يصل الرجل إلى لحظة المفترض أن تكون ذروة التجربة الجنسية — لكن شيئاً ما لا يكتمل. الإثارة موجودة، الانتصاب قائم، لكن النشوة لا تأتي أو تأتي مخففة وناقصة بما يجعلها مجرد صدى باهت لما ينبغي أن تكون عليه. حالة مربكة يصمت عنها كثير من الرجال لأنهم لا يجدون لها اسماً ولا تفسيراً.
ما يصفه هؤلاء الرجال له اسم طبي دقيق: اضطراب النشوة الجنسية (Male Orgasmic Disorder)، وهو غياب النشوة أو تأخرها بشكل متكرر رغم وجود إثارة جنسية كافية. وهو أقل شيوعاً من اضطرابات الانتصاب أو سرعة القذف، لكنه بعيد عن الندرة — إذ أشارت دراسة نُشرت في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب أن ما يقارب 8% من الرجال في عموم السكان يعانون من تأخر النشوة أو غيابها في مرحلة ما من حياتهم. ( المصدر: PMC )
في هذا المقال، يأخذك فريق أطلس الرجل الصحي — المتخصص في صحة الرجل الجنسية — في جولة علمية داخل أسباب هذا الاضطراب: من الهرمونات والأعصاب إلى الأدوية والعوامل النفسية، لأن فهم السبب هو الخطوة الأولى نحو الحل.
إن كنت تبحث عن فهم أعمق ما هي النشوة الجنسية وكيف تعمل فسيولوجياً، يمكنك قراءة المقال التأسيسي في هذه السلسلة: النشوة الجنسية عند الرجل: ما هي وكيف تختلف عن القذف؟
أولاً: ما هو اضطراب النشوة الجنسية بالضبط؟
اضطراب النشوة الجنسية هو التأخر الملحوظ أو الغياب المتكرر للنشوة الجنسية رغم وجود إثارة جنسية كافية ورغبة في الوصول إليها. ووفقاً للتعريف الطبي، لا يُشخَّص هذا الاضطراب إلا عندما تكون المشكلة مستمرة أو متكررة وتسبب معاناة أو انزعاجاً حقيقياً للرجل. أما التأخر العرضي في الوصول إلى النشوة، إذا لم يكن مصدر قلق أو تأثير سلبي على حياة الشخص، فلا يُعد اضطراباً بحد ذاته.
طيف الاضطراب: من التأخر إلى الغياب الكامل
اضطراب النشوة الجنسية ليس حالة واحدة لدى جميع الرجال، بل يمتد على طيف من الأعراض يختلف في شدته من شخص إلى آخر:
تأخر النشوة (Delayed Orgasm): في هذه الحالة يتمكن الرجل من الوصول إلى النشوة الجنسية في النهاية، لكن بعد فترة طويلة بشكل غير معتاد رغم وجود إثارة جنسية كافية. وقد يؤدي هذا التأخر إلى شعور بالإرهاق الجسدي أو الإحباط لدى الرجل أو شريكته. وتكون الرغبة الجنسية والانتصاب طبيعيين في كثير من الحالات، إلا أن الوصول إلى النشوة يستغرق وقتاً أطول من المتوقع أو المرغوب.
غياب النشوة الكامل (Anorgasmia): في هذه الحالة لا يتمكن الرجل من الوصول إلى النشوة الجنسية رغم وجود إثارة جنسية كافية ورغبة حقيقية في الوصول إليها. وقد يحدث القذف أو لا يحدث، لكن الإحساس المميز بالذروة الجنسية يكون غائباً بالكامل.
الأنهيدونيا الجنسية أو انعدام التلذذ بالنشوة الجنسية (Orgasmic Anhedonia): تُعد من أكثر اضطرابات النشوة الجنسية غموضاً وإرباكاً. ففي هذه الحالة يحدث القذف بصورة طبيعية، لكن الإحساس بالمتعة أو النشوة الجنسية يكون ضعيفاً جداً أو غائباً تماماً. بمعنى آخر، تُنفَّذ الاستجابة الجسدية المرتبطة بالقذف بشكل طبيعي، بينما يكون الشعور الذاتي بالذروة الجنسية مفقوداً أو باهتاً بشكل ملحوظ.
وغالباً ما يصف الرجال هذه الحالة بعبارات مثل: “أعرف أن القذف حدث، لكنني لم أشعر بالنشوة”، أو “لا أشعر بالمتعة التي كنت أشعر بها سابقاً”. وترتبط الأنهيدونيا الجنسية في بعض الحالات بالاكتئاب أو بتأثير بعض الأدوية التي تؤثر في النواقل العصبية المرتبطة بالمكافأة والمتعة. ولحسن الحظ، يمكن تحسين الحالة أو علاجها في كثير من الأحيان بعد تحديد السبب الأساسي ومعالجته بشكل مناسب.
النوع الأولي والنوع الثانوي
الأولي (Primary): يُقصد به أن الرجل لم يتمكن من الوصول إلى النشوة الجنسية مطلقاً، أو أنه يصل إليها في حالات نادرة جداً منذ بداية حياته الجنسية، سواء أثناء العلاقة الجنسية أو الاستمناء. ويُعد هذا النوع الأقل شيوعاً، وقد يرتبط بعوامل نفسية طويلة الأمد، أو ببعض الاضطرابات العصبية أو الخلقية التي تؤثر في آليات الاستجابة الجنسية. وغالباً ما يتطلب تشخيصه وعلاجه تقييماً متخصصاً، وقد يحتاج إلى فترة علاج أطول مقارنة ببعض الأنواع الأخرى.
الثانوي (Secondary): يُقصد به أن الرجل كان قادراً على الوصول إلى النشوة الجنسية بشكل طبيعي في السابق، ثم أصبح يعاني من تأخرها أو صعوبة الوصول إليها أو غيابها لاحقاً. ويُعد هذا النوع الأكثر شيوعاً، وغالباً ما يرتبط بسبب محدد يمكن البحث عنه وعلاجه، مثل الاضطرابات الهرمونية، أو الآثار الجانبية لبعض الأدوية، أو المشكلات النفسية، أو بعض الحالات العصبية.ويُعد حدوث تغير واضح مقارنة بالماضي مؤشراً مهماً في تقييم الحالة، لأن توقيت ظهور المشكلة والظروف التي رافقتها قد يساعدان في تحديد السبب الأساسي.
ثانياً: الأسباب الهرمونية
الهرمونات هي المحور الأول والأكثر قابليةً للفحص والعلاج.
انخفاض التستوستيرون:
التستوستيرون يلعب دوراً مزدوجاً في النشوة — يُحافظ على حساسية الأعصاب المحيطية في منطقة الحوض، ويُنشّط مسارات الدوبامين في الدماغ المسؤولة عن الشعور بالمتعة. انخفاضه يُفضي إلى نشوة مخففة أو متأخرة أو غائبة، وكثيراً ما يكون مصحوباً بتراجع الرغبة الجنسية بشكل عام مما يجعل التشخيص أسهل.
ارتفاع البرولاكتين (فرط برولاكتين الدم):
يمكن أن يؤثر الارتفاع المزمن في هرمون البرولاكتين سلباً في الوظيفة الجنسية من أكثر من طريق. فهو قد يثبط المحور الهرموني المسؤول عن إنتاج الهرمونات الجنسية، كما قد يقلل من نشاط الدوبامين في الدماغ، وهو أحد النواقل العصبية المهمة للرغبة والاستجابة الجنسية.
ومن المهم الإشارة إلى أن تأثير البرولاكتين لا يقتصر على خفض مستويات التستوستيرون فقط، إذ تشير دراسات منشورة في مجلة International Journal of Impotence Research إلى أن ارتفاعه قد يؤثر مباشرةً في مراكز الاستجابة الجنسية في الجهاز العصبي المركزي، مما قد يضعف الوظيفة الجنسية حتى لدى بعض الرجال الذين تكون مستويات التستوستيرون لديهم ضمن المعدل الطبيعي ( المصدر: Springer )
الورم البرولاكتيني (Prolactinoma) — حين يكون ورم صغير وراء كل شيء:
الورم البرولاكتيني هو ورم حميد ينشأ في الغدة النخامية، وهي غدة صغيرة تقع في قاعدة الدماغ، ويؤدي إلى إفراز كميات زائدة من هرمون البرولاكتين. وقد تتطور الحالة ببطء لدى الرجال، بحيث تكون الأعراض الأولى مرتبطة بالصحة الجنسية، مثل انخفاض الرغبة الجنسية، وضعف الانتصاب، أو اضطرابات النشوة الجنسية، قبل ظهور أعراض أخرى أكثر وضوحاً.
وتشير بعض الدراسات إلى أن تشخيص ارتفاع البرولاكتين لدى الرجال قد يتأخر أحياناً، لأن الأعراض الجنسية لا تُناقش دائماً مع الطبيب في مراحلها المبكرة. ولحسن الحظ، فإن معظم حالات الورم البرولاكتيني تستجيب بشكل جيد لأدوية ناهضات الدوبامين مثل الكابيرغولين (Cabergoline)، والتي تساعد على خفض مستوى البرولاكتين وتحسين الأعراض واستعادة الوظيفة الجنسية لدى كثير من المرضى. ( المصدر: Springer )
قصور الغدة الدرقية: حين تعمل الغدة الدرقية بأقل من طاقتها الطبيعية، يرتفع البرولاكتين بشكل غير مباشر، وينخفض التستوستيرون، ويتباطأ الجهاز العصبي عموماً — وهذه الثلاثة مجتمعة تُضعف النشوة أو تُؤخرها بشكل ملحوظ.
اقرأ أيضاً: علاج ارتفاع هرمون البرولاكتين عند الرجال: كيف تستعيد الرغبة والانتصاب؟
ثالثاً: الأسباب العصبية
النشوة تعتمد اعتماداً جوهرياً على سلامة الأعصاب التي تنقل الإشارات من منطقة الحوض إلى الدماغ. أي خلل في هذا المسار يُضعف النشوة أو يمنعها.
الاعتلال العصبي السكري:
مرض السكري يُتلف الأعصاب الطرفية تدريجياً بفعل ارتفاع السكر المزمن — ويشمل ذلك الأعصاب المسؤولة عن نقل إشارات اللذة والإحساس من منطقة الحوض والقضيب. الأعصاب الأكثر تضرراً هنا هي أعصاب الجهاز العصبي اللاإرادي، وهو الجزء من الجهاز العصبي الذي يعمل بشكل تلقائي خارج إرادة الإنسان — يتحكم في ضربات القلب والهضم والتبول والاستجابة الجنسية دون أن يحتاج الشخص إلى التفكير فيه.
حين يتضرر هذا الجهاز بفعل السكري، تتعطل الإشارات التلقائية التي تُنسّق القذف والنشوة، فيجد الرجل أن جسمه لا يستجيب كما اعتاد رغم وجود الإثارة. إذ أثبتت دراسة نُشرت في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب أن الرجال المصابين باضطراب النشوة وضعف الانتصاب كان لديهم احتمال أعلى بمقدار 2.89 مرة للإصابة باعتلال هذا الجهاز العصبي مقارنةً بغيرهم. ( المصدر: PMC )
إصابات الحبل الشوكي والحوض:
الحبل الشوكي ليس مجرد ناقل للإشارات — بل هو مركز تحكم مستقل يحمل المسارات العصبية التي تُنسّق القذف والنشوة. الإصابات التي تطال المقاطع الصدرية السفلية أو القطنية (T10-L2) — وهي المنطقة التي شرحنا في المقال الأول من هذه السلسلة أنها المركز العصبي الرئيسي للقذف — تقطع أو تُضعف هذه المسارات بدرجات متفاوتة تبعاً لموضع الإصابة وشدتها. حين تتضرر هذه المنطقة، قد ينفصل المساران العصبيان المستقلان للنشوة والقذف عن بعضهما — فيقذف بعض الرجال دون أن يشعروا بأي نشوة، ويصل آخرون إلى النشوة دون أن يحدث قذف. هذا الانفصال بين الحدثين هو ذاته الدليل العلمي الذي أشرنا إليه في المقال الأول على أن النشوة والقذف حدثان فسيولوجيان مستقلان لا حدث واحد.
ما بعد جراحة البروستاتا:
استئصال البروستاتا الجذري، وهو الإجراء الجراحي المستخدم لعلاج سرطان البروستاتا، يُلحق ضرراً بالحزم العصبية الوعائية — وهي حزم من الأعصاب الدقيقة التي تسير على جانبي البروستاتا وتحمل الإشارات العصبية الضرورية للانتصاب والنشوة.
حتى حين يحرص الجراح على الحفاظ عليها بأقصى قدر ممكن، فإن التعامل الجراحي مع هذه المنطقة الحساسة قد يؤدي أحياناً إلى حدوث ضرر مؤقت أو دائم في بعض الألياف العصبية الدقيقة المسؤولة عن الوظيفة الجنسية. وتشير بعض الدراسات إلى أن اضطرابات النشوة الجنسية تُعد من المضاعفات الشائعة بعد الاستئصال الجذري للبروستاتا، إذ يعاني عدد من الرجال من غياب النشوة أو تراجع شدتها مقارنة بما كانت عليه قبل الجراحة. لذلك قد تستمر التغيرات في جودة النشوة الجنسية حتى بعد نجاح العملية من الناحية العلاجية. (المصدر: PubMed )
أمراض عصبية أخرى:
التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis) مرض يُهاجم فيه الجهاز المناعي غلاف الميالين (Myelin Sheath) — وهو الطبقة العازلة التي تُحيط بالأعصاب وتضمن سرعة توصيل إشاراتها — مما يُبطئ هذه الإشارات أو يقطعها تماماً. حين تطال هذه الإصابة الأعصاب المسؤولة عن الاستجابة الجنسية في منطقة الحوض أو الحبل الشوكي، يتأثر الوصول إلى النشوة بشكل مباشر. وينطبق الأمر ذاته على أمراض أخرى تُصيب الجهاز العصبي المركزي أو المحيطي كمرض باركنسون وبعض الاعتلالات العصبية النادرة. اضطراب النشوة في هذه الحالات هو انعكاس مباشر لاضطراب التوصيل العصبي لا لخلل هرموني — وهو تمييز مهم لأنه يُحدد مسار العلاج.
رابعاً: الأسباب الدوائية
هذا المحور من أكثر الأسباب التي يغفل عنها الرجال — إذ يصف الطبيب دواءً لحالة مرضية معينة دون أن يُنبّه صراحةً إلى تأثيره على النشوة.
مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs): تُعد هذه الأدوية من أكثر علاجات الاكتئاب استخداماً حول العالم، لكنها قد تؤدي لدى بعض الرجال إلى تأخر النشوة الجنسية أو صعوبة الوصول إليها، وفي بعض الحالات قد تمنع حدوثها تماماً. ويُعتقد أن ذلك يرتبط بتأثيرها في التوازن بين النواقل العصبية المسؤولة عن الاستجابة الجنسية، بما في ذلك الدوبامين.
وتشير دراسات منشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب إلى أن التأثيرات الجنسية لهذه الأدوية قد تكون مرتبطة بتراجع نشاط بعض المسارات العصبية المشاركة في الرغبة والنشوة الجنسية. ومن المثير للاهتمام أن هذه الخاصية نفسها تُستغل علاجياً في بعض حالات سرعة القذف، حيث يساعد تأخير النشوة على إطالة زمن القذف.( المصدر: PMC )
حاصرات ألفا (Alpha-blockers): تُستخدم هذه الأدوية في علاج تضخم البروستاتا الحميد وارتفاع ضغط الدم. وهي تعمل على إرخاء العضلات الملساء في أجزاء مختلفة من الجسم، بما في ذلك العضلات المشاركة في عملية القذف. لذلك قد يعاني بعض الرجال من اضطرابات في القذف، مثل القذف الرجعي أو انخفاض كمية السائل المنوي أو غياب القذف، وهو ما قد يؤثر في الإحساس بالنشوة الجنسية لدى بعض الحالات.
اقرأ أيضاً: القذف الرجعي عند الرجل: الأسباب والأعراض وطرق العلاج
مثبطات 5-ألفا ريدكتاز (5-Alpha Reductase Inhibitors): تُستخدم لعلاج تضخم البروستاتا الحميد وتساقط الشعر، وأبرز أمثلتها فيناستيريد (Finasteride) وديوتاستيريد (Dutasteride). تعمل عبر تثبيط تحويل التستوستيرون إلى ديهيدروتستوستيرون (DHT) — وهو الشكل الأكثر نشاطاً من التستوستيرون في الأنسجة. هذا التثبيط يُخفض مستويات الهرمونات النشطة في الدماغ والجهاز العصبي المحيطي، مما يُضعف الاستجابة الجنسية ويُؤثر على شدة النشوة.
كما أبلغ بعض المرضى عن استمرار بعض هذه الأعراض بعد التوقف عن الدواء، وهي حالة تُعرف باسم متلازمة ما بعد فيناستيريد (Post-Finasteride Syndrome). ومع ذلك، لا يزال هذا الموضوع محل نقاش وبحث علمي، وتختلف شدة الأعراض ومدتها بشكل كبير بين الأشخاص.
مضادات الذهان (Antipsychotics): تعمل هذه الأدوية عبر حصار مستقبلات الدوبامين في الدماغ — وهو بالضبط عكس ما يحتاجه الدماغ لبلوغ النشوة، إذ أثبتنا في المقال الأول أن الدوبامين هو الوقود الرئيسي لإطلاق إحساس الذروة. لكن تأثيرها لا يقف عند هذا الحد — حصار مستقبلات الدوبامين يرفع البرولاكتين بشكل ثانوي، لأن الدوبامين في الأحوال الطبيعية هو المثبط الطبيعي لإفراز البرولاكتين. حين يُحصَر الدوبامين، يرتفع البرولاكتين بلا كابح، فيُضيف طبقة ثانية من التثبيط على الاستجابة الجنسية.
من أكثر الأمثلة شيوعاً على ذلك: هالوبيريدول (Haloperidol) وريسبيريدون (Risperidone)، وهما من مضادات الذهان الأكثر وصفاً والأعلى تأثيراً على البرولاكتين — إذ يُسبّبان ارتفاعاً ملحوظاً فيه مقارنةً بغيرهما من الأدوية في هذه الفئة. النتيجة أن الرجل الذي يتناول هذه الأدوية يواجه ضغطاً مزدوجاً على نظام النشوة في دماغه في آنٍ واحد.
الكحول المزمن: الكأس الواحدة قد تُخفف القلق وتُسهّل الانجراف نحو اللحظة، لكن الإدمان المزمن قصة مختلفة تماماً. الكحول بكميات متراكمة على مدى سنوات يُتلف الأعصاب الطرفية تدريجياً، يُخفض التستوستيرون، ويُضعف قدرة الدماغ على إفراز الدوبامين — وهذه الثلاثة مجتمعة تجعل النشوة أصعب وصولاً وأقل شدةً مع الوقت حتى حين يكون الرجل صاحياً تماماً.
اقرأ أيضاً: الكحول والأداء الجنسي عند الرجل
جدول الأدوية الأكثر تأثيراً على النشوة
| الدواء | درجة التأثير | الآلية |
|---|---|---|
| باروكسيتين (Paroxetine) | عالية جداً | أقوى SSRIs تثبيطاً للدوبامين |
| سيرترالين (Sertraline) | عالية | تثبيط الدوبامين عبر السيروتونين |
| فلوكستين (Fluoxetine) | متوسطة إلى عالية | تثبيط الدوبامين عبر السيروتونين |
| سيتالوبرام (Citalopram) | متوسطة | أقل تأثيراً من الباروكسيتين |
| حاصرات ألفا | متوسطة | تُعيق الانبعاث والطرد |
| مضادات الذهان | عالية | حصار الدوبامين + رفع البرولاكتين |
| الكحول المزمن | متراكمة | تلف عصبي + اضطراب هرموني |
خامساً: الأسباب النفسية
العوامل النفسية هي الأسباب الأكثر شيوعاً لاضطراب النشوة عند الرجال الشباب الأصحاء جسدياً، وغالباً ما تكون قابلة للعلاج بشكل كامل.
قلق الأداء — ما يجري في الدماغ بالضبط: الرجل الذي يدخل العلاقة الجنسية وذهنه مشغول بمراقبة أدائه لا يُعطي جهازه العصبي الفرصة للانجراف نحو اللحظة. الآلية العصبية واضحة: القشرة الأمامية الظهرية الجانبية (Dorsolateral Prefrontal Cortex) — وهي المنطقة المسؤولة عن الرقابة الذاتية والتفكير النقدي — تبقى نشطة بدلاً من أن تنخفض كما يحدث طبيعياً أثناء النشوة. هذا النشاط يُطلق هرمون الكورتيزول ويُفعّل الجهاز العصبي الودي — وهو الجهاز ذاته الذي يُنشّط استجابة “الكر أو الفر” — مما يُعيق الانتقال إلى الحالة الاسترخائية التي تحتاجها النشوة. ( المصدر: Frontiers in Psychology )
للمزيد يمكنك قراءة: القلق الجنسي عند الرجل: الأسباب وتأثيره على الأداء الجنسي
الاكتئاب: يمكن أن يؤثر الاكتئاب في العديد من النواقل العصبية المرتبطة بالمزاج والمتعة، مما قد يؤدي إلى انخفاض القدرة على الشعور بالاستمتاع بشكل عام، وهي حالة تُعرف باسم فقدان القدرة على الاستمتاع (Anhedonia). ولا تقتصر هذه التأثيرات على الأنشطة اليومية فقط، بل قد تمتد أيضاً إلى التجربة الجنسية، فتؤثر في جودة النشوة أو القدرة على الاستمتاع بها.
ولهذا السبب من المهم التمييز بين الاكتئاب باعتباره سبباً للمشكلة، وبين اضطراب النشوة الجنسية بوصفه أحد الأعراض الناتجة عنه، لأن نجاح العلاج يعتمد على تحديد السبب الأساسي ومعالجته بالشكل الصحيح.
الصدمات النفسية والتجارب الجنسية السلبية: قد تترك بعض التجارب المرتبطة بالجنس أثراً نفسياً طويل الأمد، مثل التجارب الجنسية المؤلمة، أو الشعور الشديد بالذنب أو الخجل، أو بعض المعتقدات السلبية الراسخة المرتبطة بالجنس. ويمكن أن تؤثر هذه العوامل في الاستجابة الجنسية لدى بعض الرجال، فتجعل الوصول إلى النشوة أكثر صعوبة أو تقلل القدرة على الاستمتاع بها.
إشكالية التكيّف مع نمط تحفيز محدد (الاشتراط الجنسي): يلاحظ بعض الرجال، وخصوصاً في سن الشباب، أنهم يستطيعون الوصول إلى النشوة الجنسية بسهولة أثناء الاستمناء، لكنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها أثناء العلاقة الجنسية مع الشريك. ويُعتقد أن أحد التفسيرات المحتملة لذلك هو الاعتياد على نمط معين من التحفيز الجسدي أو البصري مع مرور الوقت، بحيث يصبح الدماغ أكثر استجابة لهذا النمط المحدد مقارنةً بأنماط التحفيز الأخرى. وقد يؤدي ذلك إلى صعوبة مؤقتة في التكيف مع الإحساس أو الظروف المختلفة التي ترافق العلاقة الجنسية الفعلية.
توتر العلاقة: غياب الثقة أو التواصل العاطفي مع الشريكة، أو وجود خلافات غير محلولة، يُنشئ حاجزاً نفسياً يمنع الانفتاح الكامل الذي تستلزمه النشوة.
سادساً: أسباب أخرى تستحق الانتباه
انخفاض حساسية القضيب مع التقدم في العمر: مع التقدم في العمر، تتناقص كثافة الأعصاب الحسية في القضيب تدريجياً وتتباطأ سرعة توصيلها — مما يعني أن الجسم قد يحتاج إلى تحفيز أكبر للوصول إلى درجة الإثارة المطلوبة للوصول إلى النشوة.
الاستمناء المفرط بقبضة شديدة: ما يُعرف بـ”متلازمة القبضة الميتة” (Death Grip Syndrome)، وهي العادة المتكررة على الاستمناء بضغط شديد يُعوّد الأعصاب الحسية على مستوى تحفيز لا يمكن لأي شريكة تحقيقه — مما يجعل النشوة مع الشريكة صعبة أو مستحيلة في حين تبقى ممكنة بالاستمناء.
الفشل الكلوي المزمن: يمكن أن يؤثر الفشل الكلوي المزمن في العديد من الهرمونات المرتبطة بالصحة الجنسية، كما قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى البرولاكتين لدى بعض المرضى. وقد تسهم هذه التغيرات في حدوث اضطرابات في الرغبة الجنسية والانتصاب والنشوة الجنسية، ضمن التأثيرات الأوسع للمرض على الصحة العامة والوظيفة الجنسية.
سابعاً: كيف يُشخَّص الاضطراب؟
التشخيص الدقيق يبدأ من التاريخ المرضي المفصّل قبل أي فحص.
المرحلة الأولى — التاريخ المرضي: يسأل الطبيب عن متى بدأ الاضطراب، وهل هو في كل المواقف أم في مواقف بعينها، وهل يحدث مع الشريكة فقط أم حتى أثناء الاستمناء، وهل تزامن مع بدء دواء جديد أو حدث مجهد أو تغيير في الحياة. هذه الأسئلة وحدها كثيراً ما تُحدد السبب قبل أي فحص.
المرحلة الثانية — الفحوصات الهرمونية: مستوى التستوستيرون الكلي والحر، والبرولاكتين، وهرمون TSH لوظيفة الغدة الدرقية، وسكر الدم والسكر التراكمي. هذه الفحوصات الأربعة تُغطي الأسباب الهرمونية الأكثر شيوعاً وتكلفتها في المتناول.
المرحلة الثالثة — تقييم عصبي عند الحاجة: إذا أشار التاريخ المرضي إلى احتمال اعتلال عصبي — كوجود سكري أو أعراض تنميل — يُجري الطبيب تقييماً لسلامة الأعصاب المحيطية في منطقة الحوض.
المرحلة الرابعة — التقييم النفسي: إذا لم تكشف الفحوصات والتقييمات الطبية عن سبب جسدي واضح، فقد يوصي الطبيب بإجراء تقييم نفسي أو استشارة متخصصة في الصحة الجنسية. ويهدف ذلك إلى البحث عن العوامل النفسية أو العاطفية أو المرتبطة بالعلاقة الزوجية التي قد تسهم في حدوث المشكلة أو استمرارها.
ثامناً: تأثير الاضطراب على العلاقة الزوجية
اضطراب النشوة لا يعيشه الرجل وحده — الشريكة تتأثر بدرجة لا تقل أهمية، وإن اختلفت طبيعة التأثير.
كثير من الشريكات قد يفسرن تأخر النشوة الجنسية لدى الرجل أو صعوبة وصوله إليها على أنه دليل على ضعف الانجذاب أو تراجع المشاعر، رغم أن هذا التفسير لا يكون صحيحاً في كثير من الحالات. وعندما يغيب الحوار الواضح حول المشكلة، قد ينشأ شعور بالإحباط أو عدم الثقة أو حتى بالمسؤولية عن ما يحدث، مما يزيد الضغط النفسي على الطرفين ويجعل المشكلة الجنسية تؤثر في العلاقة بشكل أوسع.
من جهته، قد يختار الرجل عدم الحديث عن المشكلة أو إخفاء ما يمر به، فيستمر في النشاط الجنسي دون أن يشارك شريكته حقيقة ما يشعر به. ومع مرور الوقت، قد يؤدي غياب التواصل إلى زيادة سوء الفهم واتساع الفجوة بين الطرفين.
وتشير دراسات منشورة في ScienceDirect إلى أن اضطرابات الاستجابة الجنسية لا تؤثر في الشخص المصاب فقط، بل قد تنعكس أيضاً على مستوى الرضا الجنسي والعاطفي لدى الشريكين معاً، خاصة عندما تستمر المشكلة دون نقاش أو معالجة مناسبة. (المصدر: ScienceDirect )
الحل لا يبدأ من العيادة دائماً — بل كثيراً ما يبدأ من حوار صادق بين الطرفين يُزيل سوء الفهم ويُخفف الضغط المتبادل.
تاسعاً: متى يكون الاضطراب علامة تحذيرية لمرض أعمق؟
هذا ما لا يعرفه كثير من الرجال: اضطراب النشوة في بعض الحالات ليس المشكلة — بل هو أول أعراض مشكلة أعمق.
السكري غير المشخَّص: الاعتلال العصبي السكري يبدأ بصمت — وأحياناً يكون ضعف الإحساس الجنسي أو تأخر النشوة هو التنبيه الأول قبل أن تظهر أعراض التنميل في القدمين أو غيرها.
ورم الغدة النخامية (Prolactinoma): كما ذكرنا، تراجع الرغبة الجنسية واضطراب النشوة قد يكونان العرض الوحيد لورم حميد في الغدة النخامية يمكن علاجه بالكامل بالأدوية.
قصور الغدة الدرقية: أحياناً لا تظهر الأعراض الكلاسيكية كالتعب والوزن الزائد في البداية، ويكون اضطراب النشوة أو تراجع الرغبة الجنسية هو المؤشر الأول.
أمراض الجهاز العصبي المركزي: التصلب المتعدد وبعض الأمراض العصبية النادرة قد تُقدّم اضطراب النشوة ضمن أولى أعراضها الأولية.
القاعدة العملية: أي اضطراب مفاجئ في النشوة عند رجل كان وضعه طبيعياً — حتى لو بدا بسيطاً — يستحق فحصاً طبياً لا تأجيلاً.
رأي فريق أطلس الرجل الصحي
اضطراب النشوة هو الأقل حظاً من الاهتمام الطبي بين اضطرابات الصحة الجنسية عند الرجل — وربما لأن الرجال أنفسهم نادراً ما يُفصحون عنه. كثير من الحالات تبقى دون تشخيص لسنوات لأن الرجل يُكمل الممارسة الجنسية دون أن يُدرك أن ما يعيشه ليس طبيعياً. أي تغير مفاجئ في شدة النشوة أو تأخرها الملحوظ يستحق تقييماً طبياً — لأن السبب في أغلب الأحيان موجود وقابل للعلاج.
متى تراجع الطبيب؟
تستدعي مراجعة الطبيب في الحالات الآتية:
- تأخر النشوة بشكل مستمر لأكثر من شهرين دون سبب واضح.
- غياب النشوة الكامل عند رجل كان يصلها بشكل طبيعي.
- القذف دون أي إحساس بالنشوة أو المتعة.
- ربط الاضطراب ببدء دواء جديد.
- اضطراب النشوة المصاحب لانخفاض الرغبة الجنسية أو ضعف الانتصاب.
- أي تغير مفاجئ في جودة النشوة لدى رجل يعاني من السكري أو أمراض عصبية.
كيف تبدأ مع طبيبك؟
عند زيارة طبيب المسالك البولية أو طبيب الطب الجنسي، يُفيد وصف الحالة بهذه الطريقة:
“أعاني من صعوبة أو تأخر في الوصول إلى النشوة رغم وجود إثارة كافية، منذ [المدة الزمنية]. الحالة طرأت مؤخراً / كانت موجودة دائماً، وتحدث مع الشريك فقط / في كل الأوقات.”
الفحوصات التي يُرجَّح أن يطلبها الطبيب:
- مستوى التستوستيرون الكلي والحر.
- مستوى البرولاكتين.
- مستوى هرمون TSH، لأن قصور الغدة الدرقية يرفع البرولاكتين ويُخفض التستوستيرون — وكلاهما يُضعف النشوة مباشرة.
- سكر الدم والسكر التراكمي للكشف عن السكري المبكر.
- تقييم الاعتلال العصبي المحيطي عند الحاجة.
- مراجعة قائمة الأدوية الحالية بحثاً عن أي دواء مرتبط بالاضطراب.
الخلاصة العلمية
اضطراب النشوة الجنسية عند الرجل ليس حالة واحدة بل طيف متدرج يمتد من التأخر البسيط إلى الغياب الكامل إلى الأنهيدونيا الجنسية — وكل نوع له آليته ومساره العلاجي المختلف. أسبابه متعددة المحاور: هرمونية تبدأ بانخفاض التستوستيرون وارتفاع البرولاكتين، وعصبية تشمل الاعتلال السكري وإصابات الحبل الشوكي وما بعد جراحة البروستاتا، ودوائية يتصدرها SSRIs ومضادات الذهان، ونفسية تتراوح بين قلق الأداء والاكتئاب والاشتراط الجنسي. الجامع بين هذه الأسباب كلها أنها تُخل بأحد مسارين لا ثالث لهما: إما المسار العصبي الذي ينقل الإشارة من الحوض إلى الدماغ، أو نظام الدوبامين الذي يُحوّل هذه الإشارة إلى إحساس بالذروة. تحديد أي المسارين متضرر هو مفتاح التشخيص الصحيح والعلاج الفعّال.

الأسئلة الشائعة ❓
هل اضطراب النشوة نادر عند الرجال؟
أقل شيوعاً من اضطرابات الانتصاب وسرعة القذف، لكنه بعيد عن الندرة. التقديرات تُشير إلى أن ما بين 4% و8% من الرجال يعانون منه بدرجات متفاوتة، وربما يكون الرقم الحقيقي أعلى لأن كثيراً من الرجال لا يُبلّغون عنه خجلاً.
هل يمكن أن يتحسن الاضطراب من تلقاء نفسه؟
إذا كان ضعف النشوة مرتبطاً بظروف مؤقتة، مثل ضغوط العمل الشديدة أو التوتر النفسي العابر، فقد يتحسن تلقائياً مع زوال السبب. أما إذا كان ناتجاً عن مشكلة صحية مستمرة، أو تأثير دوائي، أو اضطراب نفسي مزمن، فعادةً لا يتحسن بشكل كامل ما لم يُعالج السبب الأساسي.
هل يؤثر اضطراب النشوة على الخصوبة؟
اضطراب النشوة وحده لا يؤثر على جودة الحيوانات المنوية، لكن إذا ترافق مع غياب القذف فهذا يُؤثر بالطبع على القدرة على الإنجاب.
هل أدوية الاكتئاب هي السبب الأكثر شيوعاً؟
هي من أكثر الأسباب الموثقة والقابلة للتحديد، خاصةً حين يلاحظ الرجل ارتباط الاضطراب ببدء الدواء. لكن الأسباب النفسية بدون أدوية قد تكون الأكثر شيوعاً إجمالاً.
هل يمكن للرجل أن يعاني من اضطراب النشوة ويحتفظ بانتصاب طبيعي؟
نعم تماماً. الانتصاب والنشوة مساران عصبيان مستقلان. كثير من الرجال يصفون انتصاباً طبيعياً وقدرة على الجماع لكن دون الوصول إلى النشوة.
هل الأنهيدونيا الجنسية اضطراب نفسي؟
ليس بالضرورة. فقد تكون الأنهيدونيا الجنسية مرتبطة بعوامل نفسية، مثل الاكتئاب أو بعض التجارب الصادمة، لكنها قد تنجم أيضاً عن اضطرابات عصبية أو تكون أثراً جانبياً لبعض الأدوية. لذلك فإن تحديد السبب يتطلب تقييماً طبياً متخصصاً، ولا يُنصح بالاعتماد على التشخيص الذاتي.
ما الفرق بين اضطراب النشوة وسرعة القذف؟
سرعة القذف تعني حدوث النشوة والقذف في وقت أقصر مما يرغب به الرجل أو شريكته، بينما اضطراب النشوة الجنسية يتمثل في تأخر الوصول إلى النشوة بشكل ملحوظ أو عدم حدوثها رغم وجود إثارة جنسية كافية. ورغم أن الاضطرابين يختلفان في طبيعتهما، فإنهما يُصنفان ضمن اضطرابات الاستجابة الجنسية عند الرجال.
إخلاء المسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض التثقيف الصحي العام فحسب، ولا تُشكّل تشخيصاً طبياً ولا توصية بعلاج. استشر طبيبك المختص قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بصحتك.
مقالات قد تهمك:

