جلس أمام طبيب الخصوبة يحمل نتيجة تحليل سائل منوي مخيّبة للأمل، بعد شهور من تعديل الغذاء والإقلاع عن التدخين والالتزام بالرياضة دون أي تحسن يُذكر. سأله الطبيب سؤالاً لم يتوقعه: “هل تتناول أي دواء بشكل منتظم؟” وحين ذكر دواء ضغط يأخذه منذ سنتين، أدرك للمرة الأولى أن السبب لم يكن في نمط حياته على الإطلاق، بل في حبة صغيرة يبتلعها كل صباح دون أن يخطر بباله أنها قد تقف بينه وبين الإنجاب.
هذا السيناريو يتكرر أكثر مما يُتصوَّر. فكثير من الأدوية الشائعة — التي تُصرف لعلاج الاكتئاب أو الضغط أو الالتهابات المزمنة أو حتى لبناء العضلات — تحمل أثراً جانبياً على الخصوبة نادراً ما يُشرح للمريض بوضوح عند وصفها. والخبر المطمئن أن جزءاً كبيراً من هذه التأثيرات قابل للعكس بمجرد التوقف عن الدواء أو تعديله بإشراف طبي.
ولعل مضادات الاكتئاب من فئة SSRIs أوضح مثال على حجم هذه المشكلة الصامتة؛ إذ أشارت دراسة اعتمدت على مراجعة السجلات الطبية في عيادة خصوبة بالمملكة العربية السعودية إلى أن معدل انتشار استخدام هذه الأدوية بين الرجال المُقبلين على علاج الخصوبة تراوح في دراسات سابقة بين 5% و15%، وهي نسبة كافية لتجعل من هذه الفئة الدوائية وحدها عاملاً يستحق أن يسأل الطبيب عنه صراحة عند تقييم أي رجل يعاني من مشكلات في الخصوبة. ( المصدر: NIH )
في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية والإنجابية — في جولة علمية شاملة حول أبرز فئات الأدوية المؤثرة على الخصوبة، آلية كل منها، ومدى قابلية هذا التأثير للعكس.
إذا لم تتعرف بعد على علامات وأسباب ضعف الخصوبة الأخرى، اقرأ أولاً: ضعف الخصوبة عند الرجل: أبرز العلامات والأسباب التي لا يجب تجاهلها
أولاً: كيف يمكن لدواء أن يؤثر على الخصوبة؟ (الآليات العامة)
قبل الدخول في تفاصيل كل فئة دوائية، من المهم فهم أن الأدوية لا تضر بالخصوبة بطريقة واحدة، بل عبر أربع بوابات رئيسية مختلفة تماماً في آليتها.
البوابة الأولى: التأثير على المحور الهرموني (المحور الوطائي-النخامي-التناسلي)
إنتاج الحيوانات المنوية لا يحدث بمعزل عن الدماغ، بل هو نهاية سلسلة من الإشارات الهرمونية تبدأ من منطقة صغيرة في قاعدة الدماغ تُسمى الوطاء (Hypothalamus)، والتي تُفرز الهرمون المُطلق لموجِّهات الغدد التناسلية (GnRH). يحفّز هذا الهرمون الغدة النخامية على إفراز الهرمون المُنبِّه للجُريبات (FSH) والهرمون المُلَوْتِن (LH). ويحفّز هرمون LH خلايا الخصية على إنتاج هرمون التستوستيرون، بينما يعمل هرمون FSH مباشرةً على دعم تكوّن الحيوانات المنوية ونضجها.
لذلك، فإن أي دواء يتدخل في أي حلقة من هذه السلسلة — سواءً عبر تثبيط الوطاء، أو خداع الغدة النخامية، أو رفع هرمونات أخرى تُثبّط هذه السلسلة، مثل هرمون البرولاكتين — قد يُعطّل إنتاج الحيوانات المنوية من جذوره، حتى لو كانت الخصية نفسها سليمة تمامًا.
البوابة الثانية: التأثير المباشر على تكوين الحيوانات المنوية (Spermatogenesis)
بعض الأدوية لا تؤثر في الدماغ أو المحور الهرموني، بل تصل مباشرة إلى الخصية وتُلحق الضرر بالخلايا المسؤولة عن إنتاج هرمون التستوستيرون، والمعروفة باسم خلايا لايديغ (Leydig cells)، أو بالخلايا التي تدعم تكوّن الحيوانات المنوية وتغذّيها، والمعروفة باسم خلايا سيرتولي (Sertoli cells). ويُعد هذا النوع من التأثير أكثر خطورة في العادة، لأن الضرر قد يكون غير قابل للعكس إذا كان شديدًا بما يكفي، كما هو الحال مع بعض أدوية العلاج الكيماوي.
البوابة الثالثة: التأثير على حركة الحيوانات المنوية وسلامة حمضها النووي
حتى لو بقي عدد الحيوانات المنوية طبيعيًا، فقد يُضعف الدواء قدرتها على الحركة والسباحة نحو البويضة، أو يُلحق ضررًا بالحمض النووي (DNA) داخلها عبر آلية تُسمى الإجهاد التأكسدي، وهي حالة يزداد فيها تراكم جزيئات غير مستقرة تُعرف باسم الجذور الحرة، فتُتلف الخلايا من الداخل. ونتيجة لذلك، قد يبدو الحيوان المنوي طبيعيًا من حيث العدد والشكل، لكنه يكون أقل قدرة على إتمام الإخصاب، أو يحمل تلفًا في مادته الوراثية قد يزيد خطر فشل تطور الجنين في مراحله المبكرة، وبالتالي يزيد احتمال حدوث الإجهاض المبكر.
البوابة الرابعة: التأثير على عملية القذف نفسها
بعض الأدوية لا تؤثر على الحيوانات المنوية بحد ذاتها، بل تُعطّل آلية إخراجها من الجسم، إما بتأخير القذف بشكل كبير، أو بدفعه للخلف نحو المثانة بدلاً من الخارج — وهي حالة تُعرف بالقذف الرجعي — فتحرم الحيوانات المنوية السليمة تماماً من فرصة الوصول لهدفها.
اقرأ أيضاً: القذف الرجعي عند الرجل: الأسباب والأعراض وطرق العلاج
ثانياً: التستوستيرون الخارجي (TRT) وتثبيط الخصوبة
قبل الدخول في التفاصيل، لا بد من توضيح بسيط: العلاج بالتستوستيرون الخارجي (Testosterone Replacement Therapy أو TRT) هو علاج طبي يُستخدم للرجال الذين يعانون من انخفاض حقيقي وموثّق في مستوى التستوستيرون في الدم، مصحوبًا بأعراض واضحة، مثل التعب المزمن، وضعف الرغبة الجنسية، وفقدان الكتلة العضلية. وتقوم فكرته على تعويض هذا النقص بإدخال هرمون التستوستيرون من مصدر خارجي، بدلًا من الاعتماد على الخصية لإنتاجه.
وتتعدد طرق إعطاء هذا العلاج بحسب حالة المريض وتفضيله؛ فقد يُعطى على شكل حقن عضلية كل أسبوع إلى أسبوعين، وهي الأكثر شيوعًا والأقل تكلفة، أو جل يُدهن يوميًا على الجلد فيُمتص تدريجيًا، أو لصقات جلدية، أو حبيبات تُزرع تحت الجلد، وتستمر في إطلاق التستوستيرون لعدة أشهر. ورغم اختلاف هذه الوسائل، فإنها جميعًا تشترك في هدف واحد، وهو رفع مستوى التستوستيرون في الدم إلى المعدل الطبيعي.
لكن هنا تكمن المفارقة التي يجهلها كثير من الرجال، وهي أهم فكرة في هذا المقال كله. فمن المنطقي أن يعتقد البعض أن رفع مستوى التستوستيرون بحقنه من الخارج سيُحسّن الخصوبة أيضًا، إلا أن الحقيقة العلمية تُظهر العكس تمامًا؛ إذ إن العلاج الذي يرفع مستوى التستوستيرون في الدم قد يُثبط في الوقت نفسه إنتاج الحيوانات المنوية.
والآلية هنا واضحة ومباشرة: فعندما يدخل التستوستيرون الخارجي إلى الدم، سواءً عن طريق الحقن أو الجل أو الحبوب، يستشعر الدماغ ارتفاع مستواه، فيعتقد أن الجسم لم يعد بحاجة إلى إنتاج المزيد منه. عندها يُفعِّل آلية التغذية الراجعة السلبية (Negative Feedback)، وهي آلية تنظيم طبيعية يقلّل فيها الدماغ إفراز الهرمونات عندما ترتفع مستوياتها، فيتوقف عن إفراز هرمونَي FSH وLH.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في مستوى التستوستيرون في الدم، بل في تركيزه داخل نسيج الخصية. فإنتاج الحيوانات المنوية يحتاج إلى تركيز مرتفع جدًا من التستوستيرون داخل الخصية (Intratesticular Testosterone)، وهو تركيز يفوق مستواه في الدم بعشرات المرات. وهذا التركيز لا يرتفع مع استخدام التستوستيرون الخارجي، بل ينخفض بشدة، لأنه يعتمد كليًا على تحفيز هرمون LH لإنتاجه. ومع توقف إفراز هذا الهرمون، يتوقف هذا التحفيز أيضًا، فينخفض مستوى التستوستيرون داخل الخصية رغم ارتفاعه في الدم.
والنتيجة موثقة بأرقام واضحة؛ فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Journal of Urology أن العلاج بالتستوستيرون الخارجي قد يؤدي إلى انعدام تام للحيوانات المنوية (Azoospermia) لدى نحو 40% من الرجال الذين يتلقونه. وتؤكد هذه النتيجة عمليًا أن تثبيط هرمونَي FSH وLH وانخفاض مستوى التستوستيرون داخل الخصية قد يوقفان إنتاج الحيوانات المنوية بالكامل لدى نسبة كبيرة من المرضى. ( المصدر: ClinicalTrials.gov )
أما مدة التعافي بعد إيقاف العلاج، فهي من أكثر الأسئلة التي تشغل الرجال الذين يخططون للإنجاب. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن استعادة إنتاج الحيوانات المنوية استغرقت في المتوسط نحو 3 أشهر لدى الرجال الذين استخدموا التستوستيرون بالحقن العضلي، مقابل نحو 7 أشهر ونصف لدى مستخدمي جل التستوستيرون. ويشير ذلك إلى أن طريقة إعطاء العلاج قد تؤثر في سرعة التعافي، إلى جانب عوامل فردية أخرى تختلف من شخص لآخر.
وتدعم هذه النتائج أيضًا مراجعة حديثة نُشرت في مجلة Nature Reviews Urology، إذ أظهرت أن استعادة إنتاج الحيوانات المنوية تحدث لدى معظم الرجال بعد إيقاف التستوستيرون الخارجي، إلا أن سرعة التعافي تختلف بشكل كبير بين الأفراد، مما قد يُعقّد التخطيط للإنجاب. كما قد لا يعود عدد الحيوانات المنوية إلى مستواه الأصلي بالكامل لدى بعض الرجال، خاصةً مع طول مدة الاستخدام أو التقدم في العمر عند إيقاف العلاج. ( المصدر: PubMed )
الحل العملي الذي يعتمده الأطباء اليوم عندما يحتاج الرجل إلى العلاج بالتستوستيرون مع الحفاظ على فرصة الإنجاب، هو استخدام جرعة منخفضة من هرمون موجهة الغدد التناسلية المشيمائية البشرية (hCG) بالتزامن مع العلاج. ويعمل هذا الهرمون بطريقة تُحاكي تأثير هرمون LH، إذ يُحفّز خلايا لايديغ المسؤولة عن إنتاج التستوستيرون داخل الخصية، مما يساعد على الحفاظ على مستوى مرتفع من التستوستيرون داخل الخصية رغم تثبيط إنتاجه الطبيعي بفعل التستوستيرون الخارجي.
وتدعم هذا النهج دراسة نُشرت في مجلة Journal of Urology، إذ أظهرت أن إعطاء جرعة منخفضة من hCG بالتزامن مع التستوستيرون الخارجي يحافظ على مستوى التستوستيرون داخل الخصية، مما قد يدعم استمرار إنتاج الحيوانات المنوية لدى بعض المرضى. ( المصدر: ClinicalTrials.gov )
رأي أطلس الرجل الصحي: إذا كنت تخطط للإنجاب، فلا تبدأ العلاج بالتستوستيرون قبل إبلاغ طبيبك بذلك صراحة. فهناك استراتيجيات علاجية تساعد على تقليل تأثير العلاج في الخصوبة، بينما قد يؤدي البدء بالعلاج أو إيقافه دون تخطيط إلى إطالة فترة التعافي وتأخير فرص الإنجاب.
اقرأ أيضاً:
- العلاج بالتستوستيرون والخصوبة عند الرجال: هل يؤثر على الإنجاب؟
- hCG للرجال: الاستخدامات، الفوائد، الأضرار، وتأثيره على التستوستيرون والخصوبة
ثالثاً: الستيرويدات الابتنائية (AAS) بغرض بناء العضلات
الستيرويدات الابتنائية الأندروجينية (Anabolic-Androgenic Steroids، وتُختصر AAS) هي مركبات كيميائية مُصنَّعة تُشبه هرمون التستوستيرون الطبيعي في بنيتها وتأثيرها داخل الجسم، لكنها صُمِّمت غالبًا لتعزيز تأثيره في بناء العضلات (Anabolic) بدرجة أكبر من تأثيره في إظهار الصفات الذكورية والوظيفة الجنسية (Androgenic).
ويستخدمها بعض الرياضيين وهواة كمال الأجسام بهدف زيادة الكتلة العضلية وتسريع التعافي بين التمارين، وغالبًا بجرعات تفوق الجرعات العلاجية المستخدمة لتعويض نقص التستوستيرون بأضعاف، وقد تصل في بعض الحالات إلى عشرات المرات.
تختلف طريقة استخدام الستيرويدات الابتنائية جذريًا عن الاستخدام الطبي المنضبط للتستوستيرون؛ إذ تُستعمل غالبًا بجرعات مرتفعة جدًا، وقد يُستخدم أكثر من نوع منها في الوقت نفسه، فيما يُعرف بالتكديس (Stacking)، وهو أسلوب يعتمد على الجمع بين عدة ستيرويدات ابتنائية اعتقادًا بأنه يزيد الفعالية أو يُحسّن النتائج. كما تُؤخذ على شكل دورات متكررة تمتد لأسابيع أو أشهر. وفي معظم الحالات، يتم ذلك دون إشراف طبي أو متابعة دورية لمستويات الهرمونات، مما يجعل تأثيرها في الخصوبة أشد، ويجعل الاستجابة لها أكثر صعوبة في التنبؤ مقارنة بالتستوستيرون الموصوف طبيًا بجرعات علاجية محسوبة.
وإذا كان التستوستيرون الطبي قد يُثبط إنتاج الحيوانات المنوية حتى عند استخدامه بجرعات علاجية محسوبة، كما أوضحنا في القسم السابق، فإن الستيرويدات الابتنائية غالبًا ما تُسبب تثبيطًا أشد وأطول أمدًا، بسبب الجرعات المرتفعة واستخدامها دون إشراف طبي.
الآلية المشتركة مع العلاج بالتستوستيرون (TRT) هي نفسها؛ إذ تؤدي الستيرويدات الابتنائية إلى تثبيط شديد لهرمونَي FSH وLH، مما يسبب ضمورًا تدريجيًا في الخصيتين وتوقفًا شبه كامل لإنتاج التستوستيرون والحيوانات المنوية داخل الخصية. لكن الفارق أن مستخدمي الستيرويدات الابتنائية غالبًا ما يتناولونها بجرعات أعلى بكثير، ولمدد أطول، وأحيانًا يجمعون بين عدة مركبات ستيرويدية في الوقت نفسه، مما يجعل التعافي أبطأ وأكثر تعقيدًا.
وتدعم ذلك مراجعة نُشرت في مجلة Therapeutic Advances in Urology، إذ أوضحت أن الأدلة المتاحة حول تعافي إنتاج الحيوانات المنوية بعد إيقاف الستيرويدات الابتنائية لا تزال محدودة. ورغم أن التعافي يحدث تلقائيًا لدى كثير من الرجال، فإنه يختلف في مدته من شخص لآخر، ويتأثر بعوامل عدة، أهمها وظيفة الخصية قبل بدء الاستخدام، ومدة استخدام الستيرويدات، والعمر عند التوقف. ( المصدر: AME Group )
بمعنى آخر: كلما طالت مدة استخدام الستيرويدات الابتنائية، وكلما كان الرجل أكبر سنًا عند التوقف، كان التعافي غالبًا أبطأ وأقل اكتمالًا، لأن كفاءة الخصية في استعادة إنتاج الحيوانات المنوية تتراجع تدريجيًا مع التقدم في العمر. وفي حالات نادرة، قد يكون الضرر دائمًا.
رابعاً: الأدوية النفسية والعصبية
ترتبط الصحة النفسية بالصحة الإنجابية ارتباطًا وثيقًا أكثر مما يتصور كثيرون، والأدوية المستخدمة لعلاج الاضطرابات النفسية والعصبية ليست استثناءً من ذلك؛ فقد تؤثر في الخصوبة بطرق مختلفة. فبعضها يؤثر مباشرة في النواقل العصبية، وهي المواد الكيميائية التي يستخدمها الدماغ والأعصاب لنقل الإشارات، بينما قد يسبب بعضها الآخر تغيرات هرمونية تظهر كأثر جانبي للعلاج، مما قد ينعكس على الخصوبة.
أ. مضادات الاكتئاب من فئة SSRIs
تُعد مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) من أكثر مضادات الاكتئاب استخدامًا حول العالم، وتُوصف لعلاج الاكتئاب، واضطرابات القلق، والوسواس القهري، واضطراب ما بعد الصدمة، وغيرها من الاضطرابات النفسية. ومن أشهرها الفلوكسيتين، والسيرترالين، والباروكسيتين، والإسيتالوبرام، والسيتالوبرام.
وتأثير هذه الأدوية في الخصوبة موثق بعدد كبير من الدراسات السريرية المباشرة على البشر، وليس فقط في الدراسات الحيوانية.
الآلية هنا مزدوجة. أولًا، ترفع هذه الأدوية مستوى السيروتونين، وهو ناقل عصبي يساعد على نقل الإشارات بين الخلايا العصبية. ويؤدي ارتفاعه إلى إطالة زمن القذف بشكل ملحوظ، وهو التأثير الذي يُستفاد منه في علاج سرعة القذف. لكن هذه الإطالة قد تُبقي الحيوانات المنوية مدة أطول داخل الجهاز التناسلي، مما يزيد تعرضها للإجهاد التأكسدي ويرفع احتمال تكسّر الحمض النووي بداخلها. وثانيًا، أظهرت دراسات مخبرية أن بعض أدوية هذه الفئة قد ترتبط بمجموعات كيميائية موجودة على سطح الحيوان المنوي، مما قد يُضعف وظيفته، بغض النظر عن أي تأثير هرموني. ( المصدر: NIH )
وتدعم ذلك أرقام واضحة؛ فقد أظهرت دراسة أُجريت على 74 رجلًا يتناولون مضادات الاكتئاب من فئة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وقارنتهم بـ44 رجلًا سليمًا، أن متوسط العدد الكلي للحيوانات المنوية بلغ 61.2 مليونًا لدى مستخدمي هذه الأدوية، مقابل 186.2 مليونًا لدى الأصحاء، بينما بلغت نسبة الحركة 48.2% مقابل 66.2% على التوالي، أي إن العدد انخفض إلى نحو الثلث. ( المصدر: Wiley Online Library )
وقد أكدت مراجعة تحليلية شاملة ضمت أربع دراسات، شملت 222 رجلاً، أن هذه الأدوية تُقلل الشكل الطبيعي للحيوانات المنوية وتركيزها وحركتها، وترفع نسبة تكسّر الحمض النووي بداخلها بدرجة مؤكدة إحصائيًا، مع ملاحظة أن هذا الأثر على الشكل والتركيز يظهر خلال أول ثلاثة أشهر من الاستخدام فقط. ( المصدر: NIH )
رأي أطلس الرجل الصحي: لا يعني ذلك إطلاقًا إيقاف الدواء من تلقاء نفسك؛ فالاكتئاب غير المُعالَج قد يضر بالخصوبة والصحة العامة أكثر من الدواء نفسه. لذلك، ينبغي أن يُتخذ القرار بالتنسيق بين الطبيب النفسي وطبيب الخصوبة، وقد يكون إيقاف الدواء مؤقتًا قبل محاولة الإنجاب خيارًا مناسبًا في بعض الحالات، إذا كان ذلك آمنًا من الناحية النفسية.
اقرأ أيضاً: أدوية الاكتئاب والضعف الجنسي عند الرجال: لماذا تحدث هذه المشاكل؟
ب. مضادات الذهان وارتفاع البرولاكتين
تُستخدم الأدوية المضادة للذهان لعلاج الفصام واضطرابات ذهانية أخرى، ومن أشهرها الهالوبيريدول والريسبيريدون والأولانزابين. وتعمل هذه الأدوية أساسًا عن طريق تقليل تأثير مادة الدوبامين في الدماغ، لأن زيادة نشاط الدوبامين ترتبط بظهور بعض أعراض الذهان، مثل سماع أو رؤية أشياء غير موجودة، أو تكوُّن معتقدات خاطئة لا تتوافق مع الواقع.
لكن للدوبامين وظيفة أخرى مهمة؛ إذ يعمل طبيعيًا على كبح إفراز هرمون البرولاكتين من الغدة النخامية. والبرولاكتين هو هرمون تتمثل وظيفته الأساسية في تحفيز إنتاج الحليب بعد الولادة لدى النساء، إلا أنه يوجد أيضًا لدى الرجال بمستويات منخفضة، وارتفاعه لديهم قد يثبط الهرمونات المسؤولة عن إنتاج التستوستيرون والحيوانات المنوية.
لذلك، عندما تُثبط هذه الأدوية تأثير الدوبامين، يرتفع مستوى البرولاكتين. وهذا الارتفاع يعمل كإشارة تُبطئ عمل المحور الهرموني المسؤول عن الخصوبة؛ إذ يُقلل إفراز هرمون GnRH من الوطاء، فينخفض بعده إفراز هرموني LH وFSH من الغدة النخامية. ونتيجة لذلك، تتلقى الخصيتان تحفيزًا أقل، فينخفض إنتاج التستوستيرون، وقد تضعف أيضًا عملية تكوين الحيوانات المنوية.
وتدعم ذلك الدراسات؛ فقد أظهرت دراسة مقطعية أُجريت على رجال مصابين باضطرابات ذهانية أن نصف المشاركين أبلغوا عن انخفاض الرغبة الجنسية، بينما عانى أكثر من ثلثهم من اضطرابات في الانتصاب والقذف، دون فروق تُذكر بين الأدوية المختلفة، في حين كان أكثر من نصفهم يعانون من ارتفاع مستوى البرولاكتين. ( المصدر:NIH )
أما فيما يتعلق بتكوين الحيوانات المنوية، فقد أظهرت دراسة أُجريت على نماذج حيوانية أن جميع مضادات الذهان المُختبرة أدت إلى تراجع واضح في مؤشرات الحيوانات المنوية. كما انخفض مستوى التستوستيرون بشكل ملحوظ مع دواءَي الهالوبيريدول والريسبيريدون، وانخفض أيضًا مستوى هرمون الإنهيبين ب (Inhibin B)، وهو هرمون تُنتجه الخصية ويُعد من أهم المؤشرات الحيوية على كفاءة تكوين الحيوانات المنوية. ( المصدر: Psychopharmacology Institute )
والخبر الجيد أن بعض مضادات الذهان الأحدث ترفع مستوى البرولاكتين بدرجة أقل من غيرها، لذلك قد يكون تبديل الدواء إلى أحد هذه الخيارات، تحت إشراف الطبيب النفسي، كافيًا لتخفيف هذا الأثر مع الحفاظ على السيطرة على الاضطراب النفسي.
اقرأ أيضاً: الأدوية النفسية وتأثيرها على الصحة الجنسية عند الرجال: دليل علمي شامل
خامساً: أدوية ضغط الدم والقلب
أمراض ضغط الدم والقلب من أكثر الحالات المزمنة انتشاراً بين الرجال، وأدويتها ليست فئة واحدة متجانسة، بل مجموعة متنوعة من الآليات الدوائية المختلفة تماماً في تأثيرها على الخصوبة — فبعضها يُخل بتوازن الهرمونات الذكورية مباشرة، وبعضها الآخر يُؤثر بشكل غير مباشر عبر الدورة الدموية والإشارات العصبية اللازمة للانتصاب وحركة الحيوانات المنوية.
أ. مدرات البول المضادة للألدوستيرون (سبيرونولاكتون)
ينتمي سبيرونولاكتون إلى فئة مضادات مستقبلات الألدوستيرون، وهو هرمون يُنتجه الجسم للمساعدة على تنظيم توازن الأملاح والسوائل وضغط الدم. لذلك تُستخدم هذه الأدوية أساسًا كمدرات للبول وخافضات لضغط الدم، كما تُستخدم أيضًا في علاج قصور القلب وارتفاع هرمون الألدوستيرون. إلا أن سبيرونولاكتون يتميز عن بقية أفراد هذه الفئة بامتلاكه تأثيرًا مضادًا للأندروجينات (أي مضادًا لتأثير هرمونات الذكورة)، وهو ما جعله محور اهتمام العديد من الدراسات منذ عقود.
ولا يقتصر تأثير سبيرونولاكتون على خفض إنتاج التستوستيرون بدرجة بسيطة، بل يمنع أيضًا التستوستيرون وهرمون DHT (الشكل الأكثر فاعلية من التستوستيرون داخل الأنسجة) من أداء وظيفتهما داخل الخلايا، وذلك بمنعهما من الارتباط بالمستقبلات الخاصة بهما. ونتيجة لذلك، تضعف استجابة الأنسجة لهذين الهرمونين حتى لو بقيت مستوياتهما في الدم ضمن المعدل الطبيعي.
وقد وُثق هذا التأثير في دراسة كلاسيكية نُشرت في مجلة Journal of Clinical Endocrinology & Metabolism، تابعت رجالًا أصحاء تناولوا 400 ملغ يوميًا من سبيرونولاكتون لمدة وصلت إلى 24 أسبوعًا. وأظهرت النتائج أن ستة من أصل تسعة رجال أُصيبوا بتضخم الثدي، وأبلغ اثنان منهم عن انخفاض الرغبة الجنسية، كما لوحظ انخفاض في كثافة الحيوانات المنوية وحركتها لدى رجلين، ويُرجح أن ذلك كان مرتبطًا باستخدام الدواء. وفي المقابل، لم ينخفض متوسط كثافة الحيوانات المنوية لدى المجموعة ككل انخفاضًا واضحًا، مما يشير إلى أن هذا التأثير لا يحدث لدى جميع المستخدمين بالدرجة نفسها، بل يبدو أكثر وضوحًا لدى بعض الأفراد، خاصة مع الجرعات المرتفعة والاستخدام المطول. ( المصدر: clinicaltrials )
رأي أطلس الرجل الصحي: إذا كان الرجل يستخدم سبيرونولاكتون لعلاج ارتفاع ضغط الدم أو أي حالة أخرى، وكان يخطط للإنجاب، فمن الأفضل مناقشة طبيبه بشأن إمكانية استخدام بدائل أقل تأثيرًا على هرمونات الذكورة، خصوصًا أن لهذا الدواء عدة استخدامات علاجية تتوفر لها بدائل فعالة في كثير من الحالات.
ب. حاصرات بيتا وحاصرات قنوات الكالسيوم
حاصرات بيتا (Beta-Blockers) — مثل أتينولول وبيسوبرولول وميتوبرولول وبروبرانولول — وحاصرات قنوات الكالسيوم (Calcium Channel Blockers) — مثل أملوديبين ونيفيديبين وفيراباميل وديلتيازيم — من أكثر الأدوية استخدامًا لعلاج ارتفاع ضغط الدم، كما تُستخدم أيضًا في علاج الذبحة الصدرية وبعض اضطرابات نظم القلب.
وتختلف آلية تأثيرهما في الخصوبة عن سبيرونولاكتون؛ فهما لا تُثبطان هرمونات الذكورة مباشرة، بل يُعتقد أن تأثيرهما يرتبط بتغيرات في تدفق الدم والإشارات العصبية اللازمة لحدوث الانتصاب، إضافة إلى تأثير محتمل في بعض القنوات الأيونية داخل ذيل الحيوان المنوي، وهي بروتينات تسمح بمرور الأيونات (مثل الكالسيوم) عبر غشاء الخلية، وتؤدي دورًا مهمًا في تنظيم الحركة الطبيعية للحيوان المنوي باتجاه البويضة.
ومع ذلك، لا تزال الأدلة على تأثير هاتين الفئتين في الخصوبة أقل وضوحًا وأكثر تباينًا بين الدراسات مقارنة بسبيرونولاكتون أو العلاج بالتستوستيرون (TRT). لذلك، لا يبدو أن هذا التأثير يحدث لدى جميع الرجال، كما أن تأثيرهما في الانتصاب أكثر ثبوتًا وتوثيقًا من تأثيرهما في جودة الحيوانات المنوية نفسها.
اقرأ أيضاً: علاج أمراض القلب والصحة الجنسية عند الرجال: كيف تؤثر الأدوية على الانتصاب والتستوستيرون؟
سادساً: الأدوية الكيماوية والعلاج الإشعاعي
تُستخدم أدوية العلاج الكيماوي لعلاج أنواع مختلفة من السرطان، مثل سرطانات الخصية والدم والليمفوما وسرطان الثدي والرئة والقولون وغيرها، وتهدف إلى القضاء على الخلايا السرطانية أو إبطاء نموها. كما يُستخدم العلاج الإشعاعي للغرض نفسه، وذلك بتوجيه أشعة عالية الطاقة لتدمير الخلايا السرطانية أو الحد من تكاثرها. وتُعد هذه الفئة من أكثر العلاجات تأثيرًا في خصوبة الرجل، خاصة إذا كانت الخصيتان ضمن مجال الإشعاع أو استُخدمت أدوية كيماوية معروفة بشدة تأثيرها في الخلايا التناسلية.
والسبب في ذلك أن معظم أدوية العلاج الكيماوي صُممت أساسًا لاستهداف الخلايا سريعة الانقسام، وهي خاصية لا تقتصر على الخلايا السرطانية، بل تشترك فيها أيضًا الخلايا الجرثومية في الخصية المسؤولة عن إنتاج الحيوانات المنوية، والتي تُعد من أسرع خلايا الجسم انقسامًا وتجددًا. لذلك، قد يؤدي العلاج إلى إبطاء إنتاج الحيوانات المنوية أو إيقافه مؤقتًا، وفي بعض الحالات قد يكون الضرر دائمًا، وذلك بحسب نوع الدواء، والجرعة، ومدة العلاج، وعمر المريض، وحالة الخصوبة قبل بدء العلاج.
ولا تكون درجة الضرر واحدة لدى جميع المرضى، بل تختلف بحسب نوع العلاج، والجرعة، ومدة العلاج. فبعض أدوية العلاج الكيماوي قد تُسبب تأثيرًا مؤقتًا يمكن أن تتعافى الخصية منه مع مرور الوقت، بينما تكون أدوية أخرى أشد ضررًا. فعلى سبيل المثال، يُعد دواء كاربوبلاتين (Carboplatin)، وهو أحد أدوية العلاج الكيماوي المعتمدة على البلاتين، أقل تأثيرًا في الخصوبة من دواء سيسبلاتين (Cisplatin) من الفئة نفسها، إذ تكون فرصة استعادة إنتاج الحيوانات المنوية بعد العلاج أعلى مع كاربوبلاتين.
وفي المقابل، تُعد الأدوية المؤلكلة (Alkylating agents)، وهي فئة من أدوية العلاج الكيماوي تُتلف المادة الوراثية للخلايا السرطانية لمنع تكاثرها، من أكثر الأدوية ضررًا على الخصوبة، إذ قد تُسبب انخفاضًا شديدًا في عدد الحيوانات المنوية، وقد تؤدي أحيانًا إلى انعدامها تمامًا. أما العلاج الإشعاعي، فيعتمد تأثيره بدرجة كبيرة على الجرعة؛ فقد تُضعف الجرعات المنخفضة إنتاج الحيوانات المنوية، في حين قد تؤدي الجرعات المرتفعة إلى توقفه بشكل دائم. ( المصدر: PubMed )
والنقطة الأهم هنا أن التعافي من تأثير العلاج في الخصوبة ممكن، لكنه ليس مضمونًا. ففرصة استعادة إنتاج الحيوانات المنوية تختلف باختلاف نوع بروتوكول العلاج الكيماوي؛ إذ تُظهر الدراسات أن بعض البروتوكولات ترتبط بمعدلات تعافٍ مرتفعة، بينما يكون التعافي أقل بكثير مع بروتوكولات أخرى أكثر شدة، وقد يعاني بعض المرضى من انعدام دائم للحيوانات المنوية.
ولهذا السبب، توصي الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري (ASCO) بمناقشة حفظ عيّنة من السائل المنوي بالتجميد في مركز متخصص لحفظ العينات (بنك النطاف) قبل بدء العلاج الكيماوي أو الإشعاعي كلما كان ذلك ممكنًا. فهذه الخطوة الوقائية قد تُحافظ على فرصة الإنجاب مستقبلًا إذا تسبب العلاج في ضرر دائم للخصوبة. ( المصدر: PubMed )
سابعاً: أدوية أخرى مهمة
إلى جانب الفئات الكبرى السابقة، هناك مجموعة متفرقة من الأدوية الشائعة جداً في الاستخدام اليومي — لعلاج الحموضة والالتهابات المزمنة والألم — تحمل كل منها آلية مختلفة تماماً عن غيرها في تأثيرها على الخصوبة، وأغلبها لا يخطر ببال المريض أو حتى الطبيب غير المختص كسبب محتمل.
أ. مضادات الحموضة (سيميتيدين)
دواء سيميتيدين (Cimetidine) كان يُستخدم على نطاق واسع لعلاج قرحة المعدة وحرقة المعدة قبل ظهور أدوية أحدث. والمفاجئ أنه، رغم كونه دواءً للجهاز الهضمي، يمتلك تأثيرًا مضادًا لهرمونات الذكورة. ويحدث ذلك لأنه يمنع هرمون DHT، وهو الشكل الأكثر فاعلية من التستوستيرون داخل الأنسجة، من أداء وظيفته الطبيعية، وذلك بمنعه من الارتباط بالمستقبلات الخاصة به داخل الخلايا. لذلك، قد تضعف استجابة بعض الأنسجة لهرمونات الذكورة حتى لو بقيت مستوياتها في الدم ضمن المعدل الطبيعي.
وقد أكدت الدراسات هذا التأثير، مما يفسر ارتباط الاستخدام المطول لسيميتيدين، خاصة بجرعات مرتفعة، بظهور آثار جانبية مثل تضخم الثدي لدى الرجال وانخفاض الرغبة الجنسية. وفي المقابل، يبدو أن تأثيره المباشر في إنتاج الحيوانات المنوية أقل وضوحًا من تأثيره في هذه الأعراض، كما أن إيقاف الدواء أو استبداله بدواء آخر لا يمتلك هذه الخاصية يؤدي غالبًا إلى زوال هذه التأثيرات تدريجيًا. ( المصدر: Springer )
ب. سلفاسالازين (لمرضى الأمعاء الالتهابية)
دواء سلفاسالازين (Sulfasalazine) يُستخدم لعلاج التهاب القولون التقرحي وداء كرون (أحد أمراض التهاب الأمعاء المزمنة)، كما يُستخدم أيضًا في علاج بعض أمراض المفاصل الالتهابية. ويُعد من أوضح الأمثلة على دواء قد يُضعف خصوبة الرجل، لكنه في الوقت نفسه يُسبب ضررًا قابلًا للعكس في معظم الحالات بعد إيقافه.
وتختلف آلية تأثيره عن معظم الأدوية السابقة؛ فهو لا يؤثر في الهرمونات الذكرية، إذ تبقى مستويات التستوستيرون وهرموني LH وFSH طبيعية في الغالب، بل ينتج عن تكسره داخل الجسم مركب يُسمى سلفابيريدين (Sulfapyridine)، ويُعتقد أنه يؤثر مباشرة في الحيوانات المنوية خلال المراحل الأخيرة من نضجها، مما قد يؤدي إلى انخفاض عددها، وضعف حركتها، وزيادة التشوهات فيها.
وقد أكدت الدراسات هذا التأثير؛ إذ أظهرت أن نسبة كبيرة من الرجال الذين يتناولون سلفاسالازين قد تظهر لديهم اضطرابات في تحليل السائل المنوي. وفي المقابل، يُعد هذا التأثير قابلًا للعكس في معظم الحالات، إذ تتحسن جودة الحيوانات المنوية تدريجيًا بعد إيقاف الدواء، وقد تعود إلى طبيعتها خلال بضعة أشهر. ولهذا السبب، قد يلجأ الطبيب إلى استبداله بدواء ميسالامين (Mesalazine)، وهو دواء يؤدي الغرض العلاجي نفسه تقريبًا، لكنه لا يحتوي على المركب المسؤول عن هذا التأثير، ولا يرتبط عادةً بضعف الخصوبة. ( المصدر: PubMedResearchGate )
ج. المسكنات الأفيونية
تُستخدم المسكنات الأفيونية القوية، مثل المورفين، والأوكسيكودون، والميثادون، لعلاج الآلام الشديدة أو المزمنة التي لا تستجيب للمسكنات التقليدية، مثل آلام السرطان أو بعض حالات الألم المزمن. وقد ثبت أن الاستخدام المطول لهذه الأدوية قد يؤثر في خصوبة الرجل، وذلك من خلال تثبيط المحور الهرموني المسؤول عن إنتاج التستوستيرون.
ويحدث ذلك لأن هذه الأدوية تُقلل إفراز هرمون GnRH من الوطاء، فتتراجع بعده مستويات هرموني LH وFSH اللذين تفرزهما الغدة النخامية، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاج التستوستيرون في الخصيتين، وقد ينعكس ذلك على إنتاج الحيوانات المنوية أيضًا.
وتُظهر الدراسات أن هذا التأثير شائع نسبيًا، إلا أن احتمالية حدوثه تختلف باختلاف نوع المسكن الأفيوني، والجرعة، ومدة الاستخدام، وعمر المريض. ويزداد خطر الإصابة مع الجرعات المرتفعة والاستخدام المزمن، بينما يكون التعافي ممكنًا في كثير من الحالات بعد خفض الجرعة أو إيقاف الدواء بإشراف الطبيب، وإن كان قد يستغرق وقتًا أطول لدى بعض المرضى الذين استخدموه لفترات طويلة. ( المصدر: ScienceDirect )
ثامناً: العلاجات التجارية غير الموثّقة وتأثيرها على الخصوبة
تُسوَّق عبر الإنترنت وفي بعض المتاجر منتجات كثيرة على أنها “مقويات جنسية” أو “معززات طبيعية للتستوستيرون”، لكن بعض هذه المنتجات قد يحتوي على هرمونات أو مركبات شبيهة بالهرمونات الذكرية (الستيرويدات الابتنائية) غير مُعلنة على الملصق، أو بجرعات تختلف عما هو مكتوب، دون رقابة دوائية كافية. لذلك، قد يتناولها الرجل وهو يعتقد أنها مجرد مكملات طبيعية، في حين أنها قد تُحدث التأثيرات نفسها التي تُسببها هرمونات التستوستيرون الخارجية أو الستيرويدات الابتنائية.
وتكمن الخطورة في أن هذه المنتجات قد تُثبط المحور الهرموني المسؤول عن إنتاج التستوستيرون، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاجه الطبيعي وتراجع إنتاج الحيوانات المنوية، وقد يصل الأمر إلى ضمور الخصيتين مع الاستخدام المستمر. ويزداد الخطر لأن المستخدم لا يعرف غالبًا المكونات الحقيقية للمنتج أو الجرعة التي يتناولها، ولا يخضع لأي متابعة طبية.
لذلك، ينبغي توخي الحذر من أي منتج يُروَّج له على أنه يرفع التستوستيرون أو يحسن الأداء الجنسي بسرعة ومن دون وصفة طبية أو دليل علمي موثوق، خاصة لدى الرجال الذين يخططون للإنجاب.
متى تراجع الطبيب؟
راجع الطبيب دون تأخير في الحالات التالية:
- إذا كنت تتناول أياً من الأدوية المذكورة أعلاه وتُخطط للإنجاب خلال الأشهر القادمة.
- إذا مضى أكثر من 12 شهراً من المحاولة المنتظمة دون إنجاب (أو 6 أشهر إذا كنت فوق الأربعين).
- إذا كنت مقبلاً على علاج كيماوي أو إشعاعي ولم يُعرض عليك خيار حفظ السائل المنوي مسبقاً.
- إذا لاحظت تراجعاً في الرغبة الجنسية أو حجم السائل المنوي بالتزامن مع بدء دواء جديد.
- إذا كنت تفكر في إيقاف أي دواء من تلقاء نفسك بسبب قلق على الخصوبة — لا تفعل ذلك دون استشارة.
كيف تبدأ مع طبيبك؟
الفحوصات التي ستُطلب غالباً: تحليل سائل منوي، وتحاليل هرمونية شاملة (FSH، LH، تستوستيرون، برولاكتين).
كيف تصف حالتك؟ اذكر لطبيبك بدقة جميع الأدوية التي تتناولها حاليًا، مهما بدت غير مرتبطة بالخصوبة، ومنها أدوية ضغط الدم، وأدوية المعدة، والأدوية النفسية، مع ذكر مدة استخدام كل منها ومدة محاولتك للإنجاب. فقد تكون هذه المعلومات وحدها كافية لتوجيه التشخيص في الاتجاه الصحيح، وتوفير أشهر من البحث عن أسباب أخرى.
الخلاصة العلمية
تُعد الأدوية سببًا كثيرًا ما يُغفل عند تقييم ضعف الخصوبة لدى الرجل، رغم أن تأثير عدد منها في الخصوبة موثق علميًا منذ عقود. ولا يكمن الاختلاف بين هذه الأدوية في شدة تأثيرها فحسب، بل في آلية حدوثه أيضًا؛ فبعضها يُثبط المحور الهرموني المسؤول عن إنتاج التستوستيرون والحيوانات المنوية، وبعضها يؤثر مباشرة في الخصية، بينما قد يُسبب بعضها الآخر اضطرابات في القذف دون أن يُضعف إنتاج الحيوانات المنوية نفسها. لذلك، فإن تحديد آلية الضرر بدقة يُعد خطوة أساسية لاختيار الطريقة الأنسب للتعامل معه.
وفي المقابل، فإن معظم هذه التأثيرات ليست دائمة، بل يمكن الحد منها أو عكسها في كثير من الحالات إذا جرى التعرف إليها مبكرًا وإدارتها بالتنسيق بين الطبيب المعالج للحالة الأصلية وطبيب الخصوبة. لذلك، احرص دائمًا على إبلاغ طبيبك بجميع الأدوية التي تتناولها، بما في ذلك الأدوية والمكملات التي تبدو غير مرتبطة بالخصوبة، لأن هذه المعلومة قد تختصر رحلة التشخيص وتُجنبك فحوصات أو إجراءات غير ضرورية.

الأسئلة الشائعة ❓
هل يعني وجود دوائي على هذه القائمة أنه يجب أن أوقفه فوراً؟
لا إطلاقاً. القاعدة الذهبية: لا تُوقف أي دواء من تلقاء نفسك مهما قرأت عنه. بعض الحالات المرضية التي يُعالجها الدواء (كالاكتئاب الشديد أو الذهان أو أمراض المناعة الذاتية) تُضر بصحتك العامة وحتى بخصوبتك أكثر بكثير من الدواء نفسه إن تُركت دون علاج.
هل كل هذه التأثيرات قابلة للعكس بعد التوقف؟
تختلف حسب الفئة الدوائية. التستوستيرون الخارجي والستيرويدات وسلفاسالازين والمسكنات الأفيونية غالباً قابلة للعكس الكامل أو شبه الكامل بعد التوقف بمدة تتراوح بين أشهر قليلة وسنة تقريباً. أما بعض أدوية العلاج الكيماوي فقد يكون ضررها دائماً حسب نوع الدواء وجرعته.
زوجتي وأنا نخطط للإنجاب خلال أشهر، وأنا أتناول مضاد اكتئاب — ماذا أفعل؟
ناقش الأمر مع طبيبك النفسي وطبيب الخصوبة معًا. ففي بعض الحالات، قد يكون من الممكن التحول مؤقتًا إلى دواء آخر من الفئة العلاجية نفسها يكون تأثيره في الخصوبة أقل، أو تقييم إمكانية إيقاف الدواء مؤقتًا دون تعريض الحالة النفسية للانتكاس، وذلك تحت إشراف طبي دقيق.
هل تحليل السائل المنوي كافٍ لمعرفة إن كان الدواء هو السبب؟
هو الخطوة الأولى الضرورية، لكن الطبيب غالبًا سيطلب أيضًا تحاليل هرمونية لمعرفة ما إذا كان تأثير الدواء هرمونيًا، كما يحدث مع التستوستيرون الخارجي والمواد الأفيونية، أم مباشرًا في الخصية مع بقاء التحاليل الهرمونية طبيعية، كما قد يحدث مع سلفاسالازين؛ لأن ذلك يساعد على تقدير فرص التعافي والمدة المتوقعة له.
إذا كنت مقبلاً على علاج كيماوي، متى يجب أن أحفظ عيّنة من السائل المنوي؟
الأفضل دائماً قبل بدء أي جرعة من العلاج الكيماوي أو الإشعاعي، لأن التأثير على الحيوانات المنوية قد يبدأ من الجرعة الأولى، وحفظ العيّنة مسبقاً يضمن وجود خيار مؤكد بغض النظر عن نتيجة التعافي لاحقاً.
إخلاء المسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال ذات طابع تثقيفي بحت ولا تُغني عن استشارة الطبيب المختص. لا تُوقف أو تُعدّل جرعة أي دواء من تلقاء نفسك اعتماداً على ما ورد هنا. القرار الطبي بشأن أي دواء يجب أن يوازن دائماً بين ضرورة علاج الحالة الأصلية وتأثيره المحتمل على الخصوبة، وهذا التوازن لا يُقرره سوى الطبيب المختص بمعرفة كامل تفاصيل حالتك.
مقالات قد تهمك :

