لم يخطر بباله أن تكون الجلسات المسائية مع أصدقائه سببًا فيما يحدث معه لاحقًا في غرفة النوم. كان يعتبرها وسيلة للاسترخاء لا أكثر، حتى لاحظ أن الرغبة صارت متذبذبة، وأن الانتصاب أحيانًا يتأخر أو لا يكتمل كما اعتاد.
الحقيقة أن الحشيش لا يقتصر تأثيره على الشعور المؤقت بالاسترخاء أو الانتشاء، بل يتداخل مع شبكة معقدة من المستقبلات العصبية والهرمونات التي تنظم الرغبة الجنسية والانتصاب والقذف والخصوبة عند الرجل. كما أن تأثيره ليس واحدًا لدى جميع المستخدمين؛ إذ يبدو مرتبطًا بعوامل عدة، أهمها الجرعة وتكرار الاستخدام.
وتدعم ذلك مراجعة علمية شاملة نُشرت في مجلة Andrology، أشارت إلى أن الأدلة المتوفرة حول تأثير الحشيش في الوظيفة الجنسية عند الرجل ما تزال متباينة. فبينما أفاد بعض المستخدمين بتحسن في تجربتهم الذاتية للعلاقة الحميمة، ارتبط استخدام الحشيش لدى آخرين بزيادة خطر ضعف الانتصاب، خاصة مع الجرعات الأعلى أو الاستخدام المتكرر. (المصدر: PubMed)
في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية شاملة تكشف كيف يتفاعل الحشيش مع كل محور من محاور الصحة الجنسية عند الرجل، من الرغبة إلى الخصوبة، وما الذي تقوله الدراسات فعلاً بعيداً عن الشائعات المتضاربة.
أولاً: ما هو الحشيش؟
الحشيش (Cannabis) نبات يُستخرج من نبتة القنّب، ويحتوي على عشرات المواد الكيميائية الفعالة تُعرف باسم الكانابينويدات (Cannabinoids). أهم هذه المواد اثنتان تحملان تأثيرات مختلفة تماماً عن بعضهما.
THC — المادة المسؤولة عن النشوة
رباعي هيدروكانابينول (Tetrahydrocannabinol, THC) هو المادة الفعالة الرئيسية في الحشيش، وهو المسؤول عن معظم التأثيرات التي يشعر بها المتعاطي، مثل النشوة والاسترخاء وتغير الإدراك.
ويتفاعل THC مع المستقبلات العصبية، وهي بروتينات موجودة على سطح الخلايا العصبية تستقبل الإشارات الكيميائية وتنقلها داخل الخلية، ويكون ارتباطه أقوى بمستقبلات تُعرف باسم مستقبلات القنب (Cannabinoid Receptors)، الموجودة في مناطق من الدماغ تشارك في تنظيم المزاج والرغبة الجنسية والإحساس بالمكافأة. لذلك، يُعد THC المسؤول الرئيسي عن معظم تأثيرات الحشيش في الصحة الجنسية.
CBD — المادة التي لا تُسبب النشوة
كانابيديول (CBD — Cannabidiol) على النقيض من THC، لا يسبب شعوراً بالنشوة. ولأن تركيز كلٍّ من THC وCBD يختلف بصورة كبيرة بين أنواع الحشيش المختلفة، فإن تأثير الحشيش في الصحة الجنسية قد يختلف من نوع إلى آخر.
طرق التعاطي وتأثيرها على السرعة والشدة
يُستخدم الحشيش عادةً بعدة طرق، أبرزها التدخين، أو التبخير (Vaping)، أو تناوله مع الطعام أو المشروبات فيما يُعرف بالمنتجات الغذائية المحتوية على القنب (Edibles).
عند التدخين أو التبخير، ينتقل رباعي هيدروكانابينول (THC) من الرئتين مباشرةً إلى مجرى الدم، ثم يصل إلى الدماغ خلال دقائق، لذلك يبدأ تأثيره بسرعة ويبلغ ذروته خلال وقت قصير.
أما عند تناول الحشيش عن طريق الفم، فيمر أولًا عبر المعدة والأمعاء ثم الكبد قبل أن يصل إلى مجرى الدم، ولذلك يتأخر بدء التأثير عادةً من 30 دقيقة إلى ساعتين أو أكثر، كما تختلف كمية THC التي يمتصها الجسم من شخص لآخر، مما يجعل شدة التأثير ومدة استمراره أقل قابلية للتنبؤ مقارنةً بالتدخين أو التبخير.
وهذا الاختلاف في سرعة الامتصاص وكمية THC التي تصل إلى الدماغ يفسر جزئيًا لماذا قد تختلف شدة التأثيرات الجنسية، مثل الرغبة والانتصاب والإحساس بالعلاقة الحميمة، من طريقة تعاطٍ إلى أخرى، حتى عند استخدام الكمية نفسها من الحشيش.
ثانياً: كيف يتفاعل الحشيش مع الجسم والدماغ عند الرجل؟
لفهم كل تأثيرات الحشيش اللاحقة في الرغبة الجنسية والانتصاب والقذف والتستوستيرون، لا بد أولًا من فهم النظام الذي يتفاعل معه داخل الجسم.
يمتلك جسم الإنسان نظامًا بيولوجيًا طبيعيًا يُسمى نظام الكانابينويد الداخلي (Endocannabinoid System)، وهو شبكة من المستقبلات المنتشرة في الدماغ والأعضاء التناسلية والجهاز العصبي الطرفي، وهو الجزء من الجهاز العصبي الذي يمتد خارج الدماغ والحبل الشوكي ليصل إلى مختلف أعضاء الجسم. ويسهم هذا النظام في تنظيم وظائف متعددة، من أبرزها المزاج والاستجابة الجنسية. كما ينتج الجسم بصورة طبيعية مركبات تُشبه في تركيبها رباعي هيدروكانابينول (THC)، وتعمل على المستقبلات نفسها.
ويوجد نوعان رئيسيان من هذه المستقبلات: مستقبلات CB1، المنتشرة بكثافة في الدماغ والجهاز العصبي والخصيتين والغدة النخامية، ومستقبلات CB2، التي تنتشر بصورة أكبر في خلايا الجهاز المناعي وبعض الأنسجة الطرفية، أي الأنسجة الموجودة خارج الدماغ والحبل الشوكي، مثل الجلد والعظام وبعض الأعضاء الأخرى. وتوجد مستقبلات CB1 تحديدًا في مناطق من الدماغ تشارك في تنظيم الرغبة الجنسية، كما توجد في الأنسجة المحيطة بالأعضاء التناسلية وعلى سطح الحيوانات المنوية نفسها.
وعند دخول رباعي هيدروكانابينول (THC) إلى الجسم، يرتبط بمستقبلات CB1 ويُغيّر طريقة عمل هذا النظام الطبيعي، فيؤثر في الإشارات العصبية التي تنظم الرغبة الجنسية والانتصاب والقذف وإفراز بعض الهرمونات. ويعتمد حجم هذا التأثير واتجاهه على عوامل عدة، أهمها الجرعة، وتكرار الاستخدام، والاختلافات الفردية بين الأشخاص، وهو ما يفسر لماذا قد تختلف تأثيرات الحشيش من شخص لآخر، بل وقد تختلف لدى الشخص نفسه باختلاف طريقة وكمية التعاطي.
ثالثاً: تأثير الحشيش على الحالة النفسية والأداء الجنسي
الأداء الجنسي لا ينفصل عن الحالة النفسية، والحشيش يؤثر في الاثنين معاً بشكل متشابك يصعب أحياناً الفصل بينهما.
القلق مع الجرعات العالية
بينما تُسبب الجرعات المنخفضة من THC شعورًا بالاسترخاء لدى كثير من المتعاطين، فإن الجرعات المرتفعة قد تعكس هذا الأثر وتؤدي إلى نوبات قلق حاد لدى بعض الأشخاص. ويُعتقد أن ذلك يعود إلى الآلية التي ذُكرت سابقًا، حيث يؤدي الارتباط القوي لـTHC بمستقبلات CB1 إلى تنشيطها بدرجة تفوق نشاطها الطبيعي، مما قد يخل بتوازن الإشارات العصبية ويحوّل الشعور بالاسترخاء إلى قلق وتوتر لدى بعض الأشخاص.
القلق الأدائي — الحلقة التي تُضعف الأداء من الأساس
حين يمر الرجل بتجربة قلق مرتبطة بالحشيش أثناء أو قبل العلاقة الحميمة، فإن هذه التجربة قد تترك أثرًا نفسيًا يتجاوز مدة التأثير المباشر للحشيش. وقد يبدأ عندها ما يُعرف بقلق الأداء الجنسي (Performance Anxiety)، وهو خوف مسبق من الفشل في الأداء الجنسي.
ويؤدي هذا الخوف إلى تنشيط الجهاز العصبي السمبثاوي، وهو الجزء من الجهاز العصبي المسؤول عن استجابة الجسم للتوتر والتأهب. وهذا التنشيط قد يعيق حدوث الانتصاب، لأن الانتصاب يعتمد على نشاط الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، وهو الجزء من الجهاز العصبي الذي يعزز حالة الهدوء والاسترخاء، ويساعد على ارتخاء الأوعية الدموية وزيادة تدفق الدم إلى القضيب.
والنتيجة العملية أن جزءًا من ضعف الأداء الجنسي المرتبط بالحشيش قد لا ينتج من تأثيره المباشر فقط، بل من دائرة نفسية-جسدية؛ إذ يؤدي القلق إلى ضعف الأداء، ويؤدي ضعف الأداء بدوره إلى زيادة القلق في المرات اللاحقة.
رأي أطلس الرجل الصحي: قد يبدأ تأثير الحشيش كعامل كيميائي، لكنه قد يستمر لاحقًا كعامل نفسي لدى بعض الرجال. لذلك، فإن كسر دائرة قلق الأداء لا يقل أهمية عن التوقف عن التعاطي نفسه.
اقرأ أيضاً: القلق الجنسي عند الرجل: الأسباب وتأثيره على الأداء الجنسي
رابعاً: تأثير الحشيش على الرغبة الجنسية
العلاقة بين الحشيش والرغبة الجنسية من أكثر العلاقات التي تحمل نتائج متباينة في الدراسات، وسبب هذا التباين يبدو مرتبطاً بالجرعة ونمط الاستخدام.
تباين الأثر بحسب الجرعة
بعض المستخدمين يُبلّغون عن شعورهم بتحسن في العلاقة الحميمة عند استخدام جرعات منخفضة، بينما يرتبط الاستخدام بجرعات أعلى أو بصورة متكررة بارتفاع معدلات ضعف الانتصاب، ويزداد هذا الارتباط مع زيادة الجرعة، بحسب ما خلصت إليه مراجعة مجلة Andrology المذكورة في المقدمة. ويعني ذلك عمليًا أن سؤال: “هل الحشيش يزيد الرغبة أم يقللها؟” لا يملك إجابة واحدة قاطعة، بل يعتمد على مقدار الجرعة ونمط الاستخدام. ( المصدر: PubMed )
رأي أطلس الرجل الصحي: شعور بعض الرجال بأن الحشيش يزيد رغبتهم الجنسية عند استخدام جرعة معينة لا يعني أن هذا التأثير سيستمر دائمًا. فمع زيادة الجرعة أو تكرار الاستخدام، قد ينقلب الأثر إلى تراجع في الرغبة الجنسية أو ضعف في الانتصاب، كما أن الجرعة التي تناسب شخصًا قد تكون مختلفة تمامًا عن الجرعة التي تؤدي إلى هذه المشكلات لدى شخص آخر.
خامساً: تأثير الحشيش على الانتصاب
يحدث الانتصاب عندما ترتخي الأوعية الدموية داخل القضيب وتتوسع، فيزداد تدفق الدم إلى الأنسجة الإسفنجية، وهي أنسجة داخل القضيب تحتوي على فراغات دقيقة تمتلئ بالدم أثناء الإثارة الجنسية، فيصبح القضيب منتصبًا. ولكي يحدث ذلك بصورة طبيعية، لا بد أن تعمل الإشارات العصبية والأوعية الدموية معًا بتناسق؛ إذ يرسل الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، وهو الجزء من الجهاز العصبي الذي يعزز حالة الهدوء والاسترخاء، إشارات تساعد على ارتخاء الأوعية الدموية. كما توجد مستقبلات CB1 في الأعصاب المحيطة بالقضيب، ولذلك فإن التنشيط المفرط لهذه المستقبلات بجرعات مرتفعة من THC قد يتداخل مع الإشارات العصبية الطبيعية اللازمة لحدوث الانتصاب.
ولا يقتصر الأمر على ذلك؛ فالإثارة الجنسية تبدأ في الدماغ قبل أن تتحول إلى استجابة جسدية في القضيب. لذلك، فإن تأثير THC في مناطق الدماغ المسؤولة عن الإثارة الجنسية، إلى جانب قلق الأداء الجنسي الذي ذُكر سابقًا، قد يسهم أيضًا في ضعف الانتصاب لدى بعض الرجال، خاصة مع الاستخدام المتكرر.
التضارب في الأدلة البشرية
عند مراجعة الدراسات التي أُجريت على البشر، يتضح أن الصورة ليست محسومة بالكامل. فقد وجدت مراجعة علمية حديثة أن نتائج الدراسات حول تأثير الحشيش في الانتصاب ومستويات الهرمونات تختلف من دراسة إلى أخرى، لذلك لا يمكن الجزم بتأثير واحد ثابت في هذين الجانبين. في المقابل، كانت الأدلة أكثر اتفاقًا على أن الحشيش قد يؤثر سلبًا في جودة السائل المنوي. (المصدر: PubMed)
ما تقوله الأرقام
أظهر تحليل تلوي (Meta-analysis)، وهو دراسة تجمع نتائج عدة دراسات للوصول إلى تقدير أكثر دقة، أن ضعف الانتصاب كان أكثر شيوعًا بين مستخدمي الحشيش مقارنةً بغير المستخدمين. وقد استند هذا التحليل إلى خمس دراسات شملت 3,395 رجلًا، وبلغ معدل انتشار ضعف الانتصاب بين مستخدمي الحشيش نحو 69.1%. ومع ذلك، فإن هذه الدراسات تُظهر وجود ارتباط بين الحشيش وضعف الانتصاب، لكنها لا تثبت أن الحشيش هو السبب المباشر، إذ قد تشارك عوامل أخرى مثل التدخين أو نمط الحياة في تفسير هذه النتيجة. ( المصدر: Sage Journals )
رأي أطلس الرجل الصحي: التضارب في الأدلة العلمية هنا ليس دليلاً على غياب التأثير، بل انعكاس لصعوبة عزل الحشيش عن العوامل المرافقة له غالباً (كالتدخين ونمط الحياة). ورقم 69.1% لا يعني أن كل مستخدم للحشيش سيُصاب بضعف الانتصاب حتماً، لكنه يستحق الانتباه لا الهلع، خصوصاً أن جزءاً من الضرر يبدو مرتبطاً بالجرعة والتكرار لا بالتجربة العرضية.
اقرأ أيضاً: أسباب ضعف الانتصاب عند الرجال: الدليل العلمي الشامل
سادساً: تأثير الحشيش على القذف
ما تزال الأدلة العلمية حول تأثير الحشيش في القذف محدودة مقارنةً بتأثيره في الرغبة الجنسية والانتصاب. كما أن معظم الدراسات ركزت على صعوبة الوصول إلى النشوة الجنسية (Orgasm)، وهي الشعور بالذروة الجنسية، أكثر من تركيزها على توقيت القذف نفسه.
وفي استطلاع واسع شمل 8,656 أستراليًا تتراوح أعمارهم بين 16 و64 عامًا، ارتبط الاستخدام المتكرر للحشيش لدى الرجال بزيادة صعوبة الوصول إلى النشوة الجنسية. ( المصدر: PubMed )
وقد تنعكس صعوبة الوصول إلى النشوة الجنسية على تجربة القذف من حيث توقيته أو شدة الإحساس المصاحب له. لكن الأدلة الحالية لا تسمح بتحديد ما إذا كان الحشيش يزيد خطر تأخر القذف أو سرعته، كما أن الآليات المسؤولة عن ذلك ما تزال غير واضحة. لذلك، يبقى تأثير الحشيش في القذف من أقل الجوانب دراسةً مقارنةً بتأثيره في الرغبة الجنسية والانتصاب.
اقرأ أيضاً: اضطراب النشوة الجنسية عند الرجال: لماذا يصعب الوصول إلى النشوة أحياناً؟
سابعاً: تأثير الحشيش على التستوستيرون
التستوستيرون هو الهرمون الجنسي الرئيسي عند الرجل، وفهم كيفية تأثير الحشيش عليه يتطلب أولاً فهم المحور الهرموني الذي يتحكم بإنتاجه من الصفر.
محور الوطاء – النخامة – الخصية: كيف يُنتَج التستوستيرون أصلاً؟
يبدأ إنتاج التستوستيرون بإشارة من منطقة في الدماغ تُسمى الوطاء (Hypothalamus)، والتي تفرز هرموناً يُسمى الهرمون المُطلِق لموجهة الغدد التناسلية (GnRH). هذا الهرمون يصل إلى الغدة النخامية (Pituitary Gland) — وهي غدة صغيرة في قاعدة الدماغ تعمل كمركز قيادة للعديد من الهرمونات — فتُحفّزها لإفراز هرمونين آخرين: الهرمون الملوتن (LH) والهرمون المنبه للجريب (FSH). يصل الهرمون الملوتن عبر الدم إلى الخصيتين، فيُحفّز خلايا متخصصة فيهما تُسمى خلايا لايديغ (Leydig Cells) لإنتاج التستوستيرون. هذه السلسلة الكاملة تُعرف بمحور الوطاء-النخامة-الخصية (HPG Axis).
وهنا تبدأ علاقة الحشيش بهذا المحور؛ إذ توجد مستقبلات CB1 في منطقة الوطاء نفسها، وهي نقطة الانطلاق الأولى لهذا المحور بأكمله.
ما أثبتته دراسات الحيوان
أظهرت دراسات ما قبل السريرية، وهي الدراسات التي تُجرى على حيوانات المختبر أو الخلايا قبل اختبار النتائج على البشر، أن THC يُثبّط إفراز GnRH من الوطاء. ويؤدي ذلك إلى انخفاض إفراز هرموني LH وFSH، مما ينعكس بدوره على انخفاض إنتاج التستوستيرون من خلايا لايديغ في الخصيتين. ( المصدر: PubMed )
الصورة عند البشر أكثر تعقيداً
لكن حين ننتقل من الحيوان إلى الإنسان، تصبح الصورة أقل وضوحًا بشكل ملحوظ. فقد استخدمت دراسة حديثة تقنية القياس الطيفي الكتلي (Mass Spectrometry)، وهي تقنية مخبرية عالية الدقة تُستخدم لقياس تراكيز المواد الكيميائية والهرمونات في العينات الحيوية، لفحص أكثر من 70 هرمونًا ستيرويديًا، وهي مجموعة من الهرمونات المشتقة من الكوليسترول، وتشمل التستوستيرون والكورتيزول والإستروجينات.
ووجدت الدراسة، على عكس ما توحي به آلية تثبيط GnRH، ارتفاعًا عامًا في مستويات الأندروجينات، وهي الهرمونات الجنسية الذكرية التي يُعد التستوستيرون أهمها، لدى مستخدمي الحشيش مقارنةً بغير المستخدمين، بما في ذلك التستوستيرون نفسه. ولم يجد الباحثون علاقة واضحة بين هذا الارتفاع ومستويات LH أو FSH، مما يشير إلى أن الآلية قد تكون مختلفة عند البشر عنها عند الحيوان، وربما تتضمن تأثيرًا مباشرًا في الخصيتين، لا يمر بالضرورة عبر تثبيط الوطاء. ( المصدر: PMC )
هذا التناقض الظاهري بين نتائج الحيوان والإنسان لا يعني أن أحد المصدرين خاطئ، بل يعكس حقيقة أن الجسم البشري يتأثر بعوامل كثيرة يصعب ضبطها في الدراسات، مثل العمر وكمية الدهون في الجسم ومدة الاستخدام، ولذلك قد تختلف الاستجابة عما يُلاحظ في حيوانات المختبر.
ولذلك تبقى العلاقة بين الحشيش والتستوستيرون عند الرجل من أكثر النقاط التي تحتاج حذرًا عند التعميم، وتصفها المراجعات العلمية الحديثة بأنها ما تزال غير محسومة. ( المصدر: PubMed )
رأي أطلس الرجل الصحي: من غير الدقيق علمياً الجزم بأن الحشيش “يخفض التستوستيرون” بشكل قاطع عند كل رجل، فالدراسات البشرية الحديثة لم تحسم الاتجاه بعد، وبعضها رصد نتيجة معاكسة تماماً لما تشير إليه دراسات الحيوان. القراءة الأدق حالياً أن التأثير الهرموني للحشيش عند الإنسان لا يزال قيد البحث ولا يمكن تعميمه باتجاه واحد.
اقرأ أيضاً: التستوستيرون: الدليل الطبي الشامل لفهم هرمون الذكورة
ثامناً: تأثير الحشيش على الخصوبة (Fertility)
لا يقتصر تأثير الحشيش على الدماغ والهرمونات، بل يمتد مباشرة إلى الجهاز التناسلي نفسه؛ إذ توجد مستقبلات CB1 أيضًا على سطح الحيوانات المنوية، وليس في الدماغ فقط.
وقد خلصت مراجعة علمية شاملة إلى أن ارتباط مكونات الحشيش بهذه المستقبلات قد يؤثر في وظيفة الحيوانات المنوية مباشرة، ولا يقتصر ذلك على تقليل حركتها، بل قد يمتد إلى التأثير في بعض خصائص السائل المنوي والهرمونات التناسلية. كما أشارت المراجعة إلى أن تراجع الرغبة الجنسية المصاحب لتعاطي الحشيش قد يسهم بدوره في ظهور مشكلات نفسية تزيد الصورة تعقيدًا. (المصدر: PMC)
هذا يعني عملياً أن تأثير الحشيش على الخصوبة ليس بالضرورة عبر مسار واحد فقط (كخفض التستوستيرون)، بل قد يكون عبر تأثير مباشر ومتزامن على الحيوانات المنوية نفسها، وهو ما يفسر لماذا رصدت بعض الدراسات تراجعاً في جودة السائل المنوي حتى في حالات لم يظهر فيها تغيّر واضح بمستوى التستوستيرون في الدم.
اقرأ أيضاً: ضعف الخصوبة عند الرجل: أبرز العلامات والأسباب التي لا يجب تجاهلها
تاسعاً: خيارات العلاج والدعم لمن يعاني مشكلات جنسية مرتبطة بالحشيش
حين ترتبط مشكلة جنسية باستخدام الحشيش، فإن التعامل معها يجمع بين معالجة السبب المحتمل من جهة، والتعامل مع الأعراض إذا استمرت من جهة أخرى. وفيما يلي أبرز الخطوات العلاجية التي قد تساعد، بحسب طبيعة المشكلة وسببها:
التوقف عن الاستخدام كخطوة أولى
توصي المراجعات الطبية المتعلقة بعلاج ضعف الانتصاب عموماً بتعديل نمط الحياة كخطوة أولى قبل أو بالتوازي مع أي علاج دوائي، وتشمل هذه التعديلات تحديداً تجنب المواد المخدرة غير الموصوفة طبياً، إلى جانب الإقلاع عن التدخين وضبط الوزن والنشاط البدني. فالتوقف عن الحشيش هو التدخل الوحيد الذي يعالج السبب المحتمل مباشرة، لا الأعراض فقط.
( المصدر: MDPI )
العلاج الدوائي القياسي لضعف الانتصاب إذا استمرت المشكلة
إذا استمر ضعف الانتصاب رغم التوقف عن الحشيش، أو أثناء محاولة التوقف، فإن مثبطات إنزيم فوسفوديستيراز النوع الخامس (PDE5)، وهي أدوية تُستخدم لعلاج ضعف الانتصاب، مثل السيلدينافيل والتادالافيل، تُعد خط العلاج الدوائي الأول المعتمد عالميًا لضعف الانتصاب، بصرف النظر عن السبب الأساسي. وتعمل هذه الأدوية على تعزيز تأثير أكسيد النيتريك (Nitric Oxide)، وهو جزيء ينتجه الجسم طبيعيًا ويساعد على ارتخاء الأوعية الدموية داخل القضيب وزيادة تدفق الدم إليه، مما يُسهّل حدوث الانتصاب.
وتشير إرشادات الجمعية الأمريكية للمسالك البولية (AUA) إلى أن هذه الأدوية تُوصى بها كخيار علاجي أول، ما لم توجد موانع طبية لاستخدامها، مثل تناول أدوية النيترات (Nitrates)، وهي أدوية تُستخدم لعلاج الذبحة الصدرية وبعض أمراض القلب، لأن الجمع بينها وبين مثبطات PDE5 قد يسبب هبوطًا شديدًا في ضغط الدم. ( المصدر: PMC )
مع ذلك، هذه الأدوية تعالج العرض الظاهر (ضعف الانتصاب) بينما يستمر السبب المحتمل (الاستخدام المستمر للحشيش) دون معالجة، وهو ما يجعل التوقف عن الاستخدام الخطوة الأهم على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً: أدوية علاج ضعف الانتصاب عند الرجال: دليل علمي لاختيار العلاج المناسب
خيارات إضافية في الحالات المستعصية
في الحالات التي لا تستجيب لمثبطات PDE5 وحدها، تشمل الخيارات الطبية المتاحة الحقن داخل الجسم الكهفي، وهو النسيج الإسفنجي داخل القضيب الذي يمتلئ بالدم أثناء الانتصاب، حيث يُحقن الدواء مباشرة لتحفيز حدوث الانتصاب. كما تشمل الخيارات أجهزة الشفط الفراغي (Vacuum Devices)، وهي أجهزة تُوضع حول القضيب لتكوين ضغط سلبي يسحب الدم إلى داخله، ثم تُستخدم حلقة مرنة عند قاعدة القضيب للمساعدة على الحفاظ على الانتصاب. وتُستخدم هذه الخيارات عادةً تحت إشراف طبي متخصص بعد تقييم شامل. ( المصدر: PMC )
اقرأ أيضاً: العلاجات المتقدمة لضعف الانتصاب عند الرجال: الحقن الموضعي، أجهزة التفريغ، وجراحة زراعة القضيب
الدعم النفسي لكسر دائرة القلق الأدائي
بما أن قلق الأداء الجنسي المرتبط بتجارب سابقة مع الحشيش قد يستمر حتى بعد زوال تأثيره المباشر، فإن الدعم النفسي أو العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، وهو نوع من العلاج النفسي يساعد على تعديل الأفكار والسلوكيات التي تُغذي القلق، يُعد خيارًا مكمّلًا مهمًا عندما يكون القلق عاملًا رئيسيًا في استمرار المشكلة، وليس مجرد نتيجة لها.
اقرأ أيضاً: العلاج المعرفي السلوكي والصحة الجنسية عند الرجال: كيف يساعد في تحسين الأداء الجنسي؟
بالنسبة للخصوبة
في حال وجود رغبة إنجابية مع شكوى في جودة السائل المنوي، يبقى التوقف عن الاستخدام والانتظار لدورة كاملة من إنتاج الحيوانات المنوية هو الأساس، مع إعادة تحليل السائل المنوي لاحقاً لتقييم مدى التحسن قبل التفكير بأي تدخل إضافي.
اقرأ أيضاً: زيادة الخصوبة عند الرجال طبيعياً: دليل شامل لتحسين جودة الحيوانات المنوية
رأي أطلس الرجل الصحي: لا يوجد حتى الآن دواء أو بروتوكول “مخصص” لعلاج المشكلات الجنسية الناتجة عن الحشيش تحديداً. المسار العلاجي المتاح هو نفسه المتّبع لضعف الانتصاب بشكل عام، لكن فعاليته الحقيقية على المدى الطويل تبقى مرهونة بمعالجة السبب الجذري، أي التوقف عن الاستخدام نفسه.
متى تراجع الطبيب؟
هناك علامات تستدعي مراجعة طبية دون تأجيل:
- ضعف انتصاب مستمر أو متكرر مرتبط بزمن استخدام الحشيش، خصوصاً لدى الرجال الشباب دون عوامل خطر أخرى.
- تراجع ملحوظ في الرغبة الجنسية أو صعوبة متكررة بالوصول للنشوة.
- الرغبة في الإنجاب مع وجود تاريخ استخدام منتظم للحشيش، لتقييم جودة السائل المنوي مسبقاً.
- نوبات قلق حاد متكررة مرتبطة بالاستخدام، تؤثر على الحياة اليومية والعلاقة الحميمة.
- استمرار ضعف الانتصاب رغم التوقف عن الاستخدام لعدة أسابيع.
كيف تبدأ مع طبيبك؟
عند مراجعة الطبيب بخصوص مشكلات جنسية مرتبطة باستخدام الحشيش، من المفيد إبلاغه بـ:
- تكرار الاستخدام (يومي، أسبوعي، عرضي) ومدته الزمنية.
- طريقة التعاطي المعتادة (تدخين، تبخير، أكل).
- هل المشكلة الجنسية ظهرت أو تفاقمت بالتزامن مع بدء الاستخدام أو زيادته.
- وجود أعراض نفسية مصاحبة كالقلق.
- الرغبة أو الخطط الإنجابية الحالية، إن وُجدت.
- هل جُرّب التوقف عن الاستخدام سابقاً ومدته.
الفحوصات المتوقع طلبها: تستوستيرون كلي وحر، الهرمون الملوتن (LH) والهرمون المنبه للجريب (FSH)، وتحليل السائل المنوي (Semen Analysis) في حال وجود رغبة إنجابية أو شكوى متعلقة بالخصوبة.
الخلاصة العلمية
يتفاعل الحشيش مع الصحة الجنسية عند الرجل عبر نظام الكانابينويد الداخلي المنتشر في الدماغ والأعضاء التناسلية والحيوانات المنوية على حد سواء. وتأثيره على الرغبة والانتصاب يبدو مرتبطاً بالجرعة ونمط الاستخدام أكثر من ارتباطه باتجاه ثابت واحد، مع أدلة أقوى نسبياً على ارتفاع معدلات ضعف الانتصاب لدى المستخدمين المنتظمين.
أما تأثيره على التستوستيرون فلا يزال من أكثر النقاط غموضًا، إذ تتعارض نتائج دراسات الحيوان مع بعض الدراسات البشرية الحديثة. وعلى مستوى الخصوبة، يبدو التأثير المباشر في الحيوانات المنوية أكثر توثيقًا من التأثير الهرموني. ويعتمد العلاج حاليًا على التوقف عن استخدام الحشيش أولًا، مع اللجوء إلى العلاجات المعتمدة لضعف الانتصاب عند الحاجة. كما قد يشكل قلق الأداء الجنسي حلقة إضافية تتداخل مع التأثيرات الجسدية المباشرة، مما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا من أن تُفسَّر بسبب واحد.

الأسئلة الشائعة ❓
هل الحشيش يزيد الرغبة الجنسية أم يقللها؟
الأدلة المتوفرة متباينة. فبعض المستخدمين يبلّغون عن شعورهم بتحسّن في العلاقة الحميمة مع الجرعات المنخفضة، بينما ترتبط الجرعات الأعلى أو الاستخدام المتكرر بمعدلات أعلى من ضعف الانتصاب، ويزداد هذا الارتباط مع زيادة الجرعة.
هل ضعف الانتصاب المرتبط بالحشيش شائع فعلاً؟
أظهر تحليل تلوي لخمس دراسات أن ضعف الانتصاب كان موجودًا لدى 69.1% من مستخدمي الحشيش المشمولين في تلك الدراسات، وهي نسبة مرتفعة. ومع ذلك، تُظهر هذه النتيجة وجود ارتباط بين استخدام الحشيش وضعف الانتصاب، لكنها لا تثبت أن الحشيش هو السبب المباشر؛ إذ قد تسهم عوامل أخرى، مثل التدخين ونمط الحياة، في تفسير جزء من هذا الارتفاع.
هل الحشيش يخفض التستوستيرون بشكل مؤكد؟
لا، هذا غير مؤكد عند البشر. فقد أظهرت دراسات حيوانات المختبر انخفاضًا في إنتاج التستوستيرون، بينما رصدت بعض الدراسات البشرية نتائج مختلفة، لذلك لا تزال الأدلة غير حاسمة.
هل يؤثر الحشيش على الخصوبة؟
نعم، توجد مستقبلات مباشرة على سطح الحيوانات المنوية تجعلها عرضة للتأثر بمكونات الحشيش، وقد ترتبط بتغيرات في حركة الحيوانات المنوية وخصائص السائل المنوي.
هل يوجد علاج مخصص لضعف الانتصاب الناتج عن الحشيش؟
لا يوجد بروتوكول علاجي مخصص للحشيش تحديدًا. ويعتمد العلاج على معالجة المشكلة الجنسية نفسها، بدءًا من التوقف عن استخدام الحشيش، مع إمكانية استخدام أدوية علاج ضعف الانتصاب، مثل السيلدينافيل أو التادالافيل، إذا استمرت المشكلة.
هل القلق المرتبط بالحشيش يمكن أن يسبب ضعف انتصاب حتى دون سبب جسدي؟
نعم. فقد تؤدي تجربة سلبية سابقة مع الحشيش إلى قلق الأداء الجنسي، وهو خوف من تكرار الفشل أثناء العلاقة الحميمة، وهذا القلق قد يعيق حدوث الانتصاب حتى في غياب أي مشكلة جسدية مباشرة.
هل الحشيش يؤثر على القذف تحديداً؟
الأدلة المباشرة على توقيت القذف محدودة، لكن استطلاعاً واسعاً ربط الاستخدام المتكرر للحشيش بصعوبات في الوصول للنشوة بالشكل المرغوب لدى الرجال.
إخلاء مسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال ذات طابع علمي وتثقيفي، وتهدف إلى تعزيز الوعي الصحي والتحضير لمناقشة هادفة مع الطبيب المختص. لا تُشكّل هذه المعلومات تشخيصاً طبياً أو توصية علاجية، ولا ينبغي الاستناد إليها بديلاً عن الاستشارة الطبية المتخصصة.
مقالات قد تهمك:

