب قد يؤثر في توقيت القذف دون تعميم قاطع باتجاه واحد ثابت. (المصدر: ScienceDirect )

رأي أطلس الرجل الصحي: يستحق فرط اليقظة العصبية المستمرة، وهو جوهر اضطراب ما بعد الصدمة، اهتماماً خاصاً عند التعامل مع أي رجل يعاني من تراجع جنسي مفاجئ بعد حدث صادم؛ إذ إن الجسد هنا لا “يرفض” العلاقة الحميمة بقدر ما يبقى عالقاً في حالة تأهب دفاعي لا تسمح له بالانتقال الطبيعي لحالة الاسترخاء اللازمة للاستجابة الجنسية، وهو ما يجعل معالجة الصدمة نفسها، لا الأداء الجنسي بمعزل عنها، نقطة البداية الأهم في أغلب الحالات.


سابعاً: اضطراب ثنائي القطب

اضطراب ثنائي القطب هو اضطراب مزاجي يتأرجح فيه المريض بين نوبات اكتئابية ونوبات هوس أو هوس خفيف، أي فترات ترتفع فيها الطاقة والنشاط والاندفاعية، وهي الميل إلى التصرف بسرعة ودون تفكير كافٍ في العواقب، بصورة تفوق المعتاد. ويمنح ذلك هذا الاضطراب طابعاً فريداً بين الاضطرابات النفسية؛ إذ لا يكون تأثيره في الصحة الجنسية أحادي الاتجاه كما في معظم الاضطرابات الأخرى، بل يتغير بصورة واضحة بحسب المرحلة التي يمر بها المريض، سواء كانت نوبة اكتئاب أم نوبة هوس أو هوس خفيف.

وفيما يلي أبرز تأثيراته في الصحة الجنسية:

التأثير على الرغبة الجنسية:

خلال النوبة الاكتئابية، تتراجع الرغبة الجنسية بشكل واضح، بنفس الآلية الموصوفة سابقاً في قسم الاكتئاب (تراجع نشاط الدوبامين وما يرافقه من فقدان الشعور بالمتعة). أما خلال نوبة الهوس أو الهوس الخفيف، فقد يحدث العكس تماماً: فرط في الرغبة الجنسية والاندفاعية، لدرجة قد تصل أحياناً إلى سلوكيات جنسية عالية المخاطر، أي سلوكيات تنطوي على مخاطرة صحية أو اجتماعية لم يكن المريض ليقدم عليها في حالته المعتادة. وقد لاحظت دراسة نوعية أن تقلبات الرغبة الجنسية قد تكون في بعض الأحيان إشارة تحذيرية مبكرة لبداية نوبة جديدة، قبل ظهور باقي الأعراض المزاجية بوضوح. ( المصدر: PubMed )

التأثير على الانتصاب:

في دراسة استقصائية أُجريت على مرضى اضطراب ثنائي القطب خلال نوبة اكتئاب حادة، بلغ معدل انتشار الاضطرابات الجنسية 91%، وهي نسبة مرتفعة جداً، بواقع 53.3% من الذكور و46.7% من الإناث. (المصدر: PubMed)

وتُفسَّر هذه النسبة المرتفعة بأن نوبة الاكتئاب الحاد في ثنائي القطب عادة أشد وأعمق من نوبة الاكتئاب الاعتيادي، ما يجعل تأثيرها على الدوبامين والرغبة والانتصاب أقوى أيضاً بنفس الآلية الموصوفة سابقاً في قسم الاكتئاب، لكن بصورة مضاعفة.

كما وجدت دراسة تابعت مجموعة كبيرة من الرجال عبر فترة زمنية طويلة أن التشخيص الحديث باضطراب ثنائي القطب يرتبط بزيادة لاحقة وملحوظة في خطر الإصابة بضعف الانتصاب. ويُحتمل أن يعود هذا الارتباط طويل المدى، جزئياً على الأقل، إلى الأدوية التي يبدأ أغلب المرضى بتناولها فور التشخيص (كمثبتات المزاج أو مضادات الذهان)، وهي أدوية معروفة بتأثيرها المباشر على الانتصاب بمعزل عن المرض نفسه، ما يجعل من الصعب الفصل الكامل بين تأثير الاضطراب وتأثير علاجه في هذا النوع من الدراسات تحديداً.

( المصدر: PubMed )

التأثير على القذف:

الأدلة هنا أقل شمولاً مقارنة بالرغبة والانتصاب، لكنها موجودة فعلياً. فقد وجدت دراسة قارنت الوظيفة الجنسية بين مرضى ثنائي القطب والأصحاء أن القذف المبكر كان ثاني أكثر مشكلة جنسية شيوعاً بين المرضى الذكور، بعد مشكلة تراجع وتيرة النشاط الجنسي العام، وأن معدلاته كانت أعلى بشكل واضح لدى المرضى مقارنة بالأصحاء. ( المصدر: PMC )

ويُضاف إلى ذلك مثال سريري موثّق يوضح جانباً آخر من العلاقة: فقد وثّق تقرير حالة ظهور قذف مبكر مفاجئ لدى رجل مصاب بثنائي القطب بعد بدئه بعلاج الليثيوم، وهو أحد مثبتات المزاج الأساسية لهذا الاضطراب، وتحسّنت الحالة سريعاً بعد تخفيض الجرعة، ما يرجّح أن السبب كان الدواء نفسه لا المرض. وهذا يؤكد مجدداً الصعوبة الحقيقية بالفصل بين تأثير الاضطراب وتأثير أدويته. ( المصدر: Wiley )

رأي أطلس الرجل الصحي: استمرار الاضطرابات الجنسية حتى خلال مرحلة الهدأة يطرح سؤالاً مهماً حول سببها الحقيقي؛ إذ يُحتمل أن يعود جزء منها إلى تأثير الأدوية المستخدمة لضبط المزاج، مثل مثبتات المزاج ومضادات الذهان، أكثر من الاضطراب نفسه. لذلك سنفرد لهذه النقطة شرحاً مستقلاً في المقال القادم من هذه السلسلة عن الأدوية النفسية، لتمييز تأثير المرض عن تأثير علاجه.


ثامناً: اضطراب الوسواس القهري (OCD)

اضطراب الوسواس القهري يتميز بأفكار متطفلة متكررة، تُعرف بالوساوس، وهي أفكار أو صور ذهنية غير مرغوبة تفرض نفسها على ذهن المريض رغم إرادته، إلى جانب سلوكيات قهرية يلجأ إليها لتخفيف القلق الناتج عنها، مثل التحقق المتكرر أو الغسل المفرط، كغسل اليدين أو الاستحمام بصورة متكررة تفوق الحاجة الفعلية. ويأخذ تأثير هذا الاضطراب في الصحة الجنسية مساراً مختلفاً عن بقية اضطرابات القلق التي ذُكرت سابقاً؛ إذ قد يرتبط أحياناً بمحتوى الوساوس نفسه مباشرة، لا بالقلق المصاحب لها فحسب.

وفيما يلي أبرز تأثيراته في الصحة الجنسية:

التأثير على الرغبة الجنسية:

قد تتراجع الرغبة الجنسية بسبب انشغال الذهن المستمر بالوساوس المتكررة التي تستنزف الطاقة الذهنية المتاحة، أو بسبب تجنب مباشر للنشاط الجنسي بالكامل في حال ارتبطت هذه الوساوس تحديداً بمخاوف من التلوث أو انتقال العدوى، وهي من أكثر أنماط الوساوس شيوعاً بهذا الاضطراب.

التأثير على الانتصاب:

وجدت دراسة قارنت بين مرضى الوسواس القهري الذين يعانون من أعراض اكتئابية مصاحبة والذين لا يعانون منها أن نحو ربع الرجال عانوا من اضطرابات جنسية. كما أظهرت النتائج أن وجود الاكتئاب المصاحب ارتبط بتدهور أكبر في الصحة الجنسية؛ إذ كانت درجات الانتصاب والرضا الجنسي أقل بوضوح لدى المرضى الذين يعانون من أعراض اكتئابية مقارنة بمن لا يعانون منها. كذلك، كان 82% من المرضى الذين عانوا من اضطرابات جنسية يعانون أيضاً من أعراض اكتئابية مصاحبة. ( المصدر: PubMed )

وهذا يؤكد نقطة مهمة: التأثير الأكبر على الانتصاب في حالات الوسواس القهري غالباً ما يكون بوساطة الاكتئاب المصاحب له، لا الوسواس بحد ذاته بمعزل عنه.

التأثير على القذف:

قد تتسلل الوساوس إلى الموقف الجنسي نفسه، كأن ينشغل الرجل باستمرار بالتحقق من صحة ما يفعله أو من النظافة، مما يشتت انتباهه عن المثيرات الجنسية الفعلية اللازمة للاستجابة الطبيعية. وهي الآلية المعرفية نفسها التي شُرحت سابقاً في قسم قلق الأداء الجنسي، وقد تؤدي إلى تأخر القذف نتيجة انخفاض الاستثارة الحسية، أو إلى تفاقم القذف المبكر إذا تزامنت مع قلق أداء مصاحب.

رأي أطلس الرجل الصحي: يستحق الوسواس القهري تعاملاً مختلفاً عن باقي اضطرابات القلق عند تقييم أثره الجنسي؛ فبدل التركيز على “القلق” كعامل عام مؤثر فقط، يجب الانتباه إلى محتوى الوساوس نفسها تحديداً (كوساوس التلوث أو الشك)، لأنها قد تتداخل مباشرة مع الموقف الجنسي بطريقة أعمق من مجرد التوتر النفسي المصاحب لها.


متى تراجع الطبيب؟

من المستحسن استشارة الطبيب في الحالات التالية:

  • استمرار ضعف الرغبة أو الانتصاب أو تغير نمط القذف لأكثر من ثلاثة أشهر.
  • ترافق المشكلة الجنسية مع أعراض نفسية واضحة (حزن مستمر، قلق مفرط، أفكار متطفلة، اضطرابات نوم شديدة).
  • تأثير المشكلة على العلاقة الزوجية أو الثقة بالنفس بشكل ملحوظ.
  • ظهور المشكلة بشكل مفاجئ بعد حدث صادم أو ضغط نفسي حاد.
  • ملاحظة تغيرات حادة ومفاجئة في الرغبة الجنسية (فرط ملحوظ أو غياب تام) خصوصاً إذا رافقها تغير واضح في المزاج أو النشاط العام.

كيف تبدأ مع طبيبك؟

يُفضل البدء بزيارة طبيب نفسي أو طبيب رعاية أولية لتقييم الحالة النفسية أولاً، مع وصف دقيق لتوقيت ظهور المشكلة الجنسية وعلاقتها الزمنية بالأعراض النفسية. قد يُحيل الطبيب الحالة لاحقاً إلى طبيب مسالك بولية أو أخصائي صحة جنسية إذا استدعى الأمر تقييماً إضافياً، ولا سيما للتأكد من عدم وجود سبب جسدي مصاحب، مثل ضعف تدفق الدم، أو اضطراب عصبي، أو خلل هرموني.


الخلاصة العلمية

يتضح مما سبق أن الرابط بين الصحة النفسية والصحة الجنسية عند الرجل ليس رابطاً عابراً أو نفسياً بحتاً، بل يستند إلى آليات فسيولوجية واضحة تشمل الجهاز العصبي اللاإرادي بشقيه السمبثاوي والباراسمبثاوي، ومحور الاستجابة الهرمونية للتوتر، والنواقل العصبية المسؤولة عن الرغبة والمتعة، مثل الدوبامين والسيروتونين. ورغم اختلاف كل اضطراب نفسي في تفاصيله وأسبابه ودرجة حدته، فإن معظمها يلتقي في مسار فسيولوجي مشترك يتمثل في فرط نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي وارتفاع هرمونات التوتر، وهو ما يفسر التشابه الملحوظ بين تأثيرات اضطرابات مختلفة الطبيعة، بدءاً من الاكتئاب، مروراً بالقلق العام واضطراب الهلع، وصولاً إلى القلق الاجتماعي واضطراب ما بعد الصدمة.

في المقابل، تكشف بعض الاضطرابات عن صورة أكثر تعقيداً وتبايناً. فقلق الأداء الجنسي يوضح كيف يمكن لتجربة عابرة واحدة أن تتحول إلى حلقة مفرغة مستمرة، يغذي فيها الخوف النفسي الفشل الجسدي، ويعزز فيها الفشل الجسدي الخوف النفسي من جديد. أما اضطراب ثنائي القطب فيُظهر أن تأثيره في الصحة الجنسية ليس أحادي الاتجاه بالضرورة، بل يختلف بحسب النوبة التي يمر بها المريض، بين تراجع حاد في الرغبة والوظيفة الجنسية خلال نوبة الاكتئاب، وارتفاع الرغبة الجنسية خلال نوبة الهوس. ويُظهر اضطراب الوسواس القهري بدوره أن جانباً من تأثيره في الصحة الجنسية قد يرتبط باضطراب مصاحب، كالاكتئاب، أو بمحتوى الوساوس نفسها، لا بالقلق العام المصاحب للاضطراب وحده.

كما تبرز نقطة مهمة تتكرر في معظم الاضطرابات المذكورة، وهي صعوبة الفصل أحياناً بين تأثير الاضطراب النفسي نفسه وتأثير الأدوية المستخدمة لعلاجه. لذلك يستلزم تقييم أي مشكلة جنسية تقييماً دقيقاً لا يفترض تلقائياً أن سببها هو الاضطراب النفسي وحده.

ومع ذلك، فإن هذا التشابك، رغم تعقيده، لا يعني أن المشكلة بلا حل؛ فالتشخيص الدقيق للاضطراب النفسي الكامن، وتحديد ما إذا كانت الحالة عابرة أم مزمنة، يمثلان الخطوة الأولى والأهم نحو استعادة الصحة الجنسية. وسنناقش هذا الموضوع بمزيد من التفصيل في المقالات اللاحقة من هذه السلسلة، التي تتناول تأثير الأدوية النفسية وسبل الحد من آثارها في الصحة الجنسية.

إنفوجرافيك طبي بصري يوضح الشرح والتأثير المباشر وغير المباشر للاضطرابات النفسية على الصحة الجنسية والانتصاب عند الرجال.

الأسئلة الشائعة ❓

هل تراجع الأداء الجنسي بسبب التوتر مؤقت أم يستمر إذا لم يُعالج؟

يعتمد ذلك على طبيعة التوتر: نوبة عابرة، أي حالة توتر قصيرة الأمد مرتبطة بموقف محدد، غالباً لا تترك أثراً بعد زوالها لأن الجسم يعود لتوازنه الطبيعي بسرعة. أما الاضطراب المزمن غير المُعالَج فقد يُرسّخ النمط بمرور الوقت، خصوصاً في حالة قلق الأداء الذي يعتمد على حلقة مفرغة تزداد صعوبة كسرها كلما طال أمدها دون تدخل.

هل يمكن أن يكون التراجع الجنسي هو العرض الوحيد الظاهر لاضطراب نفسي غير مشخّص؟

نعم، أحياناً يكون التراجع الجنسي أول إشارة ملحوظة قبل أن يتضح للرجل نفسه أنه يعاني من اكتئاب أو قلق، خصوصاً أن كثيرين لا يربطون بسهولة بين حالتهم المزاجية وأدائهم الجنسي، ويلجؤون لتفسيرات جسدية بحتة أولاً.

هل علاج الاضطراب النفسي يُحسّن الأداء الجنسي تلقائياً؟

غالباً نعم، لكن ليس دائماً بشكل كامل أو فوري، لأن استعادة التوازن الهرموني والعصبي تحتاج وقتاً حتى بعد بدء العلاج. وأحياناً تحمل الأدوية النفسية نفسها آثاراً جانبية إضافية على الأداء الجنسي.

هل قلق الأداء يصيب فقط من مرّ بتجربة فشل سابقة؟

لا، فبعض الرجال يطورون قلق الأداء دون أي تجربة فشل حقيقية سابقة، لمجرد التوقعات المرتفعة من الذات، أو الضغط الاجتماعي، أو مقارنة الذات بمعايير غير واقعية مستقاة من مصادر مختلفة.

ما الفرق بين قلق الأداء الجنسي والقلق الاجتماعي؟

قلق الأداء يتمحور حول الخوف من “فشل” الموقف الجنسي نفسه تحديداً، غالباً بعد تجربة سابقة غير مُرضية. أما القلق الاجتماعي فأعمق وأشمل، ويتمحور حول الخوف من التقييم أو الحكم بشكل عام في أي موقف اجتماعي، والموقف الجنسي ما هو إلا أحد المواقف التي يظهر فيها هذا الخوف الأشمل.

هل اضطراب ثنائي القطب يؤثر بنفس الاتجاه دائماً على الرغبة الجنسية؟

لا، وهذه إحدى أبرز خصائصه المميزة بين كل الاضطرابات النفسية؛ إذ تنخفض الرغبة عادة خلال النوبات الاكتئابية، بينما قد ترتفع بشكل مفرط خلال نوبات الهوس أو الهوس الخفيف، وقد يكون التغير المفاجئ بالرغبة نفسه إشارة مبكرة لبداية نوبة جديدة.

هل يقتصر اضطراب ما بعد الصدمة على من تعرضوا للحرب أو القتال؟

لا، فمعظم الدراسات الأوسع تشمل قدامى المحاربين لأنهم الفئة الأكثر دراسة بهذا المجال تحديداً، لكن الاضطراب بحد ذاته ينشأ من أي حدث صادم كان، وآليته الفسيولوجية (فرط اليقظة العصبية المستمرة) تبقى واحدة بغض النظر عن مصدر الصدمة الأساسي.

هل الوسواس القهري يؤثر على الأداء الجنسي حتى لو لم توجد وساوس مرتبطة بالجنس مباشرة؟

نعم، فحتى الوساوس غير المرتبطة بالجنس (كوساوس التلوث أو الترتيب) قد تؤثر على الأداء الجنسي بشكل غير مباشر، عبر استنزاف الطاقة الذهنية العامة أو عبر الاكتئاب المصاحب الذي يرافق الاضطراب لدى نسبة كبيرة من المرضى.


إخلاء المسؤولية: هذا المقال لأغراض توعوية وتثقيفية فقط، ولا يُغني عن استشارة طبيب مختص لتشخيص الحالة الفردية ووضع خطة علاجية مناسبة.


مقالات قد تهمك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *