المواد الكيميائية اليومية والصحة الجنسية عند الرجال: هل تؤثر على الهرمونات والخصوبة؟

رسم توضيحي ولقطة لشاب داخل مختبر محاط بالمواد الكيميائية اليومية لمناقشة مقال تأثير المواد الكيميائية اليومية على الهرمونات والخصوبة والصحة الجنسية عند الرجال.

يتناول رجل طعاماً محفوظاً في علبة معدنية، ويخزّن وجبته في وعاء بلاستيكي، ثم يمسك إيصالاً ورقياً بعد التسوق. تبدو هذه مواقف يومية عادية لا تستحق التفكير، لكنها قد تعرّض الجسم لكميات صغيرة من مواد كيميائية صناعية تدخل في تصنيع بعض العبوات ومواد التغليف والإيصالات الحرارية.

ولا يعني ذلك أن استخدام منتج واحد يسبب ضرراً فورياً، أو أن على الرجل الخوف من كل مادة بلاستيكية يلمسها. فالمشكلة تتعلق بالتعرض اليومي المتكرر من مصادر متعددة، لأن بعض هذه المواد قد تتداخل مع عمل الهرمونات في الجسم، وتؤثر مع مرور الوقت في التستوستيرون والحيوانات المنوية والخصوبة والصحة الجنسية.

ومن أشهر الأمثلة مادة بيسفينول أ (BPA)، وهي مادة تدخل في تصنيع بعض أنواع البلاستيك والطبقات الداخلية الواقية للعلب المعدنية. وقد أظهرت دراسات أُجريت في مناطق مختلفة من العالم أن التعرض لها واسع الانتشار؛ إذ عُثر عليها في بول أكثر من 90% من المشاركين في دراسات كبيرة أُجريت في الولايات المتحدة و11 دولة أوروبية.

ولا يعني وجود BPA في البول أن الضرر حدث حتماً، لكنه يؤكد أن التعرض لهذه المادة أصبح شبه عالمي. وتكمن أهميتها في قدرتها على التدخل في عمل الهرمونات، مما يثير مخاوف بشأن تأثير التعرض المتكرر لها في الجهاز التناسلي والخصوبة. ( المصادر: EHP/ EEA )

وهنا تظهر المفارقة: نحن لا نتحدث غالباً عن تسمم فوري يمكن ملاحظته، بل عن تأثيرات محتملة قد تتطور تدريجياً مع تكرار التعرض. فهل تحمل بعض أدوات الحياة الحديثة، بما فيها العبوات البلاستيكية ومواد التغليف والمنظفات، كلفة خفية على خصوبة الرجل وهرموناته؟

في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية مفصّلة للإجابة عن هذا السؤال وفهم العلاقة بدقة، بعيداً عن التهويل أو التجاهل.


أولاً: معطّلات الغدد الصمّاء والاستروجينات البيئية — المفهوم والآلية

قبل الدخول في التفاصيل، لا بد من فهم الإطار العلمي الذي تندرج تحته المواد التي سيتناولها هذا المقال، وهو مصطلح “معطّلات الغدد الصمّاء” (Endocrine Disruptors). وتضم هذه الفئة أي مادة كيميائية خارجية قادرة على التدخل في عمل الجهاز الهرموني.

وقد يحدث هذا التدخل بطرق متعددة. أولاً، عبر محاكاة هرمون طبيعي والارتباط بمستقبلاته كما لو كانت الهرمون نفسه. والمستقبلات هي بروتينات توجد على سطح الخلايا أو داخلها، وترتبط بهرمونات محددة لتستقبل رسائلها وتدفع الخلية إلى الاستجابة لها.

وثانياً، قد تمنع هذه المواد الهرمون الطبيعي من الارتباط بمستقبله، فتعطّل عمله. وثالثاً، قد تؤثر في كيفية إنتاج الهرمونات الطبيعية أو نقلها أو التخلص منها داخل الجسم. وبمعنى آخر، لا “تسمم” هذه المواد الخلية مباشرة في الغالب، بل تتدخل في لغة التواصل الكيميائي التي تستخدمها الغدد للتحكم في وظائف الجسم.

ومن بين هذه الفئة الواسعة، تبرز مجموعة فرعية هي الأكثر شهرة وبحثاً علمياً، وهي “الاستروجينات البيئية” (Xenoestrogens، وتعني حرفياً استروجينات غريبة المصدر عن الجسم). هذه المجموعة تحديداً تعمل عبر الآلية الأولى المذكورة أعلاه، أي محاكاة هرمون الإستروجين (الهرمون الأنثوي الأساسي) والارتباط بمستقبلاته الموجودة في أنسجة الجسم المختلفة، بما فيها الأنسجة التناسلية الذكرية. ولفهم لماذا هذا مهم للرجل تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن جسم الرجل يحتوي بشكل طبيعي على كمية صغيرة من الإستروجين، وأن التوازن الدقيق بين هذا الإستروجين والتستوستيرون (الهرمون الذكري الأساسي) ضروري لعمل الجهاز التناسلي بشكل سليم؛ فأي مادة خارجية تضيف “إشارة استروجينية” زائدة قد تُخل بهذا التوازن.

أشهر مادتين من هذه الفئة هما BPA (اختصار لمادة Bisphenol A) والفثالات (Phthalates). تُستخدم مادة BPA بشكل رئيسي في تصنيع البلاستيك الصلب الشفاف (كعبوات المياه القابلة لإعادة الاستخدام والحاويات الغذائية) وفي البطانة الداخلية للعلب المعدنية الغذائية، كما توجد في الإيصالات الحرارية المطبوعة (تلك الأوراق اللامعة الصادرة من ماكينات نقاط البيع). أما الفثالات فتُستخدم كمادة “مُلينة” تُضاف للبلاستيك لجعله أكثر مرونة، وتوجد أيضاً في العطور ومستحضرات العناية الشخصية كمثبّت للرائحة. والعامل المشترك بين المادتين هو أنهما لا ترتبطان كيميائياً بشكل دائم بالمنتج الذي أُضيفتا إليه، بل تتسربان تدريجياً إلى الطعام أو الماء أو الجلد، خصوصاً عند التعرض للحرارة أو الاحتكاك أو مرور الوقت.

ومن الناحية الكيميائية، ترجع قدرة هذه المواد على “خداع” مستقبلات الإستروجين إلى تشابه ترتيب ذراتها مع تركيب هرمون الإستروجين الطبيعي، إذ تتخذ بعض أجزائها شكلاً حلقياً مشابهاً، رغم أنها ليست مطابقة له تماماً.

ويعني هذا التشابه الجزئي أن المستقبل الهرموني قد “يقبل” هذه المادة الغريبة ويرتبط بها. لكنها غالباً لا تنشّط المستقبل بالكفاءة أو بالطريقة نفسها التي ينشّطه بها الإستروجين الطبيعي، مما يسبب نوعاً من “التشويش” على الإشارة الهرمونية بدلاً من استبدالها بطريقة منتظمة ومتوقعة. وهذا التشويش هو ما يجعل تحديد حجم التأثير لدى كل شخص مسبقاً أمراً صعباً؛ لأنه يعتمد على عدد المستقبلات المتاحة، ومدة التعرض، ومدى استجابة جسم كل شخص لهذه المواد.

رأي أطلس الرجل الصحي: من المهم توضيح أن مجرد وجود هذه المواد في المنتجات اليومية لا يعني بالضرورة أن كل شخص يستخدمها سيتأثر عمل هرموناته بشكل ملحوظ. فالجرعة ومدة التعرض ومدى استجابة جسم كل شخص عوامل حاسمة في تحديد حجم التأثير الفعلي، وهذا ما ستوضحه الأقسام التالية بالتفصيل.

اقرأ أيضاً: الإستروجين عند الرجال: ما هو وما تأثيره على التستوستيرون والصحة الجنسية؟


ثانياً: تأثير الاستروجينات البيئية على الهرمونات

بعد فهم آلية “التقليد الهرموني” التي تعمل بها الاستروجينات البيئية، يبقى السؤال الأهم: كيف يترجم هذا التقليد إلى تأثير فعلي وملموس على مستويات الهرمونات الذكرية؟ الإجابة تكمن في المحور الهرموني الذي يتحكم بإنتاج التستوستيرون، وهو محور يُعرف علمياً بمحور “الوطاء – الغدة النخامية – الخصية” (يقصد به سلسلة من الإشارات الكيميائية تبدأ من منطقة بالدماغ وتنتهي بأمر مباشر للخصية بإنتاج التستوستيرون).

فعندما يرتفع مستوى الاستروجين في الجسم بفعل هذه المواد الخارجية، يستقبل الدماغ هذه الإشارة الاستروجينية الزائدة على أنها دليل كافٍ من الهرمونات الجنسية، فيقلّل من إفراز الإشارات المحفّزة للخصية على إنتاج التستوستيرون، وذلك عبر آلية تُعرف بـ”التغذية الراجعة السلبية” (وهي آلية تنظيم طبيعية يخفّض فيها الجسم إنتاج مادة ما عندما “يشعر” بوجود كمية كافية منها أو مما يشبهها). بمعنى أبسط، الجسم يُخدَع ليعتقد أنه لا يحتاج مزيداً من التستوستيرون، فيقلّل إنتاجه الفعلي، رغم أن المصدر الحقيقي لهذا “الاكتفاء الوهمي” مادة كيميائية خارجية لا علاقة لها بالتوازن الهرموني الطبيعي للجسم.

وقد وجد تحليل تلوي، وهو دراسة تجمع نتائج عدة أبحاث سابقة للوصول إلى استنتاج أكثر دقة، أن ارتفاع مستويات BPA في البول ارتبط بانخفاض مستويات الهرمونات الذكرية النشطة المتاحة للجسم، وأبرزها التستوستيرون، وهو الهرمون الجنسي الرئيسي عند الرجال، إلى جانب اضطرابات أخرى في توازن الهرمونات التناسلية. ( المصدر: PubMed )

ورغم أن الدراسات التي شملها التحليل كانت دراسات رصدية، أي إنها راقبت العلاقة بين التعرض للمادة والتغيرات الهرمونية دون إخضاع المشاركين لتجربة مباشرة، فإن تكرار النتائج يدعم احتمال وجود ارتباط حقيقي بين التعرض لـBPA واضطراب الهرمونات الذكرية، لكنه لا يثبت أن هذه المادة هي السبب المباشر والوحيد.

وتجدر الإشارة إلى أن الفثالات تسلك مساراً مشابهاً من حيث النتيجة النهائية، لكن بآلية أدق: فبعض أنواع الفثالات ترتبط بانخفاض إنزيم يُعرف باسم “3-بيتا هيدروكسي ستيرويد ديهيدروجينيز” (وهو أحد الإنزيمات الأساسية التي تحتاجها خلايا الخصية لتصنيع التستوستيرون من مادة الكوليسترول الأولية)، مما يعني أن الفثالات قد تُضعف قدرة الخصية نفسها على “تصنيع” التستوستيرون، وليس فقط على مستوى الإشارة الدماغية المحفزة له. هذا يوضح أن التأثير الهرموني لهذه المواد قد يحدث على أكثر من مستوى في وقت واحد: مستوى التحكم الدماغي، ومستوى التصنيع الفعلي داخل الخصية.

وإضافة لهذين المسارين، رصدت بعض الدراسات الحديثة نسبياً مساراً ثالثاً أقل شهرة، وهو تأثير هذه المواد على بروتين يُعرف بـ”الغلوبولين الرابط للهرمونات الجنسية” (SHBG، وهو بروتين ينقل التستوستيرون عبر الدم ويتحكم في كمية “التستوستيرون الحر” المتاحة فعلياً لأنسجة الجسم لاستخدامه). فقد لوحظ أن ارتفاع مستويات بعض الفثالات يترافق مع تغيّر في مستوى هذا البروتين، مما يعني أن الشخص قد يملك مستوى طبيعياً ظاهرياً من التستوستيرون الكلي في تحليل الدم، بينما تكون الكمية “الحرة” الفعلية المتاحة لجسده أقل من المتوقع، وهذا يُفسّر جزئياً لماذا قد يشعر بعض الرجال بأعراض نقص التستوستيرون رغم نتيجة تحليل ظاهرها طبيعي.

رأي أطلس الرجل الصحي: يبدو من الأدلة المتوفرة حالياً أن العلاقة بين هذه المواد وانخفاض التستوستيرون علاقة حقيقية لكنها ليست بنفس القوة عند كل الأشخاص، إذ تدخل فيها عوامل أخرى كالعمر ونمط الحياة العام ومدى التعرض المتراكم، لذلك يُفضَّل التعامل مع هذه المعلومة كسبب إضافي للحذر لا كحكم قاطع بوجود ضرر مؤكد لكل من تعرّض لهذه المواد.

اقرأ أيضاً: SHBG عند الرجال: لماذا قد تظهر أعراض نقص التستوستيرون رغم أن التحليل طبيعي؟


ثالثاً: تأثير الاستروجينات البيئية على الخصوبة

إذا كان القسم السابق قد أوضح كيف تؤثر هذه المواد على “الكمية” المُنتَجة من التستوستيرون، يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يمتد هذا التأثير إلى الخصوبة الفعلية، أي إلى قدرة الحيوانات المنوية نفسها على أداء وظيفتها؟ الإجابة العلمية هنا نعم، والمسار مختلف جزئياً عن مسار التستوستيرون؛ لأن التستوستيرون المُنتَج داخل الخصية ليس مجرد هرمون ينتقل إلى الدم، بل تحتاجه الخصية نفسها بتركيز مرتفع لإتمام عملية “تكوين الحيوانات المنوية” (Spermatogenesis)، وهي العملية المعقدة التي تتحول فيها الخلايا الأولية داخل الخصية إلى حيوانات منوية ناضجة قادرة على الحركة والإخصاب.

وعليه، فإن أي انخفاض في مستوى التستوستيرون داخل أنسجة الخصية بفعل الإستروجينات البيئية قد ينعكس مباشرة على جودة هذه العملية، وقد وثّقت عدة دراسات هذا الأثر عبر ثلاثة مؤشرات رئيسية لتحليل السائل المنوي: أولاً، انخفاض في العدد الكلي للحيوانات المنوية؛ وثانياً، تراجع في نسبة الحيوانات المنوية ذات الحركة الطبيعية والفعالة (Motility)؛ وثالثاً، ارتفاع في نسبة الحيوانات المنوية ذات الشكل غير الطبيعي (Morphology).

فقد أظهرت دراسة أُجريت على عمّال يتعرضون لمستويات مرتفعة من الفثالات بحكم طبيعة عملهم، وتحديداً في مصنع لإنتاج بولي فينيل كلوريد (PVC)، وهو نوع شائع من البلاستيك قد تُضاف إليه الفثالات لجعله أكثر ليونة، أن هؤلاء سجلوا معدلات أقل بشكل ملحوظ في حركة الحيوانات المنوية، مع ارتفاع مؤشرات الإجهاد التأكسدي في السائل المنوي، مقارنة بمجموعة أخرى أقل تعرضاً استُخدمت للمقارنة. ( المصدر: PubMed )

لكن مستوى التعرض لدى هؤلاء العمّال كان أعلى بكثير من التعرض المعتاد في الحياة اليومية؛ لذلك لا يمكن الجزم بأن الكميات المنخفضة التي يتعرض لها عامة الناس ستؤدي إلى التأثير نفسه. ومع ذلك، توضح الدراسة الضرر المحتمل للفثالات عند التعرض المرتفع والمستمر.

كما أن هناك آلية إضافية تتجاوز التستوستيرون نفسه، وهي أن الإستروجينات البيئية قد تزيد من إنتاج “الجذور الحرة” داخل السائل المنوي، وهي جزيئات كيميائية غير مستقرة تنتج بشكل طبيعي بكميات قليلة أثناء عمليات الجسم الحيوية، لكنها عند الزيادة المفرطة تُسبب ما يُعرف بـ”الإجهاد التأكسدي” (حالة اختلال بين هذه الجزيئات الضارة وقدرة الجسم على تحييدها)، وهذا الإجهاد التأكسدي يُلحق ضرراً مباشراً بغشاء الحيوان المنوي والمادة الوراثية الموجودة بداخله. بمعنى آخر، حتى لو بقي عدد الحيوانات المنوية ضمن الحدود الطبيعية ظاهرياً، فقد تتأثر قدرتها على الحركة والإخصاب أو تتضرر مادتها الوراثية، دون أن يظهر ذلك بوضوح في تحليل السائل المنوي التقليدي.

ومن الزوايا البحثية الأحدث، بدأت دراسات تتناول تأثير هذا الإجهاد التأكسدي في الحمض النووي داخل رأس الحيوان المنوي، أي المادة الوراثية التي يحملها. وقد لا يظهر هذا الضرر في تحليل السائل المنوي الأساسي، لكنه قد يفسّر بعض حالات تأخر الإنجاب رغم ظهور نتائج التحليل ضمن الحدود الطبيعية. وقد وجدت دراسة قاست نواتج الفثالات في البول أن ارتفاع مستويَي MEP وMEHP، وهما مادتان تتكوّنان داخل الجسم بعد التعرض لبعض أنواع الفثالات، ارتبط بزيادة الضرر في الحمض النووي للحيوانات المنوية. ( المصدر: PubMed )

رأي أطلس الرجل الصحي: الملاحظة المهمة هنا أن تأثير هذه المواد على الخصوبة قد لا يظهر دائماً كـ”عدد قليل” واضح بتحليل السائل المنوي البسيط، بل قد يظهر كخلل بجودة الحيوانات المنوية أو سلامتها الوراثية يحتاج تحليلاً أدق، وهذا يستدعي عدم الاكتفاء بنتيجة عدد طبيعي كضمان كامل عند وجود شك حقيقي بمصدر تعرض بيئي مرتفع مترافق مع تأخر إنجاب غير مفسَّر.

اقرأ أيضاً:


رابعاً: المعادن الثقيلة وتأثيرها على الهرمونات والخصوبة

بعد استعراض آلية “التقليد الهرموني” التي تنتهجها الاستروجينات البيئية، تجدر الإشارة إلى أن ليست كل المواد الكيميائية اليومية تعمل بهذه الطريقة، فهناك فئة أخرى مختلفة تماماً في آلية ضررها، وهي المعادن الثقيلة، وأبرزها الرصاص والكادميوم. هذه المعادن لا “تحاكي” الهرمونات، بل تتصرف كسموم مباشرة تستهدف الخلايا نفسها، وهذا يجعل التمييز بينها وبين الاستروجينات البيئية ضرورياً لفهم دقيق لكل مصدر تعرض.

الرصاص والكادميوم معدنان ثقيلان سامّان يوجدان طبيعياً في البيئة، لكن الأنشطة الصناعية أدت إلى انتشارهما في بعض المنتجات والهواء والتربة والمياه. ويمكن أن يتراكما داخل الجسم مع تكرار التعرض لهما ويؤثرا في عدة أعضاء، من بينها الجهاز التناسلي.

ويدخل الرصاص إلى الجسم غالباً عبر مصادر مثل الأنابيب القديمة الناقلة لمياه الشرب في بعض المباني، أو الطلاء القديم المتقشر، أو بعض أنواع مستحضرات التجميل التقليدية غير المرخصة. أما الكادميوم، فيدخل بشكل رئيسي عبر التدخين؛ لأن نبات التبغ يمتصه من التربة بكفاءة عالية، وكذلك عبر بعض الأطعمة البحرية والنباتية المزروعة في تربة ملوثة صناعياً.

وآلية ضرر هذين المعدنين على الخصوبة تحدث عبر مسارين رئيسيين: أولاً، عبر التراكم المباشر داخل نسيج الخصية والتسبب بإجهاد تأكسدي حاد يُتلف الخلايا المسؤولة عن إنتاج الحيوانات المنوية؛ وثانياً، عبر تعطيل ما يُعرف بـ”الحاجز الدموي الخصوي” (وهو طبقة من الخلايا المتخصصة تحمي الحيوانات المنوية النامية من المواد الضارة الموجودة في الدم)، مما يسمح لمزيد من السموم بالوصول إلى الحيوانات المنوية أثناء تكوّنها.

وقد أظهرت دراسة قياس حيوي (تعني دراسة تقيس مستوى مادة معينة في عيّنات جسدية فعلية، كالدم أو البول) شملت 587 رجلاً من عامة السكان، لا يتعرضون للكادميوم بكميات مرتفعة بحكم عملهم، أن ارتفاع مستوياته في الدم ارتبط بانخفاض ملحوظ في الحركة التقدمية للحيوانات المنوية، أي قدرتها على السباحة إلى الأمام، إضافة إلى انخفاض حجم السائل المنوي ونسبة الحيوانات المنوية ذات الشكل الطبيعي. وظهر هذا الارتباط حتى بعد مراعاة تأثير عوامل أخرى، من ضمنها العمر والتدخين نفسه. ( المصدر: PubMed )

أما بخصوص الرصاص، فقد أثبتت دراسة حيوانية أن التعرض له يخفّض إنتاج التستوستيرون مباشرة من خلايا لايديغ (الخلايا المُنتجة له داخل الخصية)، عبر تقليل نشاط الإنزيمات الأساسية اللازمة لتصنيع هذا الهرمون، وقد سجّلت الدراسة انخفاضاً بنسبة تجاوزت النصف بإنتاج التستوستيرون الأساسي لدى الحيوانات المُعرَّضة للرصاص مقارنة بغير المُعرَّضة ( المصدر: PubMed )

أما على مستوى الدراسات البشرية، فالصورة أقل وضوحاً؛ إذ وجدت دراسة صينية واسعة شملت أكثر من 1500 عامل معرّض للرصاص أن ارتفاع مستوياته في الدم ارتبط بارتفاع التستوستيرون، لا بانخفاضه كما قد يُتوقع. ( المصدر: PMC )

بينما ربطت دراسات أخرى أُجريت على عمّال يتعرضون لمستويات مرتفعة جداً من الرصاص بحكم عملهم، كعمّال اللحام، بينه وبين تضرر خلايا لايديغ المنتجة للتستوستيرون وخلايا سيرتولي التي تدعم تكوين الحيوانات المنوية وتساعد على نضجها. ويشير ذلك إلى أن طبيعة العلاقة قد تختلف بحسب مستوى التعرض ومدته. ( المصدر: Annals of Global Health )

ومن التفاصيل المهمة أن الرصاص يمكن أن يتراكم داخل العظام ويبقى فيها سنوات طويلة بعد التعرض له. وقد يعود جزء منه إلى الدم تدريجياً عند ضعف العظام وفقدان كثافتها مع التقدم في العمر. ولذلك، قد يستمر تأثيره فترة أطول بكثير من مدة التعرض المباشر له.

أما الكادميوم، فيبقى داخل الجسم مدة طويلة جداً، ويتراكم خصوصاً في الكلى، وقد يحتاج الجسم إلى عشرات السنين للتخلص من نصف الكمية المتراكمة منه. وهذا يفسّر لماذا قد يبقى التدخين لسنوات طويلة عاملاً مهماً يجب أخذه في الحسبان عند البحث عن أسباب ضعف الخصوبة غير المفسَّر، حتى بعد الإقلاع عنه.

رأي أطلس الرجل الصحي: الفرق الجوهري الذي يجب أن يبقى واضحاً هو أن ضرر المعادن الثقيلة يرتبط عادة بمصدر يمكن معرفته وتجنبه بشكل أوضح، كالتدخين أو مياه ملوثة بعينها، بعكس الإستروجينات البيئية المنتشرة على نطاق أوسع والتي يصعب تجنبها كلياً في الحياة اليومية الحديثة. وهذا يجعل التعامل مع مصدر التعرض للمعادن الثقيلة أكثر وضوحاً من الناحية العملية.

اقرأ أيضاً: التدخين والأداء الجنسي عند الرجل: كيف يضعف الانتصاب ويقلل الرغبة؟


خامساً: المايكروبلاستيك — الخطر الحديث داخل الخصية نفسها

بعد استعراض المواد الكيميائية التي تتسرب من البلاستيك، يطرح سؤال أحدث نسبياً نفسه: ماذا عن البلاستيك نفسه، ليس كمصدر لمواد كيميائية متسربة، بل كجسيمات مادية دقيقة قد تدخل الجسم وتستقر فيه؟ هذا هو محور “المايكروبلاستيك” (Microplastics)، ويُقصد به قطع بلاستيكية دقيقة جداً، يقل حجم بعضها عن خمسة ملليمترات وقد يصل بعضها الآخر إلى حجم لا يُرى بالعين المجردة (ويُعرف الأدق منها بـ”النانوبلاستيك”).

تنتج هذه الجسيمات عن التحلل التدريجي للمنتجات البلاستيكية الكبيرة بفعل الاحتكاك والأشعة الشمسية، كما قد تتحرر على شكل ألياف بلاستيكية دقيقة من الملابس المصنوعة من مواد صناعية، مثل البوليستر والنايلون، أثناء غسلها، ومن أكياس الشاي البلاستيكية عند نقعها في ماء ساخن، ومن الغبار المنزلي المتطاير من الأسطح البلاستيكية.

والفرق الجوهري بين هذا المحور وكل ما سبق ذكره في المقال هو طبيعة الضرر المحتمل؛ فبينما تعمل الإستروجينات البيئية والمعادن الثقيلة كمواد كيميائية تتفاعل مع مستقبلات أو إنزيمات داخل الجسم، قد تدخل جزيئات المايكروبلاستيك إلى بعض الأنسجة وتثير فيها الالتهاب بوصفها أجساماً غريبة. وقد تحمل على سطحها أيضاً بقايا مواد كيميائية تدخل في تصنيع البلاستيك، مثل BPA والفثالات، مما يجعل ضررها المحتمل مزدوجاً: ناتجاً عن الجزيئات نفسها والمواد الكيميائية التي قد تحملها معها.

وما يجعل هذا الموضوع محل اهتمام علمي متزايد أن دراسات حديثة نسبياً رصدت وجود جسيمات المايكروبلاستيك فعلياً في عينات من الخصية البشرية والسائل المنوي. وتُظهر هذه النتائج أن الحاجز الدموي الخصوي، الذي يحمي أنسجة الخصية من كثير من المواد الموجودة في الدم، لا يمنع وصول هذه الجسيمات إليها بصورة كاملة.

فقد وثّقت دراسة أُجريت على 23 عينة من الخصية البشرية وجود جسيمات المايكروبلاستيك في جميع العينات، وشملت أنواعاً مختلفة من البلاستيك، كان أبرزها البولي إيثيلين، وهو نوع شائع يُستخدم في صناعة الأكياس والعبوات البلاستيكية. وتشير هذه النتيجة إلى أن وصول هذه الجسيمات إلى الخصية قد يكون أوسع انتشاراً مما كان متوقعاً. ( المصدر: PMC )

ورغم أن هذا المجال البحثي ما يزال في مراحله المبكرة نسبياً، وما تزال الدراسات التي تربط بشكل مباشر بين تركيز هذه الجسيمات وانخفاض جودة الحيوانات المنوية محدودة العدد، فإن النتائج الأولية تشير إلى ارتباط وجودها بزيادة الالتهاب في الأنسجة المحيطة بها، وكذلك بتراجع حركة الحيوانات المنوية في العينات التي تحتوي على تركيز أعلى من هذه الجسيمات.

وتشمل الآليات المقترحة لهذا الضرر عدة مسارات. أولاً، قد يتعامل الجهاز المناعي مع هذه الجسيمات بوصفها أجساماً غريبة، مما يسبب التهاباً داخل أنسجة حساسة كالخصية. وثانياً، قد يؤدي الالتهاب والإجهاد التأكسدي الناتجان عنها إلى إضعاف “الحاجز الدموي الخصوي”، وهو حاجز يحمي الخلايا المسؤولة عن تكوين الحيوانات المنوية من المواد الضارة الموجودة في الدم. وثالثاً، قد تطلق الجسيمات داخل الأنسجة التناسلية بعض المواد الكيميائية التي تحملها على سطحها، مثل BPA، مما يزيد تعرض هذه الأنسجة لها.

رأي أطلس الرجل الصحي: هذا المحور من أحدث وأسرع المجالات البحثية تطوراً في هذا الموضوع، وما تزال الصورة العلمية الكاملة غير مكتملة، لكن مجرد توثيق وجود هذه الجسيمات داخل نسيج بشري حساس كالخصية يكفي وحده ليكون سبباً كافياً لمتابعة هذا المجال عن قرب مستقبلاً، ولتبني خطوات تقليل تعرض عملية دون انتظار اكتمال كل الأدلة العلمية.


سادساً: مصادر تعرض يومية أخرى

إلى جانب الاستروجينات البيئية والمعادن الثقيلة والمايكروبلاستيك، توجد مجموعة أخرى من المصادر اليومية الأقل شهرة إعلامياً لكنها موثقة علمياً، وتستحق إشارة موجزة رغم أن حجم الأدلة عليها أقل اتساعاً من سابقاتها.

المبيدات الحشرية وبقايا المزروعات:

قد تتدخل بعض المبيدات الزراعية في إنتاج الهرمونات أو عملها الطبيعي، خصوصاً المبيدات الفوسفورية العضوية، وهي فئة تُستخدم لمكافحة الحشرات عبر التأثير في جهازها العصبي، ومنها الملاثيون والكلوربيريفوس. وتشير بعض الأبحاث إلى أن التعرض لأنواع منها قد يؤثر في إنزيمات تشارك في تصنيع التستوستيرون.

وقد أُجريت دراسة متابعة طولية، أي تابعت العمال وكررت القياسات لديهم خلال فترات مختلفة، على عمّال يتعاملون مباشرة مع هذه المبيدات بحكم عملهم. ووجدت أن تركيز الحيوانات المنوية وعددها اختلفا باختلاف مستوى التعرض، إذ سُجلت أضعف النتائج لدى العمال ذوي التعرض الأعلى، والذين ظهرت لديهم أيضاً أعلى مستويات من نواتج هذه المبيدات في البول، بينما تحسّنت النتائج نسبياً عند انخفاض التعرض (المصدر: Wiley)

أما عامة الناس غير العاملين في الزراعة، فيتعرضون عادة لمستويات أقل، غالباً عبر بقايا هذه المبيدات على الخضار والفواكه غير المغسولة جيداً. وقد أظهرت دراسة أخرى أن استبدال الأطعمة التي تحتوي على مستويات مرتفعة من بقايا المبيدات بأطعمة عضوية، وهي أطعمة تُنتج وفق قواعد تحدّ من استخدام المبيدات والأسمدة الصناعية، صاحبه انخفاض سريع وملحوظ في مستويات هذه المبيدات المقاسة في عينات البول. ويدعم ذلك أن الغذاء اليومي قد يكون مصدراً مهماً للتعرض، وأن تعديل نوع الطعام قد يساعد على تقليله. ( المصدر: PubMed )

البارابين (Parabens):

تُستخدم هذه المواد كمواد حافظة في كثير من مستحضرات العناية الشخصية، كالشامبو والكريمات ومزيلات العرق، لمنع نمو البكتيريا والفطريات. وتشير بعض الدراسات الأولية إلى أن بعض أنواع البارابين تمتلك نشاطاً إستروجينياً خفيفاً، أي إنها قد تحاكي تأثير الإستروجين بدرجة محدودة، لكن بقوة أقل بكثير من BPA والفثالات. وهذا ما يفسّر اعتبارها أقل إثارة للقلق حتى الآن مقارنة بهاتين المادتين. ومع ذلك، فإن الاستخدام اليومي المتكرر لعدة منتجات تحتوي عليها في الوقت نفسه، مثل الشامبو والكريم ومزيل العرق، قد يزيد إجمالي التعرض لها بشكل يستحق الانتباه، حتى لو كانت الكمية الموجودة في كل منتج بمفرده قليلة.

مواد التنظيف المنزلي والعطور الصناعية:

تحتوي كثير من منتجات التنظيف والعطور على مركبات كيميائية متطايرة، وقد تتدخل بعض هذه المركبات في إنتاج الهرمونات أو عملها الطبيعي بدرجات متفاوتة بحسب تركيبة المنتج. لكن الأدلة العلمية التي تربطها مباشرة بخصوبة الرجل ما تزال محدودة مقارنة بالأدلة المتوفرة على BPA والفثالات، ولذلك يجب التعامل مع نتائجها بحذر وعدم استخلاص نتيجة قاطعة منها حالياً.


سابعاً: طرق الحماية والتقليل من التعرض

من المهم توضيح نقطة جوهرية قبل عرض هذه الخطوات: الحديث هنا عن “تقليل التعرض والوقاية” أكثر من كونه “علاجاً” بالمعنى الطبي المباشر؛ لأن معظم الدراسات في هذا المجال تركز على تجنّب مصدر التعرض، لا على استخدام دواء لعكس الضرر بعد حدوثه. وتشير بعض الدراسات إلى أن تقليل التعرض قد يصاحبه تحسّن تدريجي في مستويات الهرمونات ومؤشرات الخصوبة، إذا كان العامل البيئي هو السبب الفعلي للمشكلة أو أحد أسبابها.

وانطلاقاً من ذلك، تبدأ الوقاية بتقليل مصادر التعرض المتكرر في الحياة اليومية. فإذا كنت تسخّن الطعام داخل عبوات بلاستيكية في الميكروويف، فمن الأفضل استبدالها بأوعية زجاجية؛ لأن الحرارة قد تزيد انتقال بعض المواد الكيميائية من البلاستيك إلى الطعام. كما يُفضّل تقليل الاعتماد على الأطعمة المعلّبة واختيار البدائل الطازجة أو المجمّدة قدر الإمكان؛ لأن الطبقة الداخلية لبعض العلب المعدنية قد تحتوي على BPA.

ويُنصح أيضاً بتفقّد مكونات مستحضرات العناية الشخصية، واختيار المنتجات الخالية من الفثالات والبارابين عند توفر بدائل واضحة المكونات. أما الخضار والفواكه، فيساعد غسلها جيداً تحت الماء الجاري على تقليل بقايا المبيدات الموجودة على سطحها، ويمكن تقشير الأصناف المناسبة لذلك عند الحاجة.

وبخصوص المايكروبلاستيك تحديداً، يُنصح بتقليل استخدام أكياس الشاي البلاستيكية لصالح الأنواع الورقية التقليدية، وتجنب نقع أطعمة أو مشروبات ساخنة داخل أوعية بلاستيكية، وتفضيل الملابس المصنوعة من ألياف طبيعية (قطن، كتان) على الألياف الصناعية (بوليستر) قدر الإمكان، خصوصاً أن الغسيل المتكرر لهذه الأخيرة من أهم مصادر تحرر جسيمات المايكروبلاستيك المنزلية. أما بخصوص المعادن الثقيلة تحديداً، فإن الإقلاع عن التدخين يبقى الخطوة الأكثر تأثيراً وقابلية للقياس، نظراً للعلاقة المباشرة الموثقة بين التدخين ومستويات الكادميوم.

رأي أطلس الرجل الصحي: هذه الخطوات لا تعني إمكانية “عزل” الجسم كلياً عن هذه المواد، فهي منتشرة بشكل يصعب تجنبه بالكامل في نمط الحياة الحديث، لكن تقليل التعرض التراكمي عبر خطوات عملية بسيطة ومستمرة يبقى الأسلوب الأكثر واقعية وفعالية على المدى الطويل، بدل السعي وراء “تجنب مطلق” غير قابل للتطبيق فعلياً.


متى تراجع الطبيب؟

إذا لاحظت انخفاضاً واضحاً في الرغبة الجنسية أو الأداء الجنسي دون سبب واضح آخر، أو إذا كنت تحاول الإنجاب منذ أكثر من سنة دون نجاح رغم العلاقة الزوجية المنتظمة، فهذه إشارات تستدعي مراجعة الطبيب لتقييم الوضع الهرموني والخصوبة بشكل مباشر، بدل الاكتفاء بالربط الذاتي بين الأعراض ومصادر تعرض بيئي مفترضة. كذلك، إذا كانت طبيعة عملك تتضمن تعرضاً مهنياً مباشراً ومرتفعاً لهذه المواد (كالعمل بالزراعة مع المبيدات، أو صناعات البلاستيك، أو التعامل المباشر مع الرصاص)، يُفضَّل إجراء فحوصات دورية استباقية دون انتظار ظهور أعراض واضحة.

كيف تبدأ مع طبيبك؟

يُفضَّل أن تبدأ الزيارة بذكر الأعراض الفعلية التي تشعر بها بدقة (انخفاض رغبة، تعب عام، صعوبة إنجاب)، مع ذكر أي تعرض مهني أو نمط حياتي واضح تشك أنه قد يكون ذا صلة، دون التسرع بربط النتيجة بسبب معين قبل الفحص. سيبدأ الطبيب غالباً بترتيب فحوصات تستبعد الأسباب العضوية الأكثر شيوعاً أولاً (كتحليل الهرمونات الأساسي وتحليل السائل المنوي)، قبل الانتقال لتقييم عوامل نفسية أو بيئية أدق إذا لزم الأمر، وهذا الترتيب منطقي علمياً ولا يعني إغفال جانب التعرض البيئي إن وُجدت مؤشرات كافية عليه.


الخلاصة العلمية

تتوزع المواد الكيميائية اليومية المؤثرة على الصحة الجنسية للرجل على ثلاث آليات ضرر مختلفة جوهرياً. الأولى هي “التقليد الهرموني”، وتمثّلها الاستروجينات البيئية كـ BPA والفثالات، حيث تُخادع هذه المواد الجسم بمحاكاة الإستروجين، فتُخفّض إشارة الدماغ المحفّزة لإنتاج التستوستيرون من جهة، وتُضعف قدرة الخصية نفسها على تصنيعه من جهة أخرى، مع أثر إضافي على جودة الحيوانات المنوية وسلامتها الوراثية عبر الإجهاد التأكسدي.

الثانية هي “الإضرار المباشر بالخلايا”، وتمثّلها المعادن الثقيلة كالرصاص والكادميوم، حيث يرتبط الضرر عادة بمصدر واضح، كالتدخين أو العمل في بيئة ملوّثة. ومع ذلك، تبقى العلاقة أقل وضوحاً لدى عامة الناس الذين يتعرضون لكميات منخفضة، مقارنة بمن يتعرضون لمستويات مرتفعة بحكم عملهم.

أما الثالثة فهي وصول جزيئات بلاستيكية دقيقة إلى الأنسجة، ويمثّلها المايكروبلاستيك بوصفه مجالاً بحثياً حديثاً نسبياً. فقد تصل هذه الجسيمات إلى أنسجة الخصية، وقد تحمل معها أيضاً بعض المواد الكيميائية الداخلة في تصنيع البلاستيك.

وبالنظر لهذه الآليات الثلاث مجتمعة، يتضح أن القاسم المشترك بينها ليس الخطر الفوري أو الحاد، بل التراكم الصامت عبر سنوات من التعرض المتكرر ضمن أدوات الحياة اليومية العادية: البلاستيك، مستحضرات العناية، الغذاء، وحتى الغبار المنزلي. وهذا ما يجعل الوعي بمصادر التعرض وتقليلها التدريجي، لا تجنبها الكامل غير الواقعي، النهج الأكثر منطقية للتعامل مع هذا الملف الصحي.

رأي أطلس الرجل الصحي الختامي: العلاقة بين هذه المواد الكيميائية اليومية والصحة الجنسية للرجل علاقة حقيقية ومدعومة بأدلة علمية متراكمة، لكنها في الوقت نفسه علاقة تراكمية وتدريجية، لا سببية مباشرة وفورية يمكن الجزم بها لكل فرد على حدة. والأهم أن هذا المجال البحثي، خصوصاً فيما يخص المايكروبلاستيك، ما يزال يتطور بسرعة وقد تُضيف السنوات القادمة تفاصيل أدق حول حجم الخطر الفعلي. الأهم من الخوف من كل منتج بلاستيكي أو مستحضر تجميل هو بناء وعي عملي يسمح بتقليل التعرض التراكمي تدريجياً عبر خيارات يومية بسيطة، مع عدم إغفال أن أي انخفاض واضح بالرغبة أو الأداء أو الخصوبة يستحق تقييماً طبياً مباشراً بدل الاكتفاء بتفسيره ذاتياً كنتيجة حتمية لهذه المواد وحدها.


إنفوجرافيك طبي بصري يوضح شرح وآلية تأثير تعطيل الغدد الصماء بسبب المواد الكيميائية اليومية مثل البلاستيك والبارابين على التستوستيرون والخصوبة لدى الرجال.

الأسئلة الشائعة ❓

هل يمكن أن يظهر أثر هذه المواد في تحليل الدم أو البول مباشرة؟

نعم، تستطيع بعض المختبرات المتخصصة قياس مستويات BPA أو الفثالات أو المعادن الثقيلة في عينات البول أو الدم، لكن هذه الفحوصات ليست روتينية في العيادات العامة، وتُطلب عادة عند وجود اشتباه واضح بالتعرض لهذه المواد بسبب طبيعة العمل أو مصدر بيئي محدد.

هل التعرض لمرة واحدة أو قليلة كافٍ لإحداث ضرر ملموس؟

غالباً لا، فالأدلة العلمية الحالية تشير إلى أن الضرر المرصود يرتبط بتعرض متكرر ومتراكم على مدى أشهر أو سنوات، لا بتعرض عابر أو نادر.

هل التقليل من التعرض يعيد التستوستيرون أو الخصوبة لمستواها الطبيعي؟

قد يساعد التقليل في تحسين المؤشرات تدريجياً إذا كان التعرض البيئي هو السبب الرئيسي أو أحد أسبابه، لكن هذا يعتمد على عوامل أخرى مرافقة، ولا يُعتبر ضماناً كاملاً لعودة كل شيء لمستواه الأمثل دون تقييم طبي شامل.

هل البلاستيك الخالي من بيسفينول أ (BPA-Free) آمن بالكامل؟

هذه المنتجات تقلل التعرض لمادة BPA تحديداً، لكن بعضها يستخدم مادة بديلة مشابهة لها كيميائياً، مثل بيسفينول إس (BPS)، وهي مادة تُستخدم في تصنيع بعض المنتجات البلاستيكية الخالية من BPA، لكن تأثيراتها الصحية لم تُدرس بالعمق نفسه بعد. لذلك، يبقى تقليل الاعتماد العام على البلاستيك أفضل من الاعتماد كلياً على عبارة “خالٍ من BPA” وحدها.

هل المايكروبلاستيك أخطر من المواد الكيميائية المتسربة من البلاستيك؟

لا يمكن الجزم بذلك حالياً؛ فطبيعة الضرر مختلفة بينهما، إذ يتكون المايكروبلاستيك من قطع بلاستيكية دقيقة قد تدخل الجسم، بينما يُعد كل من BPA والفثالات مواد كيميائية قد تتسرب من البلاستيك. كما أن أبحاث المايكروبلاستيك ما تزال في مراحلها المبكرة نسبياً، مقارنة بعقود من الأبحاث على BPA والفثالات.

هل تؤثر هذه المواد على النساء أيضاً؟

نعم، هذه المواد تصنَّف كمعطّلات غدد صمّاء عامة تؤثر على كلا الجنسين، لكن هذا المقال يركّز تحديداً على تأثيرها على الهرمونات والخصوبة الذكرية بحكم اختصاص المنصة.


إخلاء المسؤولية: هذا المقال لأغراض تثقيفية عامة فقط، ولا يُغني عن استشارة طبيب مختص لتقييم أي حالة فردية أو تفسير نتائج فحوصات شخصية.


مقالات قد تهمك: