يستيقظ في الصباح دون أن يشعر بذلك الشحن الذي اعتاد عليه. في العمل طاقته كافية، وفي البيت لا شكوى واضحة، لكن شيئاً ما تغيّر — الرغبة الجنسية لم تعد كما كانت، وحين يُجري تحليل التستوستيرون يعود الرقم “ضمن النطاق الطبيعي”. يخرج من عيادة الطبيب بلا تفسير ولا خطة، وبشعور أن ما يحسّه لا تُترجمه الأرقام.
في كثير من الحالات، الجواب يكمن في هرمون يغيب تقريباً عن كل تحليل روتيني: هرمون DHEA. وهو ما يصفه العلماء بـ”الهرمون الأم” — المادة الخام التي يُصنع منها التستوستيرون والإستروجين، وتنخفض مستوياته بصمت مع التقدم في العمر بوتيرة أسرع من أي هرمون آخر في الجسم. وقد كشفت دراسة ماساتشوستس للتقدم في العمر عند الرجال (MMAS) — وهي من أضخم الدراسات التي تابعت الرجال لسنوات في مجال صحة الرجل — أنه من بين 17 هرموناً تمت دراستها، كان DHEA-S الهرمون الوحيد الذي أظهر ارتباطاً ذا دلالة إحصائية مباشرة بضعف الانتصاب.(المصدر: PubMed)
في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية والهرمونية — في جولة علمية شاملة لفهم هرمون DHEA: كيف يُصنع، وكيف يتحول إلى هرمونات أخرى، وما دوره في الرغبة الجنسية والانتصاب والطاقة، ومتى يستحق قياسه جزءاً لا غنى عنه من التقييم الهرموني الكامل.
أولاً: ما هو هرمون DHEA؟
DHEA — اختصار لـ Dehydroepiandrosterone أو ديهيدرو إيبي أندروستيرون — هو هرمون ستيرويدي، أي أنه هرمون يُصنَّع أصلاً من الكوليسترول كما هو الحال مع التستوستيرون والكورتيزول وسائر هرمونات الجنس. وهو الأوفر كمياً بين هذه الهرمونات في دم الإنسان.
لكن ما يميّز DHEA أنه لا يعمل بصورة مباشرة على الخلايا كالتستوستيرون الذي يدخل الخلية ويؤثر في جيناتها فور وصوله — بل يعمل من زاويتين مختلفتين: الأولى أنه “مستودع هرموني” تحوّله الأنسجة إلى تستوستيرون أو إستروجين بحسب ما تحتاجه. والثانية أنه يؤثر مباشرةً على خلايا الدماغ والأعصاب — وهذا النوع من الهرمونات التي تعمل داخل الجهاز العصبي مباشرةً يُسميه العلماء “الستيرويد العصبي” (Neurosteroid)، بمعنى هرمون ستيرويدي يصنعه الدماغ أو يستخدمه لتنظيم وظائفه الخاصة كالمزاج والذاكرة والقلق.
يُنتج الجسم DHEA في عدة مواضع: الغدة الكظرية فوق الكلى هي المصدر الرئيسي، إذ تُنتج ما بين 75 و90% من الكمية الكلية، وتحديداً في الطبقة الداخلية من قشرتها التي تُسمى المنطقة الشبكية (Zona Reticularis). كما تُنتجه الخصيتان بكميات أقل، وكذلك الدماغ، حيث تُصنّعه الخلايا العصبية والخلايا الدعامية ليعمل داخل الدماغ نفسه في تنظيم وظائف الجهاز العصبي.
يوجد DHEA في الدم على شكلين رئيسيين:
DHEA الحر: الشكل النشط بيولوجياً، لكن عمره قصير في الدم ويتذبذب خلال اليوم بحسب إيقاع الغدة الكظرية.
DHEA-S (الشكل الكبريتي): يتشكّل حين يرتبط DHEA بمجموعة كبريتات في الكبد والغدة الكظرية نفسها، فيصبح أكثر استقراراً ويطول بقاؤه في الدم. وتبلغ مستوياته نحو 300 إلى 500 ضعف مستويات DHEA الحر، لذلك يُعدّ المؤشر العملي الأفضل لتقييم مخزون DHEA في الجسم عند إجراء التحاليل. ( المصدر: NIH )
ثانياً: كيف يُصنع DHEA وكيف ينتقل في الدم؟
تبدأ القصة — كما هو الحال مع كل الهرمونات الستيرويدية — من الكوليسترول. حين تتلقى الغدة الكظرية إشارة من هرمون ACTH — وهو الهرمون المحفّز لقشرة الكظرية الذي تُطلقه الغدة النخامية في الدماغ — تبدأ خلايا المنطقة الشبكية بتحويل الكوليسترول عبر سلسلة إنزيمية متتابعة حتى ينتج DHEA جاهزاً للإفراز.
الفارق الجوهري بين DHEA وهرمونات الغدة الكظرية الأخرى، مثل الكورتيزول (هرمون التوتر) والألدوستيرون (الهرمون المسؤول عن تنظيم توازن الملح والماء وضغط الدم)، أن إنتاج DHEA يتحكم فيه ACTH جزئياً فقط، إذ تُسهم عوامل داخلية أخرى في الغدة الكظرية في تنظيمه بصورة مستقلة نسبياً. وهذا ما يُفسّر ظاهرة مهمة: فعندما يرتفع الكورتيزول في حالات التوتر المزمن أو مع التقدم في العمر، لا يرتفع DHEA بالتوازي، بل ينخفض. وكأن الجسم يُعيد توزيع موارده الهرمونية لصالح الكورتيزول على حساب DHEA. ويُعدّ هذا التحول في التوازن بين الهرمونين من أبرز السمات البيولوجية المصاحبة للتقدم في العمر.
بعد إنتاجه، يدخل DHEA الدم ويتحول معظمه إلى الشكل الكبريتي DHEA-S المستقر، ليشكّل مخزوناً متداولاً ضخماً تسحب منه الأنسجة ما تحتاجه عند الطلب.
ثالثاً: كيف يتحول DHEA إلى تستوستيرون وهرمونات أخرى؟
هنا يكمن السبب الحقيقي لأهمية DHEA في صحة الرجل الجنسية — وهو مفهوم يُغيّر طريقة قراءة التحاليل الهرمونية بالكامل.
حين يصل DHEA-S إلى الأنسجة المختلفة — كالعضلات والجلد والدماغ والأعضاء التناسلية وخلايا الجسم الكهفي في القضيب — تُزيل هذه الأنسجة جزيء الكبريت أولاً فتُحوّله إلى DHEA الحر النشط، ثم تُحوّله عبر سلسلة إنزيمية إلى أندروستينيديون (Androstenedione) — وهو هرمون وسيط — يتحول بدوره إلى تستوستيرون أو مباشرةً إلى إستراديول (Estradiol) عبر إنزيم الأروماتاز (Aromatase)، والإستراديول هو الشكل الأكثر نشاطاً من الإستروجين في جسم الرجل، ويؤدي دوراً ضرورياً في صحة العظام والأوعية الدموية والمزاج رغم أن كثيراً من الرجال لا يعلمون أن أجسامهم تُنتجه أصلاً.
ما يجعل هذا المسار استثنائياً أنه يحدث داخل الأنسجة نفسها، وليس في الدم أو الغدد المركزية. ويُسمي العلماء هذا النظام “الإنتاج الهرموني الموضعي” (Intracrinology)، وهو نظام ذكي يُتيح لكل نسيج تصنيع الكمية من التستوستيرون أو الإستروجين التي يحتاجها بالضبط. والأهم أن التستوستيرون المُنتَج بهذه الطريقة داخل الأنسجة لا يظهر بارتفاع ملحوظ في تحليل الدم العادي، مما يعني أن رجلاً قد يُعاني من نقص حقيقي في هرمونات الذكورة (الأندروجينات) على مستوى الأنسجة، رغم أن مستوى التستوستيرون في دمه يبدو طبيعياً، إذا كانت مستويات DHEA لديه منخفضة وغير كافية لتغذية هذا النظام الموضعي.
وتجدر الإشارة إلى أن DHEA المُنتَج في الغدة الكظرية يُسهم في توفير ما بين 30 و50% من إجمالي هرمونات الذكورة (الأندروجينات) لدى الرجل، وهي نسبة ليست هامشية بأي حال. ( المصدر: NIH )
رابعاً: ما دور DHEA في الصحة الجنسية للرجل؟
الانتصاب: العلاقة المباشرة والمستقلة عن التستوستيرون
النتيجة الأبرز في دراسة ماساتشوستس (MMAS) كانت صادمة لكثير من الأطباء: فمن بين 17 هرموناً تمت دراستها لدى آلاف الرجال، كان DHEA-S الهرمون الوحيد الذي ارتبط بشكل مستقل وذي دلالة إحصائية بضعف الانتصاب، وليس التستوستيرون وحده كما كان متوقعاً. ( المصدر: ScienceDirect )
حين يصل DHEA-S إلى أنسجة القضيب، يعمل عبر مسارين متوازيين: الأول بوصفه ستيرويد عصبي (Neurosteroid) يؤثر مباشرةً في الخلايا العصبية داخل الجسم الكهفي، وهو النسيج الإسفنجي الذي يمتلئ بالدم أثناء الانتصاب. والثاني بوصفه مادة أولية لتصنيع التستوستيرون والإستروجين موضعياً داخل خلايا هذا النسيج نفسه. وهذا ما يفسر كيف قد يؤثر انخفاض DHEA-S في الانتصاب حتى عند الرجال الذين تبدو مستويات التستوستيرون الكلي لديهم طبيعية. وقد دعمت دراسة نُشرت في Scientific Reports وشملت 398 رجلاً لا يعانون من نقص واضح في التستوستيرون هذا التفسير، إذ أظهرت أن انخفاض DHEA-S ظل مرتبطاً بضعف الانتصاب بصورة مستقلة حتى بعد الأخذ في الحسبان العوامل الأخرى.
( المصدر: Nature Scientific Reports )
ما يعني ذلك عملياً: رجل يُعاني من ضعف انتصاب ويجد أن تستوستيرونه طبيعي يستحق فحص DHEA-S كخطوة تالية لا كخطوة اختيارية — لأن الهرمونين يحميان وظيفة الانتصاب من زاويتين مختلفتين.
الرغبة الجنسية: المسار المزدوج
الأول غير مباشر: إذ يتحول داخل خلايا الدماغ إلى تستوستيرون وإستراديول موضعيين يعملان في مناطق الرغبة الجنسية والشعور بالمتعة، وتحديداً في الجهاز الحوفي (Limbic System)، وهو المركز العاطفي والغريزي في الدماغ المسؤول عن الرغبة الجنسية والدافع إليها.
الثاني مباشر، وهو الأكثر إثارةً للاهتمام: يعمل DHEA بوصفه ستيرويداً عصبياً يتفاعل مع نوعين من المستقبلات الكيميائية في الدماغ. الأول هو مستقبل GABA، وهو المستقبل المسؤول عن تهدئة الجهاز العصبي وخفض القلق والتوتر. ويُقلّل DHEA نشاطه بدرجة محدودة، مما يُخفف التثبيط العصبي الذي قد يُضعف الرغبة الجنسية عند ارتفاع القلق أو التوتر، وكأنه يُزيل جزءاً من “الفرامل” النفسية التي تعيق الشعور بالرغبة. أما الثاني فهو مستقبل NMDA، وهو مستقبل يُسهم في التعلّم والذاكرة والتواصل بين الخلايا العصبية، كما يرتبط باليقظة والانتباه. ويُنشّط DHEA هذا المستقبل، مما قد يزيد الاستجابة للمثيرات الجنسية.
والنتيجة العملية لهذين المسارين معاً أن انخفاض DHEA لا يعني بالضرورة فقدان القدرة الجنسية، بل قد يظهر أولاً على شكل تراجع في الرغبة الجنسية. فقد يرتفع القلق، ويضعف الدافع الجنسي، وتقلّ الاستجابة للمثيرات، وكل ذلك يبدأ من تغيرات كيميائية داخل الدماغ قبل أن ينعكس على الوظيفة الجنسية نفسها.
خامساً: كيف يتغير DHEA مع العمر؟
هنا تكمن الخاصية الأكثر تميزاً في DHEA مقارنةً بالتستوستيرون: انخفاضه مع العمر أشد حدةً وأكثر قابلية للتنبؤ، وحجمه التراكمي أكبر بكثير.
يرتفع DHEA خلال مرحلة تُسمى “أدرينارك” (Adrenarche) — وهي مرحلة نضج الغدة الكظرية التي تسبق البلوغ وتبدأ عادةً بين سن 6 و8 سنوات — ثم يستمر الارتفاع حتى يبلغ ذروته في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات. بعد ذلك يبدأ الانخفاض التدريجي بمعدل يتراوح بين 2 و5% سنوياً، بحيث يصل في السبعينيات والثمانينيات إلى 10-20% فقط مما كان عليه في سنوات الشباب — وهو انخفاض بهذا الحجم دفع العلماء لتسمية هذه الظاهرة “أدرينوبوز” (Adrenopause)، أي “انقطاع نشاط الكظرية”، على غرار انقطاع الطمث عند المرأة، للدلالة على أن الغدة الكظرية تمر هي الأخرى بمرحلة تراجع هرموني تدريجي وحتمي مع التقدم في العمر. ( المصدر: NIH )
والأهم أن هذا الانخفاض يحدث بصرف النظر عن مستويات التستوستيرون — فرجل في الخمسين قد يحافظ على تستوستيرون جيد نسبياً، لكن DHEA لديه يكون قد انخفض بشكل ملحوظ منذ سنوات، مما يُقلّل من الأندروجينات الموضعية المتاحة للأنسجة الجنسية ويُفسّر جزءاً كبيراً من التراجع في الأداء الجنسي غير المُفسَّر بالتستوستيرون وحده.
يوضح الجدول التالي مسار تغير مستويات DHEA عبر مراحل العمر:
| المرحلة العمرية | ما يحدث لـ DHEA |
|---|---|
| 6 – 10 سنوات | بداية الارتفاع (أدرينارك) |
| 20 – 30 سنة | الذروة القصوى |
| الثلاثينيات | انخفاض تدريجي ~2-3% سنوياً |
| الأربعينيات والخمسينيات | انخفاض واضح، قد يبلغ 50% من الذروة |
| فوق الستين | 10-20% فقط من مستوى الشباب |
سادساً: تأثيرات DHEA خارج الصحة الجنسية
DHEA لا يقتصر دوره على الجانب الجنسي — وإن كان هذا هو محور اهتمامنا في أطلس الرجل الصحي. هناك ثلاثة مجالات أخرى يؤثر فيها DHEA بصورة موثقة تستحق الإشارة لأنها تُكمل الصورة الكلية للرجل الذي يُعاني من انخفاضه.
الدماغ والمزاج: يتفاعل DHEA مباشرةً مع مستقبلات GABA وNMDA في الدماغ مما يُخفّف القلق ويُحسّن المزاج ويدعم الذاكرة. وقد ربطت دراسات متعددة انخفاضه بمعدلات أعلى من الاكتئاب والإرهاق الذهني — خاصةً عند الرجال الذين يعانون من كورتيزول مرتفع مزمنياً. والصلة بالصحة الجنسية هنا مباشرة: الرجل الذي يعاني من قلق مزمن أو تراجع في الدافعية النفسية غالباً ما يعاني من تراجع موازٍ في الرغبة الجنسية — وDHEA يقع في قلب هذه المعادلة. ( المصدر: PubMed )
العضلات والعظام: يدعم DHEA كتلة العضلات عبر تحوّله إلى تستوستيرون داخل الخلايا العضلية وعبر تحفيز إنتاج IGF-1 — عامل النمو المسؤول عن بناء وتجديد الأنسجة. كما يدعم كثافة العظام عبر تحوّله إلى تستوستيرون وإستراديول موضعي داخل الخلايا العظمية. وقد أثبتت دراسة كورية شملت 1089 رجلاً أن ارتفاع DHEA-S ارتبط بكثافة عظمية أعلى بعد تعديل كافة العوامل بما فيها التستوستيرون. ( المصدر: PubMed )
القلب والأوعية الدموية: ارتبط انخفاض DHEA-S في عدة دراسات تابعت الرجال لسنوات بزيادة خطر الأحداث القلبية الوعائية، وهو ارتباط أقل وضوحاً لدى النساء. ويُفسّر الباحثون ذلك بأن DHEA يُحفّز إنتاج أكسيد النيتريك (Nitric Oxide) في بطانة الأوعية الدموية — وهو مادة كيميائية طبيعية تُرسلها الخلايا البطانية إلى عضلات الوعاء الدموي لتأمر بالارتخاء والتوسّع، فيتدفق الدم بسهولة أكبر ويقلّ الضغط على جدار الوعاء — كما يُثبّط الالتهاب الوعائي، ويُقلّل تجمّع الصفائح الدموية التي تُشكّل الجلطات. وقد تابعت دراسة نُشرت في Journal of the American College of Cardiology مجموعة من الرجال المسنين لمدة خمس سنوات، وأظهرت أن انخفاض DHEA كان مؤشراً مستقلاً لزيادة خطر الإصابة بمرض الشريان التاجي، حتى بعد أخذ عوامل الخطر التقليدية في الحسبان. ( المصدر: ScienceDirect )
سابعاً: ما أسباب انخفاض DHEA؟
التقدم في العمر
هو السبب الأول والأكثر شيوعاً، وقد شُرح في القسم السابق. الانخفاض التدريجي المرتبط بالعمر لا يمكن تجنّبه كلياً، لكنه يتفاوت بين الأفراد تفاوتاً كبيراً — ولنمط الحياة والأمراض المصاحبة دور واضح في تسريعه.
التوتر المزمن واختلال التوازن مع الكورتيزول
هذا السبب هو الأكثر إغفالاً والأعمق تأثيراً على الصحة الجنسية.
الكورتيزول وDHEA يُنتجان معاً في الغدة الكظرية انطلاقاً من المادة الأولية نفسها، ويتشاركان في بعض المسارات الإنزيمية. لكن التوتر المزمن يُرجّح كفة الكورتيزول؛ فعندما يبقى الجسم في حالة تأهب مستمرة، تُعيد الغدة الكظرية توجيه مواردها نحو إنتاج الكورتيزول على حساب DHEA. والأخطر أن ارتفاع الكورتيزول المزمن يُثبط إفراز ACTH عبر آلية التغذية الراجعة السلبية، أي أن الدماغ يستشعر ارتفاع الكورتيزول فيُخفّض الإشارة الهرمونية المرسلة إلى الغدة الكظرية لتقليل تحفيزها. ونتيجة لذلك، تنخفض مستويات DHEA بدرجة أكبر من الكورتيزول، لأن الجسم يُعطي الأولوية لإنتاج الكورتيزول في حالات الإجهاد للحفاظ على وظائفه الحيوية.
النتيجة العملية: الرجل الذي يعيش تحت ضغط مزمن لسنوات قد يكون مستوى الكورتيزول لديه طبيعياً أو مرتفعاً قليلاً، بينما يكون DHEA قد انخفض بصورة ملحوظة. ويظهر ذلك على شكل تراجع في الطاقة والرغبة الجنسية وضعف في الانتصاب، رغم أن تحليل التستوستيرون وحده قد لا يُفسّر هذه الأعراض.
قصور الغدة الكظرية
في حالات قصور الكظرية — سواء المرتبط بمرض أديسون (Addison’s Disease)، وهو مرض مناعي ذاتي تهاجم فيه المناعة الغدةَ الكظرية وتُدمّر خلاياها تدريجياً حتى تعجز عن إنتاج هرموناتها الرئيسية كالكورتيزول والألدوستيرون والـDHEA معاً، أو القصور الثانوي المرتبط باضطرابات الغدة النخامية التي تتوقف عن إرسال إشارة ACTH المحفّزة للكظرية فتخمد وظيفتها — في كلتا الحالتين ينخفض DHEA بشكل حاد لأن الغدة المنتجة له إما مدمّرة أو معطّلة الإشارة. والفارق الجوهري بين هؤلاء المرضى وغيرهم أن انخفاض DHEA لديهم ليس تدريجياً مرتبطاً بالعمر — بل هو نقص عميق وشامل يفقدهم هرمون الأم الذي يُغذّي عشرات الأنسجة في الجسم. ولهذا يُعدّ هؤلاء المرضى المجموعة الأكثر استفادة علمياً من علاج DHEA البديل وفق الأبحاث المتاحة، إذ يُعوّض ما تعجز الكظرية عن إنتاجه كلياً.
الأدوية المؤثرة على DHEA
الأدوية التي تخفضه:
تُعدّ الكورتيكوستيرويدات (كالبريدنيزون والديكساميثازون) الأكثر تأثيراً وأوسعها استخداماً: فقد أثبتت الدراسات أن جرعة علاجية من البريدنيزون لمدة أسبوع واحد فقط كافية لخفض DHEA بشكل ملحوظ وإلغاء نمطه اليومي الطبيعي كلياً، وذلك لأنها تُثبط إفراز ACTH عبر تغذية راجعة سلبية قوية فتُقلّل الإشارة التحفيزية للكظرية بأكملها. ( المصدر: PubMed )
وبما أن ملايين الرجال يتناولون الكورتيكوستيرويدات لعلاج الربو وأمراض المناعة الذاتية والتهاب المفاصل، فإن انخفاض DHEA المرتبط بهذه الأدوية يُعدّ من أكثر أسبابه قابلية للتدخل والمعالجة.
بعض أدوية الصرع، مثل الكاربامازيبين (Carbamazepine) والفينيتوين (Phenytoin)، تُنشّط إنزيمات الكبد المسؤولة عن تكسير الهرمونات وإزالتها من الدم، فيتسارع تكسير DHEA ويتراجع مستواه في الدم قبل أن تستطيع الأنسجة الاستفادة منه.
أما الأوبيويدات — وهي المسكنات الأفيونية القوية كالمورفين والكودايين والترامادول والأوكسيكودون والفنتانيل، المستخدمة لتسكين الآلام الشديدة أو المزمنة — فتُثبّط إشارات الدماغ المحفّزة للغدة الكظرية عند استخدامها لفترات طويلة، فتخمد وظيفة الكظرية تدريجياً وتنخفض مستويات DHEA ضمن حزمة من الاضطرابات الهرمونية التي تُسببها هذه الأدوية عند الاستخدام المطوّل.
الأدوية التي قد ترفعه:
الميتفورمين — الدواء الأول لعلاج السكري من النوع الثاني — أثبت في دراسة نُشرت في Journal of Clinical Endocrinology & Metabolism شملت 28 رجلاً غير مصابين بالسكري لكن يعانون من ارتفاع الأنسولين ومقاومته، أن خفض الأنسولين بالميتفورمين لمدة 21 يوماً أدى إلى ارتفاع ملحوظ في مستويات DHEA-S بنسبة وصلت إلى 48% لدى الرجال الذين يعانون من السمنة — مما يُشير إلى أن الأنسولين المرتفع مزمنياً يُثبّط الكظرية عن إنتاج DHEA، ومعالجته تعكس هذا الأثر. ( المصدر: PubMed )
ثامناً: ما القيم الطبيعية لـ DHEA-S وكيف تقرأ نتيجتك؟
لأن DHEA-S هو الشكل الأكثر استقراراً في الدم، فهو المقاس في التحاليل المخبرية دائماً. القيم الطبيعية تتغير مع العمر تغيراً ملحوظاً، لذا لا يمكن قراءة النتيجة بمعزل عن عمر الشخص.
يوضح الجدول التالي النطاقات المرجعية الشائعة لـ DHEA-S لدى الرجال حسب الفئة العمرية:
| الفئة العمرية | النطاق الطبيعي (ميكروغرام/ديسيلتر) |
|---|---|
| 20 – 29 سنة | 280 – 640 |
| 30 – 39 سنة | 120 – 520 |
| 40 – 49 سنة | 95 – 450 |
| 50 – 59 سنة | 70 – 310 |
| 60 – 69 سنة | 42 – 290 |
| فوق 70 سنة | 28 – 175 |
تتفاوت القيم المرجعية قليلاً بين المختبرات المختلفة؛ يُرجى مراجعة نطاق مختبرك المحدد.
يوضح الجدول التالي تفسير النتائج غير الطبيعية:
| النتيجة | التفسير المحتمل | الأسباب الشائعة |
|---|---|---|
| منخفض عن نطاق العمر | نقص DHEA — قد يُفسّر أعراض التعب وضعف الرغبة الجنسية | التقدم في العمر، التوتر المزمن، الكورتيكوستيرويدات، قصور الكظرية |
| مرتفع بشكل ملحوظ | فرط إنتاج كظري | أورام الكظرية، فرط التنسج الكظري الخلقي (CAH)، مكملات DHEA بجرعات عالية |
رأي أطلس الرجل الصحي
في أطلس الرجل الصحي، نؤمن أن التقييم الهرموني الكامل للرجل لا يكتمل بالتستوستيرون وحده. فـDHEA هرمون يُغفل غالباً في التحاليل الروتينية، رغم أنه يؤدي أدواراً لا يستطيع التستوستيرون أداءها بمفرده؛ إذ يُزوّد الأنسجة الجنسية بهرمونات ذكورة (أندروجينات) موضعية لا تظهر في تحليل الدم، ويؤثر مباشرةً في الدماغ بوصفه ستيرويداً عصبياً يدعم المزاج، ويُخفف القلق، ويُعزز الدافع الجنسي. كما أن ارتباطه بضعف الانتصاب كان أقوى، من الناحية الإحصائية، من ارتباط التستوستيرون نفسه في إحدى أكبر الدراسات التي تابعت الرجال لسنوات في مجال صحة الرجل. لذلك، فإن الرجل الذي يشكو من تراجع الطاقة أو الرغبة الجنسية رغم أن تحليل التستوستيرون طبيعي، قد يستحق خطوة إضافية تتمثل في قياس DHEA-S، لأن الصورة الهرمونية لا تُقرأ بهرمون واحد.
متى تراجع الطبيب؟
تستدعي المراجعة الطبية في الحالات التالية:
- تراجع واضح في الطاقة والرغبة الجنسية لا يُفسّره تحليل التستوستيرون الطبيعي.
- ضعف انتصاب مستمر دون سبب عضوي واضح لدى رجل تستوستيرونه في النطاق الطبيعي.
- استخدام كورتيكوستيرويدات أو أوبيويدات لفترة مطوّلة مع ظهور أعراض هرمونية.
- أعراض تعب مزمن وتراجع مزاج مع عوامل ضغط مستمرة.
- تحليل DHEA-S يُظهر نتيجة أقل من النطاق المرجعي لعمرك.
- تاريخ من أمراض القلب والأوعية الدموية مع رغبة في تقييم الصورة الهرمونية الكاملة.
كيف تبدأ مع طبيبك؟
الفحوصات المتوقعة:
- DHEA-S (يمكن إجراؤه في أي وقت من اليوم).
- التستوستيرون الكلي والحر + SHBG (صباحاً).
- الكورتيزول الصباحي لتقييم التوازن مع DHEA.
- وظائف الغدة الكظرية عند الاشتباه بقصورها (ACTH واختبار تحفيز الكورتيزول).
- وظائف الغدة الدرقية (TSH).
- تعداد الدم الكامل وكيمياء الدم.
كيف تصف حالتك للطبيب:
يُفيد ذكر التالي بدقة: منذ متى بدأت الأعراض وهل هي تدريجية أم مفاجئة، مستوى التوتر اليومي ونوعية النوم، هل تتناول كورتيكوستيرويدات أو مسكنات أفيونية أو أي أدوية مزمنة، ونتائج تحاليل التستوستيرون السابقة إن وُجدت.
الأسئلة الشائعة ❓
ما الفرق بين DHEA وDHEA-S وأيهما يُقاس في التحليل؟
DHEA هو الشكل الحر النشط، لكنه قصير العمر في الدم وتتغير مستوياته خلال اليوم. أما DHEA-S فهو الشكل الكبريتي المخزَّن، ويتميز بعمر أطول واستقرار أكبر. لذلك يُعدّ DHEA-S الفحص المخبري الأكثر استخداماً، لأنه يعكس مخزون DHEA في الجسم دون أن يتأثر بدرجة تُذكر بتقلبات اليوم، ولهذا يمكن إجراؤه في أي وقت، بخلاف التستوستيرون الذي يُفضّل قياسه صباحاً.
هل يمكن أن يكون التستوستيرون طبيعياً وDHEA منخفضاً في نفس الوقت؟
نعم، وهذا أكثر شيوعاً مما يعتقد كثيرون. التستوستيرون يُنتجه الخصيتان عبر محور HPG، بينما DHEA يُنتجه الكظري عبر محور مختلف ومستقل. الاثنان قد ينخفضان معاً أو بشكل منفصل تماماً، ولهذا يُكمّل كل منهما الصورة التي يُقدمها الآخر.
هل انخفاض DHEA وحده يسبب ضعف الانتصاب؟
ضعف الانتصاب متعدد الأسباب ولا يمكن إرجاعه لهرمون واحد. لكن DHEA يؤثر على الانتصاب من مسارين: مباشرةً بصفته ستيرويداً عصبياً في أنسجة القضيب، وبصورة غير مباشرة عبر تحوّله إلى تستوستيرون وإستراديول موضعي داخل خلايا الجسم الكهفي. دراسة ماساتشوستس أظهرت أنه من أقوى المؤشرات الهرمونية المرتبطة بضعف الانتصاب بين 17 هرموناً.
هل DHEA يؤثر على المزاج والاكتئاب؟
نعم، وبصورة مباشرة. DHEA يتفاعل مع مستقبلات GABA وNMDA في الدماغ مما يُخفّف القلق ويُحسّن المزاج. وقد ربطت دراسات متعددة انخفاضه بمعدلات أعلى من الاكتئاب والإرهاق الذهني، خاصةً عند الرجال الذين يعانون من كورتيزول مرتفع مزمنياً.
ما علاقة التوتر المزمن بانخفاض DHEA تحديداً؟
التوتر المزمن يرفع الكورتيزول باستمرار، مما يُعيد توجيه موارد الغدة الكظرية بعيداً عن إنتاج DHEA. كما أن ارتفاع الكورتيزول يُثبط إفراز ACTH عبر آلية التغذية الراجعة السلبية، فتضعف الإشارة المحفزة للغدة الكظرية بأكملها. ومع ذلك، ينخفض DHEA بدرجة أكبر من الكورتيزول، لأن الجسم يُعطي الأولوية لإنتاج الكورتيزول في حالات الإجهاد للحفاظ على وظائفه الحيوية.
هل DHEA المنخفض يزيد من خطر أمراض القلب؟
الأبحاث تُشير إلى ذلك، وبصورة خاصة لدى الرجال. فقد ارتبط انخفاض DHEA-S في عدة دراسات تابعت الرجال لسنوات بزيادة خطر الأحداث القلبية الوعائية، حتى بعد أخذ عوامل الخطر التقليدية في الحسبان، وهو ارتباط لا يُلاحظ بنفس القوة لدى النساء.
إخلاء المسؤولية: هذا المقال لأغراض تثقيفية فقط ولا يُغني عن استشارة طبيب مختص. عند الشك في انخفاض DHEA أو وجود أعراض هرمونية، يُنصح بمراجعة متخصص في الصحة الجنسية أو الغدد الصماء لإجراء التقييم والتحاليل اللازمة.
مقالات قد تهمك:

