عشبة سانت جون والصحة الجنسية عند الرجال: ما تأثيرها على الرغبة والانتصاب والقذف؟

لقطة فوتوغرافية لنبات عشبة سانت جون مع كوب شاي وكبسولات مكملات غذائية لمناقشة تأثيرها على الصحة الجنسية عند الرجال.

يفتح رجل علبة كبسولات عشبية اشتراها من متجر المكملات الغذائية، ويبتلعها بثقة لأنها “طبيعية”، معتقداً أنها لن تسبب له أي ضرر، ثم يستمر على هذا الروتين لأسابيع بهدف تحسين مزاجه المتعب. لكن بعد فترة، يلاحظ تغيراً لا يفهم سببه في حياته الجنسية؛ رغبة أقل، أو تأخراً في القذف لم يعتد عليه، أو أداءً جنسياً مضطرباً رغم أنه لم يغيّر شيئاً آخر في نمط حياته.

هذه العشبة التي يتحدث عنها كثيرون باعتبارها بديلاً “آمناً” لمضادات الاكتئاب الكيميائية هي في الحقيقة عشبة سانت جون، المعروفة أيضاً باسم نبتة القديس يوحنا (St. John’s Wort)، واسمها العلمي Hypericum perforatum. وقصتها مع الجسم أعقد بكثير مما توحي به فكرة أن كل ما هو طبيعي خالٍ من الآثار الجانبية؛ إذ تشير مراجعة علمية حديثة صادرة عن باحثين من جامعة الملك سعود إلى أن استخدامها قد يرتبط باضطرابات جنسية متعددة تشمل الرغبة والانتصاب والقذف، إلى جانب مخاوف محتملة تتعلق بالخصوبة. ( المصدر: PMC )

وهنا تظهر المفارقة التي تجعل هذه العشبة مهمة عند الحديث عن الصحة الجنسية للرجال؛ فالمواد الفعالة التي قد تساعد على تحسين بعض أعراض الاكتئاب والمزاج يمكنها في الوقت نفسه التأثير في مسارات عصبية وكيميائية تشارك في تنظيم الاستجابة الجنسية. فكيف يحدث ذلك، وما مدى قوة الأدلة على تأثير نبتة القديس يوحنا في الرغبة والانتصاب والقذف والخصوبة عند الرجال؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية شاملة لفهم كيفية عمل هذه العشبة وما قد تفعله فعلياً بالصحة الجنسية والإنجابية للرجل، وصولاً إلى جانب بالغ الأهمية: تفاعلاتها مع الأدوية الأخرى، التي تجعل استخدامها أكثر تعقيداً مما قد يوحي به وصفها بأنها مجرد «عشبة طبيعية».


أولاً: ما هي عشبة سانت جون وكيف تعمل؟

قبل أن نفهم تأثير هذه العشبة على الوظيفة الجنسية، لا بد أن نفهم أولاً كيف تتصرف داخل الجسم، لأن كل ما سيأتي لاحقاً من تأثيرات على الرغبة والانتصاب والقذف والخصوبة ينبع من نفس الآلية الأساسية.

سانت جون، أو نبتة القديس يوحنا، هي نبتة عشبية ذات أزهار صفراء استُخدمت منذ قرون في الطب الشعبي، واشتهرت في العقود الأخيرة باعتبارها أحد المكملات العشبية المستخدمة للمساعدة على تخفيف أعراض الاكتئاب، خاصة الخفيف إلى المتوسط. وقد دُرست أيضاً في بعض الحالات النفسية الأخرى، لكن شهرتها واستخدامها الأساسي يرتبطان بالاكتئاب.

ويرتبط تأثير هذه النبتة أساساً بمكونات فعالة أبرزها الهيبريسين (Hypericin) والهيبرفورين (Hyperforin). ويؤثر الهيبرفورين بشكل خاص في عمل عدد من النواقل العصبية، وهي مواد كيميائية تستخدمها الخلايا العصبية للتواصل فيما بينها، ومن أبرزها السيروتونين والنورإبينفرين والدوبامين. ويساعد هذا التأثير على زيادة بقاء هذه المواد في المسافة الصغيرة التي تنتقل عبرها الإشارة من خلية عصبية إلى أخرى، والتي تُعرف بالمشبك العصبي.

ولهذا تتقاطع بعض تأثيرات نبتة القديس يوحنا مع تأثيرات بعض مضادات الاكتئاب، ومنها مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، التي تزيد تأثير السيروتونين، ومثبطات استرداد السيروتونين والنورإبينفرين (SNRIs)، التي تؤثر في السيروتونين والنورإبينفرين معاً. لكن آلية عمل نبتة القديس يوحنا أكثر تعقيداً، ولا يمكن اعتبارها مجرد نسخة عشبية من هذه الأدوية. ( المصدر: PMC )

وللوهلة الأولى، قد يبدو أن هذا التشابه مع بعض مضادات الاكتئاب أمر إيجابي بحت، لكن الصورة أكثر تعقيداً عند النظر إلى الوظيفة الجنسية. فالسيروتونين، وهو ناقل عصبي يساعد الخلايا العصبية على التواصل ويلعب دوراً مهماً في تنظيم المزاج، يشارك أيضاً في تنظيم الرغبة الجنسية والقذف.

ولهذا، فإن زيادة تأثير السيروتونين في بعض المسارات العصبية قد ترتبط بانخفاض الرغبة الجنسية وتأخر القذف، وهي آثار معروفة أيضاً مع بعض مضادات الاكتئاب التي تؤثر في هذا الناقل العصبي. وهذه العلاقة تحديداً ستساعدنا على فهم كثير من التأثيرات الجنسية المحتملة لنبتة القديس يوحنا في الأقسام التالية.

لكن تأثير نبتة القديس يوحنا لا يقتصر على النواقل العصبية في الدماغ؛ فلها تأثير آخر مهم يحدث داخل الكبد، ويساعد على تفسير كثرة تفاعلاتها مع الأدوية. فأحد مكوناتها الفعالة، وهو الهيبرفورين، يُنشّط مستقبلاً داخل خلايا الكبد يُعرف باسم مستقبل PXR، وهو بروتين يساعد الجسم على تنظيم إنتاج بعض الإنزيمات المسؤولة عن التعامل مع الأدوية والمواد الغريبة. وعندما يُنشَّط هذا المستقبل، يزداد إنتاج أحد أهم هذه الإنزيمات، وهو CYP3A4. ( المصدر: PNAS )

وبمعنى أبسط، يساعد إنزيم CYP3A4 الكبد على تكسير نسبة كبيرة من الأدوية والتخلص منها، وزيادة نشاطه قد تجعل بعض الأدوية تُزال من الجسم بسرعة أكبر، فتقل مستوياتها في الدم وقد يضعف تأثيرها. وهذه الخاصية تحديداً هي أحد أهم أسباب الحذر عند استخدام نبتة القديس يوحنا مع أدوية أخرى؛ إذ يمكن أن تتداخل مع تأثير عدد كبير منها. وكما سنرى لاحقاً في قسم التفاعلات الدوائية، قد يشمل ذلك أيضاً بعض الأدوية التي يستخدمها الرجال لعلاج ضعف الانتصاب.


ثانياً: التأثير على الرغبة الجنسية

بعد أن فهمنا أن هذه العشبة تتصرف داخل الجسم بمنطق قريب جداً من مضادات الاكتئاب الكيميائية، من الطبيعي أن نتساءل: هل تحمل معها نفس الأعراض الجانبية الجنسية التي اشتهرت بها تلك الأدوية؟

الإجابة، بحسب المراجعة العلمية الشاملة الصادرة عام 2023، هي نعم جزئياً. فقد رصدت هذه المراجعة، التي جمعت 12 دراسة منشورة بين عامي 1999 و2019 حول تأثير سانت جون على الصحة الجنسية والإنجابية للرجل، أن من بين الاضطرابات الجنسية المرتبطة باستخدام هذه العشبة انخفاض الرغبة الجنسية. (المصدر: PMC)

ومن الناحية العملية، هذا يعني أن الرجل الذي يبدأ باستخدام هذه العشبة لتحسين مزاجه قد يلاحظ، بعد فترة من الاستخدام، تراجع اهتمامه بالنشاط الجنسي دون أن يربط ذلك بالمكمّل الذي يتناوله، خاصة أن هذا النوع من التأثير معروف أيضاً مع بعض مضادات الاكتئاب.

أما التفسير المحتمل لهذا التأثير، فيرتبط بما أوضحناه في القسم السابق عن السيروتونين؛ فزيادة تأثير هذا الناقل العصبي لا ترتبط بالمزاج فقط، بل قد تؤثر أيضاً في المسارات العصبية التي تنظم الرغبة الجنسية، وهو أحد التفسيرات المعروفة لانخفاض الرغبة لدى بعض مستخدمي مضادات الاكتئاب التي تؤثر في السيروتونين. ومما يستحق الإشارة إليه أن الحالات الموثقة أظهرت عودة الرغبة الجنسية إلى طبيعتها بعد التوقف عن استخدام العشبة، ما يشير إلى أن هذا التأثير قد يكون قابلاً للعكس. ( المصدر: ASCO Post )

لكن لا بد من توخي الدقة العلمية هنا: فكما أشارت المراجعة نفسها، معظم هذه البيانات مستمدة من دراسات محدودة العدد وتقارير حالات فردية وليست من تجارب سريرية واسعة النطاق مصممة خصيصاً لقياس هذا الأثر، ما يجعل من الصعب الجزم بحجم المشكلة الحقيقي أو نسبة الرجال المتأثرين بها.

اقرأ أيضاً: أدوية الاكتئاب والضعف الجنسي عند الرجال: لماذا تحدث هذه المشاكل؟


ثالثاً: التأثير على الانتصاب

وإذا كانت الرغبة الجنسية هي البوابة الأولى للنشاط الجنسي، فإن الانتصاب هو المرحلة العملية التالية التي قد تتأثر أيضاً باستخدام هذه العشبة.

فقد رصدت المراجعة العلمية ذاتها ضعف الانتصاب كأحد الاضطرابات الجنسية المحتملة المرتبطة باستخدام سانت جون، إلى جانب انخفاض الرغبة الجنسية الذي ذكرناه في القسم السابق. ( المصدر: PMC )

ومن أبرز الحالات الموثقة في الأدبيات الطبية حالة نُشرت عام 2001 في مجلة كندية للطب النفسي، وصفت رجلاً ظهرت لديه مشكلات في الانتصاب بعد بدء استخدام سانت جون، وتحسنت لاحقاً مع استخدام السيلدينافيل، وهو دواء يُستخدم لعلاج ضعف الانتصاب، بالتزامن مع استمراره في استخدام العشبة. (المصدر: ResearchGate)

وللوهلة الأولى، قد يبدو غريباً أن عشبة يُنظر إليها أحياناً على أنها «أخف أثراً» من مضادات الاكتئاب الدوائية قد ترتبط بالنوع نفسه من المشكلات الجنسية. لكن الانتصاب عملية معقدة تعتمد على توازن دقيق بين الإشارات العصبية وتدفق الدم إلى القضيب، ونبتة سانت جون تؤثر في عدد من النواقل العصبية المشاركة في تنظيم الاستجابة الجنسية، ومن بينها السيروتونين. ولذلك، يُحتمل أن يكون تأثيرها في هذه المسارات أحد التفسيرات لظهور مشكلات الانتصاب لدى بعض مستخدميها، بصورة تشبه بعض الآثار الجنسية المعروفة مع مضادات الاكتئاب من فئة SSRIs.

ومع ذلك، يجب التنويه إلى نقطة مهمة تحفظ للقارئ الصورة الكاملة: الأدلة المتوفرة عن هذا الأثر محدودة جداً من حيث الحجم، وتعتمد بشكل رئيسي على تقارير حالات فردية لا على دراسات مقارنة واسعة، وهو ما يعني أن هذا الأثر، وإن كان موثقاً، لا يمكن اعتباره أمراً حتمياً يصيب كل من يستخدم هذه العشبة.

اقرأ أيضاً: الانتصاب عند الرجال: كيف يحدث؟ الدليل العلمي المبسط


رابعاً: التأثير على القذف

وإذا انتقلنا من الرغبة والانتصاب إلى المرحلة الأخيرة من الاستجابة الجنسية، نجد أن القذف هو المكان الذي تتجلى فيه آلية عمل هذه العشبة بأوضح صورة، وبطريقة مزدوجة ومثيرة للاهتمام في آن واحد.

فمن جهة، رصدت المراجعة العلمية نفسها أن من بين الاضطرابات الجنسية المرتبطة باستخدام سانت جون تأخر القذف وتأخر الوصول إلى النشوة الجنسية. (المصدر: PMC)

وهذا التأثير ليس مستغرباً إذا تذكرنا ما أوضحناه في قسم الآلية؛ فزيادة تأثير السيروتونين في بعض المسارات العصبية يمكن أن تؤخر القذف، وهو أحد الأسباب التي تجعل مضادات الاكتئاب من فئة SSRI تُستخدم أحياناً بشكل مقصود لعلاج سرعة القذف. ومن المحتمل أن يسهم تأثير سانت جون في السيروتونين في تفسير تأخر القذف لدى بعض مستخدميها أيضاً، لكن الفرق أن هذا التأخير هنا قد يظهر كأثر غير مرغوب فيه، لا كهدف علاجي مقصود.

وهنا بالتحديد تكمن المفارقة التي وعدناك بشرحها: فالتأثير الذي قد يظهر كتأخر مزعج في القذف لدى رجل لا يرغب في ذلك، جرى اختباره من جهة أخرى بشكل مقصود لمعرفة ما إذا كان يمكن الاستفادة منه في إطالة الوقت حتى القذف.

ففي دراسة صغيرة أُجريت على 16 رجلاً كانوا يرغبون في إطالة المدة حتى القذف، استخدم المشاركون مباشرة قبل الجماع مستخلصاً من نبتة سانت جون غنياً بالهيبرفورين، وأظهرت النتائج زيادة في زمن الكمون داخل المهبل (IELT)، وهو الوقت الممتد من بدء الإيلاج المهبلي حتى حدوث القذف، إلى جانب تحسن الرضا الجنسي العام. ( المصدر: ScienceDirect )

لكن هذه الدراسة صغيرة جداً، ولم تتبعها تجارب سريرية أكبر تؤكد نتائجها؛ لذلك لا يمكن اعتبار نبتة سانت جون علاجاً مثبتاً لسرعة القذف، ولا يُنصح باستخدامها لهذا الغرض دون استشارة طبيب مختص.

رأي أطلس الرجل الصحي: لا يبدو أن تأثير سانت جون على القذف واحداً وثابتاً لدى جميع الرجال؛ فقد يظهر لدى بعضهم كتأخر غير مرغوب فيه في القذف، بينما تشير دراسة صغيرة إلى احتمال الاستفادة من هذا التأثير في إطالة الوقت حتى القذف لدى بعض الرجال الذين يرغبون في ذلك. لكن الأدلة المتوفرة حتى الآن لا تكفي لتحديد سبب اختلاف الاستجابة بين الرجال، ولا لمعرفة ما إذا كانت الجرعة أو الاختلافات الفردية في الاستجابة للسيروتونين هي التي تحدد اتجاه هذا التأثير.

اقرأ أيضاً: سرعة القذف عند الرجال: الدليل العلمي الشامل


خامساً: التأثير على الخصوبة وجودة الحيوانات المنوية

وبعد أن استعرضنا أثر هذه العشبة على مراحل الاستجابة الجنسية الثلاث، يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا عن قدرة الرجل على الإنجاب؟ فالوظيفة الجنسية والخصوبة، وإن كانتا مرتبطتين، إلا أنهما ليستا الشيء نفسه، وتستحقان بحثاً منفصلاً.

هنا لا بد من توخي حذر علمي أكبر من الأقسام السابقة؛ إذ تعتمد الأدلة المتوفرة عن تأثير سانت جون على خصوبة الرجل بشكل شبه كامل على دراسات أُجريت على الحيوانات أو داخل المختبر، بينما تكاد تغيب الدراسات البشرية المباشرة والموثوقة في هذا الجانب.

وبحسب المراجعة العلمية نفسها، أشارت بعض هذه الدراسات إلى احتمال وجود ما يُعرف بالسمية الإنجابية، أي تأثيرات ضارة محتملة في الجهاز التناسلي أو الخلايا الجنسية. وشملت النتائج انخفاض حركة الحيوانات المنوية، وظهور نسبة أكبر من الحيوانات المنوية ذات الأشكال غير الطبيعية، إضافة إلى مؤشرات على حدوث تلف في مادتها الوراثية (DNA)، وهي المادة التي تحمل المعلومات الجينية داخل الحيوان المنوي. ( المصدر: PMC )

ومن أبرز الدراسات التي استندت إليها هذه النتائج دراسة مخبرية قديمة نسبياً استخدمت اختباراً تُعرَّض فيه الحيوانات المنوية البشرية لبويضات هامستر أُزيل غلافها الخارجي، بحيث يستطيع الباحثون قياس قدرة الحيوانات المنوية على اختراق البويضة في ظروف مخبرية. ووجدت الدراسة أن تعريض الحيوانات المنوية لتركيز معين من مستخلص سانت جون لمدة ساعة واحدة أدى إلى فقدان قدرتها على اختراق هذه البويضات، إلى جانب ظهور تلف واضح في مادتها الوراثية. ( المصدر: ScienceDirect )

وأشارت دراسات أخرى أُجريت على الفئران إلى تأثيرات سلبية إضافية محتملة في الأنسجة التناسلية عند استخدام سانت جون بجرعات مرتفعة ولفترات طويلة، وإن اختلفت النتائج بين دراسة وأخرى بحسب الجرعة ونوع المستخلص المستخدم.

لكن من المهم وضع هذه النتائج في سياقها الصحيح؛ فمعظم الأدلة المتوفرة في هذا الجانب مستمدة من تجارب أُجريت على الخلايا أو الحيوانات، لا من دراسات مباشرة على الرجال. ولذلك، لا يمكن نقل هذه النتائج تلقائياً إلى البشر أو اعتبارها دليلاً قاطعاً على أن استخدام سانت جون يضر خصوبة الرجل. وهذا ما خلصت إليه المراجعة العلمية نفسها؛ إذ أكدت أن مدى أمان هذه العشبة وتأثيرها في الصحة الجنسية والإنجابية للرجل لا يزال غير واضح، وأننا بحاجة إلى دراسات بشرية أكبر وأكثر دقة لتأكيد هذه النتائج أو نفيها.

رأي أطلس الرجل الصحي: رغم أن الأدلة الحالية لا تكفي للقول إن سانت جون تضر خصوبة الرجل بشكل مؤكد، فإن غياب الدليل البشري القوي على الضرر لا يعني تلقائياً ثبوت الأمان. لذلك، إذا كان الرجل يخطط للإنجاب في المدى القريب، أو يخضع بالفعل لتقييم بسبب ضعف الخصوبة، فمن الأفضل أن يستشير طبيبه قبل البدء باستخدام هذه العشبة، بدلاً من افتراض أنها آمنة لمجرد كونها طبيعية المصدر.

اقرأ أيضاً: ضعف الخصوبة عند الرجل: أبرز العلامات والأسباب التي لا يجب تجاهلها


سادساً: تفاعلات سانت جون الخطيرة

بعد أن استعرضنا التأثيرات المحتملة لهذه العشبة على الرغبة والانتصاب والقذف والخصوبة، نصل إلى جانب قد يكون أكثر أهمية من الناحية العملية: تفاعلات سانت جون مع الأدوية الأخرى التي يستخدمها الرجل.

فكما أوضحنا في قسم الآلية، يستطيع الهيبرفورين الموجود في العشبة زيادة نشاط إنزيم CYP3A4، وهو أحد الإنزيمات المهمة التي يستخدمها الجسم لتكسير كثير من الأدوية والتخلص منها. ومن بين الأدوية التي يعتمد تكسيرها في الجسم على هذا الإنزيم السيلدينافيل والتادالافيل، وهما من أشهر الأدوية المستخدمة لعلاج ضعف الانتصاب.

وبمعنى عملي، قد يؤدي استخدام سانت جون بالتزامن مع هذه الأدوية إلى تسريع تكسيرها في الجسم، وبالتالي خفض كمية الدواء التي تصل إلى مجرى الدم وإضعاف تأثيره العلاجي. وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات هذه العشبة: فهي قد لا تؤثر في الوظيفة الجنسية بصورة مباشرة فحسب، بل قد تتداخل أيضاً مع بعض الأدوية المستخدمة لعلاج مشكلاتها.

( المصدر: Circulation – AHA Journals )

ومما يستحق التوضيح أن هذا التداخل لا يحدث لأن سانت جون تعاكس تأثير أدوية ضعف الانتصاب مباشرة، بل بسبب ما يُعرف بالتفاعل الحركي الدوائي، أي تفاعل يؤثر في كمية الدواء التي تصل إلى الجسم ومدة بقائه فيه، بدلاً من التأثير في طريقة عمله نفسها. وبمعنى أبسط، لا تمنع سانت جون السيلدينافيل أو التادالافيل من العمل على الأوعية الدموية، وإنما قد تُسرّع تكسيرهما في الجسم، فتقل كمية الدواء المتاحة لإحداث تأثيره العلاجي.

وهنا تظهر المشكلة العملية؛ فقد يلاحظ بعض الرجال أن دواء الانتصاب أصبح أقل فعالية، فيظنون أن الحل هو زيادة الجرعة من تلقاء أنفسهم، دون إدراك أن المكمّل العشبي الذي يتناولونه قد يكون أحد أسباب انخفاض تأثير الدواء. وإذا أُوقفت سانت جون لاحقاً، فإن تأثيرها المحفّز لتكسير الأدوية يتراجع تدريجياً، وقد ترتفع مستويات دواء الانتصاب مجدداً إذا استمر الرجل على الجرعة الأعلى التي اختارها بنفسه، ما قد يزيد احتمال حدوث آثاره الجانبية، مثل انخفاض ضغط الدم والصداع واضطرابات الرؤية.

وتفاعلات سانت جون لا تقتصر على أدوية الانتصاب وحدها؛ فبما أنها تزيد نشاط إنزيمات تشارك في تكسير عدد كبير من الأدوية، فإنها قد تتداخل أيضاً مع مجموعة واسعة من العلاجات الأخرى، من بينها مضاد التخثر الوارفارين، وحبوب منع الحمل الهرمونية، وبعض أدوية القلب والأدوية المثبطة للمناعة. ( المصدر: PMC )

لكن هناك نوعاً مختلفاً وأكثر خطورة من التداخل قد يحدث عند الجمع بين سانت جون وأدوية أخرى تزيد تأثير السيروتونين، ومنها بعض مضادات الاكتئاب من فئة SSRI. ففي هذه الحالة، قد يرتفع نشاط السيروتونين في الجهاز العصبي إلى مستوى مفرط، مؤدياً إلى حالة تُعرف بمتلازمة السيروتونين.

ومتلازمة السيروتونين هي حالة قد تصبح خطيرة، وتحدث نتيجة زيادة شديدة في تأثير السيروتونين في الجسم. وقد تبدأ بأعراض مثل التهيج أو الارتباك والتعرق الشديد وتسارع ضربات القلب والارتجاف وارتفاع حرارة الجسم، وفي الحالات الأكثر شدة قد تظهر تشنجات وتيبس عضلي واضطراب في الوعي. ولذلك، فإن الاشتباه بحدوثها يستدعي تقييماً طبياً عاجلاً.

⚠️ تحذير سلامة مهم: إذا كنت تتناول أي دواء موصوف من طبيب، استشر طبيبك أو الصيدلاني قبل البدء باستخدام سانت جون، لأن هذه العشبة من أكثر المكملات العشبية شهرة بتفاعلاتها الدوائية الخطيرة.


سابعاً: الجرعة والأشكال المتوفرة

بعد أن أوضحنا الفوائد المحتملة والمخاطر الجنسية والتفاعلات الدوائية، ننتقل إلى الجانب العملي: كيف تُستخدم هذه العشبة فعلياً، وما هي أشكالها المتوفرة في الأسواق؟

الجرعة الأكثر شيوعاً في الدراسات السريرية هي 300 ملغ من المستخلص المعياري (المقصود بـ”المعياري” هنا أن تركيز المادة الفعالة، وتحديداً الهيبريسين، مضبوط بنسبة ثابتة ومعروفة في كل عبوة، عادة 0.3%، بدل أن يتفاوت التركيز عشوائياً كما يحدث في الأعشاب الخام غير المعالجة) تُؤخذ ثلاث مرات يومياً، بما يعادل إجمالي 900 ملغ يومياً، ويمكن تناوله مع الطعام إذا تسبب بانزعاج أو اضطرابات في المعدة. ( المصدر: NIH )

ولأن سانت جون تُباع في الأسواق بأكثر من شكل، ولكل شكل فارق حقيقي من ناحية دقة الجرعة وثبات المفعول، يوضح الجدول التالي أبرز هذه الأشكال والفرق العملي بينها:

الشكلطريقة الاستخدامملاحظات على الامتصاص والتحمّل
كبسولات/أقراص المستخلص المعياري300 ملغ، 2-3 مرات يومياًالأكثر استخداماً في الدراسات العلمية؛ تركيز ثابت نسبياً للمواد الفعالة
الشاي (منقوع الأزهار المجففة)كوب إلى كوبين يومياًتركيز المواد الفعالة غير ثابت وأقل غالباً من الأشكال المعيارية، لذا أثره العلاجي أضعف وأقل قابلية للتنبؤ
المستخلص السائل (صبغة كحولية)حسب تركيز المنتج وتوجيهات الشركة المصنّعةيتفاوت التركيز بشكل كبير بين المنتجات، ما يصعّب ضبط الجرعة بدقة

بمعنى عملي، كلما كان الشكل أقرب إلى المستخلص المعياري المضبوط التركيز، كانت الجرعة الفعلية التي يتناولها الرجل أقرب لما استُخدم في الدراسات العلمية، وبالتالي أكثر قابلية للتنبؤ من ناحية الفائدة والمخاطر معاً. أما الأشكال غير المعيارية كالشاي، فقد تبدو “أخف” لكنها في الوقت نفسه أقل موثوقية في تحديد الجرعة الفعلية التي يتلقاها الجسم.

⚠️ملاحظة مهمة: نظراً لتفاوت محتوى المادة الفعالة بين المنتجات التجارية المختلفة بشكل قد يصل إلى عدة أضعاف، فمن الضروري اختيار منتج من مصدر موثوق يوضح بدقة نسبة الهيبريسين أو الهيبرفورين على العبوة، وعدم الافتراض أن جميع منتجات “سانت جون” في السوق متكافئة من حيث الفعالية أو الأمان.


متى تراجع الطبيب؟

راجع طبيبك فوراً إذا لاحظت أي تغير في وظيفتك الجنسية بعد بدء استخدام سانت جون، خصوصاً إن كنت تتناول بالتوازي أي دواء آخر — سواء كان مضاد اكتئاب، أو دواء لعلاج ضعف الانتصاب، أو مضاد تخثر، أو حبوب منع حمل لشريكتك. كذلك، إذا كنت تخطط للإنجاب في المدى القريب أو تخضع لتقييم طبي لمشكلة في الخصوبة، فاستشر طبيبك قبل البدء باستخدام هذه العشبة وليس بعده.

كيف تبدأ مع طبيبك؟

اذكر لطبيبك بوضوح ودون تردد أنك تستخدم أو تفكر في استخدام سانت جون، حتى لو كنت تعتبرها “مجرد مكمل طبيعي” لا يستحق الذكر. أخبره بجميع الأدوية الأخرى التي تتناولها حالياً، بما في ذلك أدوية علاج ضعف الانتصاب إن وُجدت، ليتمكن من تقييم احتمال وجود تفاعل. إذا كنت تعاني من أعراض اكتئاب أو قلق تدفعك للتفكير في هذه العشبة أصلاً، فمن الأفضل مناقشة الخيارات العلاجية المتاحة معه أولاً، بدلاً من البدء بها بشكل ذاتي.


الخلاصة العلمية

في نهاية المطاف، تكشف قصة سانت جون عن مفارقة يستحق كل رجل أن يستوعبها جيداً: فالعشبة التي يلجأ إليها كثيرون كبديل “طبيعي” وأكثر أماناً من الأدوية الكيميائية، تحمل في الواقع آلية عمل قريبة جداً من مضادات الاكتئاب التقليدية، وبالتالي تحمل معها طيفاً مشابهاً من التأثيرات على الرغبة والانتصاب والقذف. وما يزيد الصورة تعقيداً هو أن نفس هذه الآلية قد تنقلب أحياناً من مشكلة إلى فائدة محتملة، كما رأينا في حالة سرعة القذف، رغم أن الأدلة على ذلك ما تزال أولية.

أما فيما يخص الخصوبة، فالصورة العلمية أقل وضوحاً، إذ تعتمد بشكل شبه كامل على دراسات حيوانية لا يمكن تعميم نتائجها بثقة كاملة على الإنسان. لكن الخطر الأبرز عملياً يبقى في قدرة هذه العشبة على التدخل بصمت في مفعول أدوية أخرى، عبر تسريع تكسيرها الكبدي، وهو ما يجعل استخدامها دون علم الطبيب المعالج قراراً محفوفاً بمخاطر لا تتناسب مع الصورة “الطبيعية الآمنة” الشائعة عنها.

رأي أطلس الرجل الصحي: إذا كنت تستخدم أو تفكر في استخدام سانت جون، لا تعاملها كمكمّل غذائي عادي بلا حدود، بل أخبر طبيبك بذلك صراحة، خصوصاً إن كنت تتناول أي دواء آخر بما فيها أدوية علاج الانتصاب — فالتفاعل هنا ليس احتمالاً نظرياً بعيداً، بل خطر موثق يستحق نقاشاً طبياً حقيقياً قبل أن تبدأ.


إنفوجرافيك طبي بصري يوضح شرح تأثير عشبة سانت جون على الرغبة والانتصاب والقذف لدى الرجال.

الأسئلة الشائعة ❓

هل يمكنني تناول سانت جون مع حبوب الفياغرا أو السيالس؟

من الناحية النظرية نعم، لكن العشبة قد تُضعف مفعول هذه الأدوية عبر تسريع تكسيرها في الكبد، ما يعني أنك قد تحتاج لجرعة أعلى لتحقيق نفس الأثر — وهذا قرار يجب أن يتخذه طبيبك، لا أن تتخذه بنفسك عبر مضاعفة الجرعة.

استخدمت سانت جون لمدة شهر ولاحظت تأخراً في القذف، هل هذا طبيعي؟

هذا أثر موثق ومرتبط بنفس آلية العشبة على السيروتونين. إذا كان هذا التأخر مزعجاً لك، ناقش الأمر مع طبيبك بدلاً من التوقف المفاجئ عن العشبة دون استشارة، خصوصاً إذا كنت تستخدمها لعلاج حالة نفسية.

زوجتي وأنا نخطط للإنجاب، هل يجب أن أتوقف عن سانت جون؟

نظراً لأن معظم الأدلة عن تأثير هذه العشبة على الخصوبة مستمدة من دراسات حيوانية ومخبرية فقط، فإن الحسم العلمي غير ممكن حالياً، لكن النهج الوقائي الأكثر أماناً هو استشارة طبيبك قبل الاستمرار في استخدامها أثناء محاولات الإنجاب.

هل شرب شاي سانت جون له نفس مخاطر الكبسولات؟

الشاي عادة أقل تركيزاً وأقل ثباتاً من ناحية الجرعة الفعلية، لكن هذا لا يعني أنه خالٍ من المخاطر تماماً، خصوصاً مع الاستخدام المنتظم طويل الأمد أو الجمع مع أدوية أخرى.

أتناول مضاد اكتئاب من نوع SSRI، هل يمكنني إضافة سانت جون لتحسين مزاجي أكثر؟

هذا الجمع من أخطر ما يمكن فعله دون إشراف طبي، لأن كلا المادتين ترفعان مستوى السيروتونين، وقد يؤدي جمعهما إلى متلازمة السيروتونين، وهي حالة طبية طارئة. لا تفعل ذلك دون استشارة طبيبك مباشرة.


إخلاء المسؤولية: هذا المقال لأغراض تثقيفية وتوعوية فقط، ولا يُغني عن استشارة طبيب مختص. لا تبدأ أو توقف أي مكمّل غذائي أو دواء دون استشارة طبيبك، خصوصاً إذا كنت تتناول أدوية أخرى بشكل منتظم.


مقالات قد تهمك: